على الرغم من الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل، إلا أنها لعبت دور الوسيط الدولي في القضية الفلسطينية، بينما قامت القوى الاقليمية بأدوار محدودة مرسومة لها أمريكيا، بحيث لا تتجاوز فك الاشتباك المباشر او تعزيز رؤى واشنطن، والتي اعتمدت، ولو ظاهرياً، الشرعية المتوافق عليها دوليا، والقائمة على حل الدولتين على أساس قيام دولة فلسطين على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
الدور الأمريكي كوسيط رئيسي في قضية اقليمية، دفع نحو تحويلها إلى الرعاية، دون تحمل كلفة أمنية او اقتصادية او حتى سياسية، بينما خلق طبقات أدنى من الوساطة، يقتصر دورها على التعامل اللحظي مع المستجدات تحت إشراف مباشر من واشنطن، وهو ما عززته الحالة الدولية الأحادية في ظل الهيمنة المطلقة منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي، وهو ما يطرح تساؤلا حول ما إذا كانت المرحلة الراهنة من النظام العالمي، في ضوء ما يشهده من مخاض، يتطلب نطاقا جغرافيا للدور نفسه، بحيث يكون أكثر جدوى، أو بالأحرى رفع درجة الوسيط الاقليمي ليكون راعيا للقضايا المرتبطة بمنطقته الجغرافية، بحيث لا يقوم الدور على البعد الأخلاقي وحده، وإنما بالأكثر بما يتواءم مع التداعيات المترتبة على استمرار الصراع على الإقليم بأسره، مع عدم تجاهل الدور الذي تقوم به القوى الكبرى، بحيث يمكنها القيام بدور مكمل للأدوار الاقليمية الفاعلة في الأزمة.
والواقع ان الانطلاق من قضية فلسطين، عند تناول مسألة الرعاية الدولية للقضية الاقليمية، لا يقتصر في أهميته على مجرد الانتماء لها باعتبارها قضية الاقليم المركزية، وإنما يمتد إلى العديد من الابعاد الأخرى، أهمها أن القضية الأقدم، فقد عاصرت عدة حقب دولية، بدءً من زمن الاستعمار التقليدي في ضوء صدور وعد بلفور في عام 1917، وهو اللبنة الأولى في شرعنة الاحتلال، لتصبح بريطانيا الراعي الاول للاحتلال، بينما كانت حرب فلسطين في 1948، مع بزوغ الثنائية القطبية، وكانت الرعاية منقسمة بين فريقين احدهما غربي يدعم الاحتلال والآخر اقليمي مع دعم سياسي من الكتلة الشرقية للحق الفلسطيني، في حين عاصرت الاحادية القطبية، ليتوحد الجميع خلف الشرعية المتمثلة في حق الدولتين، كما أنها تعيش الان إرهاصات نظام دولي جديد لم تتحدد ملامحه بعد.
إلا أن مسألة الرعاية باتت تتجاوز قضية فلسطين، في ظل ظهور قضايا أخرى في أقاليم كانت تحظى بقدر من الاستقرار، وعلى رأسها أوروبا الغربية مع بزوغ الأزمة الاوكرانية، ثم الحديث عن مستقبل جزيرة جرينلاند، وهي قضايا تستحق وجود اطراف فاعلة يمكنهم القيام بدور رعاية حقوق الشعوب، بحسب وجهة النظر الاقليمية في كل منطقة على حدة، ليصبح من الضروري إدراك ما إذا رعاية القضايا الاقليمية مرتبطا بالجغرافيا أم بالهيمنة.
ولا يعني الانطلاق من الحالة الفلسطينية اعتبارها مركزا وحيدًا للتحليل، بقدر ما تمثل نموذجا كاشفا لتطور مفهوم الرعاية عبر الحقب الدولية المختلفة، وهو ما يجعلها أداة تفسيرية لا إطارا حصريًا، فالمسألة في جوهرها تتعلق بتحول بنية النظام الدولي ذاته، وهو ما انعكس على قضايا أخرى في أقاليم مختلفة، من أوكرانيا في أوروبا الشرقية، إلى نقاشات السيادة والرعاية في مناطق بعيدة عن بؤر الصراع التقليدية، بما يؤكد أن الرعاية لم تعد حكرًا على قضية بعينها، وإنما صارت وظيفة مرتبطة بالجغرافيا السياسية لكل إقليم
ولعل البعد المركزي الذي ينبغي توضيحه في هذه السطور يتجلى في كون القدرة على الرعاية ليس مرتبطا بمقدار التأثير الذي تحظى به القوى الاقليمية، وانما يرتبط بطبيعة النظام الدولي وقدرة القوى الحاكمة على فرض رؤيتها، وبالتالي اعتلاء دور المنظم للعملية السياسية برمتها، وهو الأمر الذي يبدو مختلفا في اللحظة الراهنة، في ضوء انغماس الولايات المتحدة في صراعات مع منافسين كانوا غائبين لعقود طويلة من الزمن، مما خلق فراغا أشرت إليه في مقالي السابق، وهو ما يدفع إلى ضرورة وجود بديل، أراه مرتبطا بالجغرافيا الاقليمية، ليكون لديه القدرة على القيام بدور المنظم او الرعاية للقضايا الرئيسية في منطقته.
ولعل الارتباط الوثيق بين الجغرافية والرعاية، قد تجلى بوضوح في أزمة غزة الأخيرة، في ضوء حالة من السيولة الدولية، على النحو سالف الذكر، فجاءت المواقف الاقليمية، وفي القلب منها الموقف المصري واضحا، حيث اتسم بقدرته على استباق كل مرحلة من مراحل العدوان منذ الوهلة الاولى، بدء من قمة القاهرة للسلام في اكتوبر 2023 مرورا بالقمة العربية الاستثنائية في مارس 2025، وصولا إلى قمة شرم الشيخ للسلام، حيث كان كل منهم بمثابة إدارة عملية لمراحل الصراع، فالأولى جاءت لرفض التهجير والتاكيد على ثوابت القضية والالتزام بالشرعية الدولية، بينما كانت الثانية بمثابة حجر الاساس لإدارة مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار عبر اعادة الإعمار، في حين كانت الثالثة تتويجا لجهود مصر عبر تمرير خطة الرئيس دونالد ترامب، والتي استلهمت كثيرا من بنودها من الخطة العربية التي مررتها القمة العربية بالقاهرة، وهو ما يمثل انعكاسا لاحترام بالغ للدور الأمريكي، وهو ما يعكس حقيقة عدم اقصاء الدور الذي تقوم به القوى الكبري، في الوقت الذي ينبغي فيه احترام الجغرافية في ادارة الأزمات الاقليمية.
التجربة سالفة الذكر ليست حكرا على فلسطين، فهناك تحركات شبيهة في أوروبا في اطار ادارة ازمة أوكرانيا، وهو ما يبدو فيما يسمى بـ"تحالف الراغبين"، والذي يسعى للقيام بدور في احتواء الموقف دون تجاهل الدور الامريكي، ولكن مع امتلاك قدر من المبادرة تعتمد في الاساس على تقديم خطة اقليمية للحل، وهو الأمر الذي حمل ارهاصات تتجلى في تقارب فرنسي بريطاني، مع تحرك قاري جمعي لتحقيق توافقات بعيدا عن الخلافات البينية، ولو ان التحرك جاء متاخرا، حيث اعتمدت أوروبا على الرعاية الأمريكية خلال إدارة جو بايدن في بداية الأزمة، ولم تتحرك باستقلالية إلا مع عودة ترامب للبيت الأبيض في ضوء مواقفه التي بدت مهادنة لموسكو اكثر منها منحازة للغرب.
وهنا الاختلاف بين المبادرة ورد الفعل في الحالتين الفلسطينية والأوكرانية، فالقاهرة استبقت الجميع بالتأكيد على الثوابت الدولية بعد أيام من اندلاع العدوان على غزة، بينما أوروبا انتظرت لأكثر من 3 سنوات كاملة حتى تلملم شتاتها وتشكل تحالفا دبلوماسيا ليكون في مواجهة الحليف قبل ان يكون في معركة مع الخصم، وهو ما يعكس في كل الأحوال إدراكا أوروبيا بأهمية التحرك المستقل، مما يعكس تغييرا مهما في إدارة الملفات الإقليمية في القارة العجوز.
وهنا يمكننا القول بأنه لم تعد القضايا الإقليمية قابلة للإدارة من خارج جغرافيتها، ولا للرعاية عبر قوى بعيدة عن كلفها المباشرة. وبين الهيمنة العابرة للأقاليم، والجغرافيا القادرة على تحمّل تبعات القرار، تتشكل ملامح نموذج جديد للرعاية، لا يقصى القوى الكبرى، لكنه يعيد ترتيب الأدوار، ويمنح الإقليم حق المبادرة في قضاياه المصيرية