<<الذهب والنفط ومعادن المستقبل تتحول لوقود تنافس دولي
<< خبيرة مغربية خبير في الشؤون الإفريقية: القارة ليست فقيرة بل منهكة بسوء الإدارة والاستغلال الخارجي
<< خبير بالعلاقات الدولية: استنزاف أفريقيا بدأ منذ الحقبة الاستعمارية الكلاسيكية
<< محلل سياسي جزائري: القارة الأفريقية تحتاج إلى أدوات تخرج بها من دائرة الهيمنة الغربية
<< تمارا برو: الاستثمارات الصينية المتراكمة في إفريقيا تقدر بأكثر من 40 مليار دولار
<< محلل سياسي أمريكي: 27 مليارا فقط استثمارات أمريكية بالقارة السمراء
<< مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية من موسكو : الاستثمارات الروسية تركز على قطاع التعدين
<< أستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية: إفريقيا تحاول تعزيز التكامل الإقليمي من خلال منطقة التجارة الحرة القارية
على امتداد الخريطة الإفريقية، من مناجم الذهب في مالي إلى حقول النفط في نيجيريا، ومن غابات الكونغو الغنية بالكوبالت إلى الأراضي الخصبة في إثيوبيا، تمتد القارة مثل صندوق كنوز مفتوح لكنه ليس لأصحابه، فرغم أنها واحدة من أغنى مناطق العالم بالموارد الطبيعية، تبقى القارة السمراء أسيرة الفقر والصراعات والانهيار الاقتصادي، ويصبح السؤال الملح : "كيف يمكن لقارة تمتلك ثلث موارد العالم أن تصبح موطنا لأفقر شعوب الأرض؟".
ثروات إفريقيا
هذا التحقيق يحاول فك لغز "المفارقة الإفريقية"، حيث ثراء طبيعي هائل يقابله فقر لا يليق إلا بقارة منهوبة، وثروة تكفي لتغيير وجه العالم لا وجه القارة، فإفريقيا تختزن أكثر من 40% من ذهب العالم، و90 % من الكوبالت المستخدم في صناعة بطاريات المستقبل، وكذلك أكبر احتياطي من البلاتين، ونحو 12% من النفط العالمي، وثروات هائلة من الألماس والنحاس واليورانيوم، وربع الأراضي الصالحة للزراعة على مستوى الكوكب.
هذه الثروة الطبيعية الهائلة كانت كفيلة بتحويل إفريقيا إلى قوة اقتصادية تضاهي دولا كبرى، لكن الواقع على الأرض يبدو النقيض تماما، حيث دول تكافح المجاعة، شباب يهرب عبر الصحراء، مدن بلا كهرباء، وجيوش من العاطلين.
لعنة الموارد.. حين يتحول الكنز إلى نقمة
ويسمي خبراء الاقتصاد تحول الكنز إلى نقمة بـ"لعنة الموارد"، لكن في الحالة الإفريقية، الأمر يتجاوز اللعنة الطبيعية ليصل إلى جريمة اقتصادية ممنهجة، فمعادلة القارة السمراء واضحة "كلما امتلكت دولة موارد أكثر تزايدت الصراعات وانتشرت الميليشيات وتعمقت الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، فدولة الكونغو الديمقراطية، تمتلك أغنى مناجم الكوبالت في العالم، لكنها تشهد حربا مستمرة منذ 30 عاما، ومجتمعا يعيش على أقل من دولارين يوميا.
كذلك هناك دولة نيجيريا والتي لديها أكبر اقتصاد إفريقي ومن أكبر منتجي النفط، لكنها تعاني مستويات فقر غير مسبوقة وبطالة تضرب غالبية الشباب، بينما جنوب السودان، وُلدت وفي يدها كنز نفطي، لكن البندقية أكلت كل شيء، ليصبح السؤال المناسب ما هو السر الحقيقي في هذا الأمر؟ خاصة أن الثروة نفسها تتحول إلى ساحة صراع عليها بين القوى الدولية، والشركات العابرة للقارات، والزعامات المحلية، والميليشيات المسلحة.
النهب الجديد.. ببدلة وربطة عنق
الاستعمار القديم خرج من الأبواب، لكنه عاد من النوافذ، فلم تعد القوى الخارجية تحتاج إلى جيوش لنهب إفريقيا، يكفي وجود شركات تعدين عملاقة، واتفاقيات مجحفة، وحكومات ضعيفة، ووسطاء محليون يبحثون عن نصيبهم، ففي الكونغو وحدها، تقدر أرباح شركات غربية وصينية من معادن المستقبل بما يفوق ما تحصل عليه الدولة بعشرات المرات، وفي غانا وسيراليون، تزال قرى كاملة من أجل التنقيب، بينما في موزمبيق وتنزانيا، تباع حقوق الغاز بعقود تمتد نصف قرن بأبخس ثمن.
الصراع على ثروات إفريقيا وجه آخر للفقر
الثروة ليست مجرد اقتصاد بل سياسة وحرب، فعلى سبيل المثال في الساحل الإفريقي، تتحرك الجماعات المسلحة على خطوط مناجم الذهب، بينما بشرق الكونغو، تشتعل المعارك بالقرب من مناجم الكوبالت، وكذلك في الموزمبيق، تتداخل شركات الغاز مع الجماعات الإرهابية، وكلما حاولت دولة السيطرة على مواردها، تعرضت لضغوط دولية، أو مشكلات محلية، أو اضطرابات داخلية تعيدها إلى نقطة الصفر، وأبرز دليل على ذلك، حين حاولت مالي إعادة التفاوض على عقود تعدين الذهب، ظهر التمرد المسلح بشكل مفاجئ، وحين حاولت نيجيريا رفع نسبة الدولة من عائدات النفط، واجهت تمرد دلتا النيجر
الحرب على المستقبل.. أفريقيا في قلب صراع التكنولوجيا العالمي
دخلت إفريقيا اليوم فصلا جديدا من قصة النهب، حيث صراع على معادن المستقبل مثل الكوبالت والليثيوم والنيكل هي أساس صناعة السيارات الكهربائية، الهواتف الذكية، وتكنولوجيا الطاقة النظيفة، وهذه المعادن موجودة بكثافة في إفريقيا، ولذلك تحولت القارة إلى ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، وشركات التكنولوجيا العملاقة، وبينما تتصارع القوى الكبرى، يبقى الإفريقي البسيط أسفل المنجم، يحفر بيديه، ويقبض دولارين يوميا.
لماذا لا يستفيد المواطن الإفريقي؟
يظل هناك سؤالا جوهريا في هذه الظاهرة وهو "لماذا لا يستفيد المواطن الأفريقي؟"، والجواب في 4 عناصر أساسية أولها غياب التصنيع، فالمواد الخام تصدر كما هي، ثم تباع للقارة بعد تصنيعها بأضعاف الثمن، وإفريقيا تنتج أهم معادن العالم لكنها لا تصنع هاتفًا واحدًا بالكامل.
ثانيا التدخلات الخارجية، خاصة أن المعادن ليست مجرد اقتصاد، بل ورقة ضغط سياسي، والقوى الكبرى لا تريد لإفريقيا أن تمتلك زمام مواردها، وثالثا الفقر المتوارث، لاسيما أن في ظل تصاعد والبطالة، وتفكك البنى التحتية، تجعل القارة عالقة في دائرة لا تنتهي، ومع ذلك إفريقيا ليست محكوما عليها بالفقر لأن هناك تجارب بدأت تقلب المعادلة.
أبرز تلك الدول التي بدأت تقلب المعادلة، هي رواندا التي تحولت من بلد مدمر إلى اقتصاد صاعد بتقليل الاعتماد على تصدير الخام وتحفيز الصناعة المحلية، وكذلك بوتسوانا التي أنهت لعنة الألماس عبر إدارة شفافة للموارد، وغانا التي بدأت بإعادة التفاوض على عقود الذهب لصالحها، فهذه النماذج تؤكد أن الحل ليس في الثروة ذاتها، بل في من يديرها وكيف تدار.
قارة تعوم على الكنز وتغرق في الفقر
إفريقيا ليست فقيرة، بل مُفقرة، فمواردها ليست قليلـة، لكنها مسيطرة عليها، وثروتها هائلة، لكن من يجني ثمارها ليس أبناءها، ويصبح السؤال الأهم " هل يأتي يوم تعيد فيه القارة السمراء كتابة تاريخها الاقتصادي وتسترد كنزها المسلوب؟
ثروات إفريقيا الطبيعية والمعادن
القارة السمراء من أغنى القارات بالموارد الطبيعية والمعادن، ومن أبرزها المعادن الأساسية، كالذهب في جنوب إفريقيا، غانا، السودان، مالي، زمبابوي، والماس في بوتسوانا، جنوب إفريقيا، الكونغو الديمقراطية، أنجولا، والبلاتين في جنوب إفريقيا هي أكبر منتج عالمي، والكروم والنحاس والنيكل في زامبيا، الكونغو الديمقراطية، جنوب إفريقيا، واليورانيوم في نيجيريا، النيجر، جنوب إفريقيا.
هناك ثروات طبيعية أخرى مثل النفط والغاز الطبيعي في نيجيريا، أنجولا، ليبيا، الجزائر، والفحم في جنوب إفريقيا، زمبابوي، موزمبيق، والأخشاب الاستوائية في الكونغو، الكاميرون، والجابون، والأراضي الزراعية الخصبة في كينيا، إثيوبيا، نيجيريا، ساحل العاج.

أبرز ثروات أفريقيا
أثر الاستعمار على ثروات إفريقيا
كان للاستعمار الغربي على دول جنوب ووسط أفريقيا لسنوات عديدة تأثيرات سلبية كبيرة، فالاستعمار الأوروبي خلال العقود السابقة كالفرنسي، والبريطاني، والبلجيكي، والبرتغالي، والهولندي كان يركز على نهب المعادن والذهب والماس والنفط لنقلها إلى القارة العجوز، واستغلال الأراضي الزراعية لزراعة المحاصيل النقدية مثل القطن، الشاي، البن، الكاكاو، والعمل القسري للسكان المحليين في المناجم والمزارع.
هناك أمثلة كثيرة، مثل الكونغو البلجيكية والتي شهدت نهب المطاط والمعادن، وعمل السكان تحت ظروف قاسية أدت لموت ملايين، بينما حدث في جنوب إفريقيا استغلال الذهب والماس على نطاق واسع من قبل الشركات الأوروبية، ونيجيريا وأنجولا عانا استغلال النفط والموارد البحرية، بينما في كوت ديفوار وغانا، فإن الاستعمار الأوروبي استغل الكاكاو والذهب والموارد الزراعية، وتعد أكثر الدول التي تعرضت للنهب، الكونغو الديمقراطية، وجنوب إفريقيا، ونيجيريا، وأنجولا، وزيمبابوي، وكوت ديفوار، وغانا
ويؤكد عمرو حسين، الخبير في العلاقات الدولية، أن القارة الأفريقية رغم أنها تعد من أغنى قارات العالم من حيث الثروات والموارد الطبيعية، فإنها ما زالت "paradox " تاريخي صارخ، حيث من أفقر القارات على مستوى الدخل والتنمية، بينما تعاني شعوبها من الجوع، والجفاف، والأوبئة، وانعدام الأمن الغذائي، مشيرا إلى أن هذا التناقض البنيوي لا يمكن فهمه بمعزل عن منظومة دولية غير عادلة جعلت من أفريقيا، عبر عقود طويلة، ساحة مفتوحة للاستغلال ونهب الثروات لا شريكا في التنمية.
ويوضح في تصريحات لـ"اليوم السابع"، أن استنزاف أفريقيا بدأ منذ الحقبة الاستعمارية الكلاسيكية، حين قسمت القارة وفق مصالح القوى الكبرى، دون اعتبار للحدود الجغرافية أو التركيبة الاجتماعية، ثم تطور هذا الاستغلال لاحقا إلى أشكال أكثر خطورة ونعومة، عبر ما يمكن تسميته بـ"الاستعمار الاقتصادي الجديد"، الذي تمارسه دول العالم المتقدم من خلال الشركات العابرة للقارات، واتفاقيات التجارة غير المتكافئة، وسياسات الإقراض المشروط، التي قيدت القرار السيادي للدول الأفريقية وربطت اقتصاداتها بدوائر التبعية.
ويشير إلى أن العالم المتقدم يمضى في استغلال القارة الأفريقية عبر إخراج ثرواتها خاما دون أي قيمة مضافة حقيقية داخل دولها، ثم إعادة تصديرها في صورة منتجات مصنعة بأضعاف مضاعفة من الأسعار، وهو ما أسهم في إفقار الشعوب وإضعاف القدرات الإنتاجية الوطنية، ويضاف إلى ذلك دعم أنظمة هشة أو فاسدة تضمن استمرار تدفق الموارد، ولو على حساب الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وبشأن أبرز الثروات الأفريقية التي تثير أطماع القوى الدولية، يقول إن في مقدمة تلك المعادن الاستراتيجية الذهب، والماس، واليورانيوم، والكوبالت، والليثيوم، وهي عناصر تدخل بشكل مباشر في الصناعات العسكرية، والطاقة النووية، والتكنولوجيا الحديثة، وصناعات المستقبل، لافتا إلى أن القارة السمراء تمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز، وأراضي زراعية من الأوسع عالميا، وموارد مائية وغابية ضخمة، بجانب ثروة بشرية شابة تعد هدفًا للاستغلال كعمالة رخيصة أو للهجرة القسرية نحو الشمال.
ويؤكد عمرو حسين، أن جوهر الأزمة الأفريقية لا يكمن في ندرة الموارد، بل في غياب العدالة الدولية، واختلال ميزان القوة في النظام العالمي، واستمرار فرض نماذج تنموية مفروضة من الخارج لا تراعي خصوصية المجتمعات الأفريقية، مشيرا إلى أن خروج القارة السمراء من دائرة الفقر والتهميش يظل مرهونا بامتلاك إرادة سياسية مستقلة، وبناء مشروع تنموي ذاتي، وإعادة صياغة علاقتها مع العالم على أساس الشراكة العادلة لا النهب، والتكامل لا التبعية.

أكثر الدول الأفريقية التى تعرضت لنهب في زمن الاستعمار
كيف يمكن لإفريقيا الحفاظ على ثرواتها؟
يمكن لدول القارة السمراء الخروج من هذا الاستغلال والحفاظ على ثرواتها، من خلال تطوير الصناعات المحلية، فبدلا من تصدير المواد الخام، إقامة مصانع لتصنيع الذهب، النحاس، النفط، وإصلاح السياسات الحكومية عبر تشديد الرقابة على استثمارات الشركات الأجنبية، ووضع قوانين واضحة للضرائب والاستغلال، وتحقيق التكامل الإقليمي من خلال التعاون بين الدول الإفريقية لتوحيد استراتيجيات التصدير والاستثمار.
كذلك لابد من مكافحة الفساد، وحماية الثروات الوطنية من الانتهاكات الداخلية والخارجية، والاستثمار في التكنولوجيا والطاقة عبر استغلال الموارد الطبيعية بشكل مستدام وزيادة القيمة المضافة، والاهتمام بالتعليم والتوعية من خلال نشر المعرفة حول حقوق الشعوب وطرق إدارة الموارد بشكل رشيد.
ويؤكد المحلل السياسي الجزائري، محمد سي بشير، أن العلاقات الدولية علاقات قوة مصلحة وقدرة على إدارة الفوضى، وأفريقيا في هذا لا تمتلك مسلمات تجعل من قرارات دولها إرادية وبدلا أن تكون فاعلا أضحت موضوعا في الحركية الدولية.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن العلاقة غير المتوازنة في القارة الأفريقية تقوم على معادلة امتلاك الخيرات والموارد دون القدرة على استغلالها من ناحية القارة السمراء، وسعي الغرب، في إطار تنافسية شديدة، للحصول على تلك الخيرات والموارد، موضحا أن تلك المعادلة تمثل إرادة الغرب في توفير فضاءات يصنع فيها الإرهاب ويستخدم أدوات الهيمنة، بينما افريقيا في هذا لها وافر الحظ لأن تكون المكان الأمثل لنهب الموارد وصناعة الإرهاب أو الموت.
ويشير المحلل السياسي الجزائري، إلى أن القارة الأفريقية تحتاج إلى أدوات تخرج بها من دائرة الهيمنة الغربية و ذلك بتنويع الشراكات لتنال منها ما يلزمها مع ربط الاقتصاد بمصلحة القارة في إطار معادلة جديدة هي "رابح-رابح"، موضحا أن أبرز هذه الأدوات الاستراتيجية تنويع الشراكات بالخروج من عنق الزجاجة بحصر الشراكة بطرف قد يكون المستفيد الحصري من العلاقة خاصة إذا كانت غير متوازنة.
ويوضح أن من بين الأدوات بناء منظمات تكامل جوارية وإقليمية تكون بمثابة الدرع الواقي، من ناحية، والمحفز لطلب عروض شراكات تكون ذات فائدة للأطراف التي تشكل الطرف الأضعف في علاقات الشراكات، بجانب بناء منظومات شراكات تلزم العمل بالأدوات الاقتصادية والأمنية وتعطيها الأهمية ذاتها، بحيث يكون الاقتصاد منطلق لبناء شراكات تحول دون استغلالها لفرض عروض شراكات غير متوازنة أو موجهة نحو الأمن دون غيره.
سباق القوى الكبرى على إفريقيا.. استثمارات بنكهة النفوذ
لم تعد القارة السمراء مجرد ساحة للموارد الخام، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مسرح تنافس مفتوح بين القوى الكبرى، حيث تتقاطع الاستثمارات الاقتصادية مع حسابات النفوذ السياسي والاستراتيجي، وتتصدر الولايات المتحدة والصين وروسيا هذا السباق، وإن اختلفت أدوات كل طرف وأولوياته داخل إفريقيا.
النفوذ الصيني
الصين تمثل الحضور الأكثر وضوحا من حيث الانتشار والعمق، إذ ضخت على مدار العقدين الماضيين عشرات المليارات من الدولارات في مشروعات البنية التحتية، من طرق وموانئ وسكك حديدية، إلى جانب الطاقة والصناعات التحويلية، فيما تقدر الاستثمارات الصينية المتراكمة في إفريقيا بأكثر من 40 مليار دولار، ما جعل بكين الشريك الاقتصادي الأبرز للعديد من الدول الإفريقية، خاصة في شرق وغرب القارة، مع اعتماد واضح على القروض والمشروعات طويلة الأجل.
وتوضح الدكتورة تمارا برو، الخبيرة في الشئون الآسيوية، أن أفريقيا تمثل إحدى الساحات الاستراتيجية الأهم بالنسبة للصين، في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي وصعود التنافس الدولي على الموارد والنفوذ، مؤكدة أن الأهمية المتزايدة للقارة السمراء بالنسبة لبكين تنبع من غناها الهائل بالموارد الطبيعية، وعلى رأسها اليورانيوم والكوبالت والماغنيسيوم والليثيوم، وهي معادن حيوية يحتاجها التنين الصيني لدعم نموه الاقتصادي المتسارع.
وتشير في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إلى أن الليثيوم، على وجه الخصوص، يعد عنصرا أساسيا في صناعة السيارات الكهربائية، وهو قطاع تتصدر فيه الصين الأسواق العالمية بلا منازع، ما يدفعها إلى تكثيف استثماراتها وتعزيز تعاونها مع الدول الأفريقية لاستغلال هذه الموارد النادرة، مضيفة أن اهتمام بكين بأفريقيا لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يتجلى أيضا في الحراك الدبلوماسي المنظم، خاصة أن وزير الخارجية الصيني يحرص على أن تكون القارة السمراء أولى محطاته مع بداية كل عام جديد، في تقليد سياسي يعكس أولوية القارة في السياسة الخارجية الصينية، بجانب منتدى التعاون الصيني–الأفريقي، الذي يعقد بشكل دوري بهدف تعميق الشراكة وتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الجانبين.
في المقابل، تحذر الدكتورة تمارا برو من تصاعد حدة المنافسة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية داخل القارة الأفريقية، لاسيما أن واشنطن لا تنظر بعين الرضا إلى اتساع النفوذ الصيني في هذه المنطقة الحيوية، موضحة أن القارة السمراء تعد جزءا محوريا من مبادرة "الحزام والطريق"، بجانب احتضانها القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، وهي القاعدة الوحيدة للصين خارج حدودها، ما يضاعف من حساسيتها الاستراتيجية في حسابات القوى الكبرى.
وتوضح أن هذا التنافس يأتي في سياق أوسع من الصراع التجاري والجيوسياسي المتصاعد بين بكين وواشنطن، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص النفوذ الصيني عالميا من أمريكا اللاتينية مرورا بالشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، وصولا إلى البحر الصيني الجنوبي، مشيرة إلى أن القارة الأفريقية مرشحة لأن تكون إحدى ساحات الصراع الأشد حدة خلال المستقبل القريب، نظرا لثرائها بالمعادن الأرضية النادرة، وأهميتها في شبكات الربط الاستراتيجي لسكك الحديد والطرق التي تصل بين آسيا وأوروبا وأمريكا.
وتؤكد أن الولايات المتحدة ستكثف جهودها لمنافسة الصين داخل القارة السمراء، من خلال ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الدول الأفريقية، بهدف الحد من توسيع أو تعميق تعاونها مع بكين، خاصة في القطاعات المرتبطة بالمعادن النادرة والموارد الاستراتيجية، التي باتت تمثل جوهر الصراع الدولي في المرحلة المقبلة.
النفوذ الأمريكي
في المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بحضور استثماري مؤثر لكنه أقل صخبا، يعتمد بالأساس على الاستثمارات الخاصة والشركات متعددة الجنسيات، خصوصا في قطاعات الطاقة، والاتصالات، والخدمات المالية، ورغم أن رصيد الاستثمارات الأمريكية في إفريقيا يعد من الأكبر تاريخيا، فإن التدفقات الجديدة شهدت تذبذبا في السنوات الأخيرة، ما يعكس تراجع الزخم مقارنة بالصعود الصيني، مع بقاء النفوذ الاقتصادي الأمريكي قائما عبر المؤسسات والشركات الكبرى.
وهنا يكشف ماك شرقاوي، المحلل السياسي الأمريكي، التحولات التي شهدتها الاستراتيجية الأمريكية تجاه القارة الأفريقية خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، موضحا أن واشنطن انتقلت من خطاب القيم إلى منطق الصفقات والمصالح المباشرة.
ويوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن ترامب، خلال دورته الأولى (2016–2020)، أحدث تغييرا لافتا في المقاربة الأمريكية حيال أفريقيا، إذ أبدى اهتماما متزايدا بالقارة السمراء، وبدأ ذلك بملف السودان، حيث شهدت العلاقات تحسنا ملحوظا توج باتفاقيات أمنية كبرى، مقابل رفع اسم السودان من قوائم الدول الداعمة للإرهاب، مشيرا إلى أن تلك المرحلة شهدت أيضا توسعا في الحضور الاستخباراتي الأمريكي، إلى جانب تحركات لتعزيز الاستثمارات الأمريكية في القارة، في وقت كانت فيه الاستثمارات الصينية مرتفعة للغاية، مقابل نحو 27 مليارا فقط للولايات المتحدة، فضلا عن تمدد النفوذ الروسي، وهو ما أثار قلق واشنطن ودفعها لإعادة التفكير في شراكاتها بالقارة.
ويشير شرقاوي إلى أن الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري عبر أفريكوم، الذي لعب دورا بارزا في تطورات منطقة الساحل والصحراء، بما يعكس رهان واشنطن على أدوات القوة الصلبة إلى جانب النفوذ الاقتصادي، مؤكدا أن المشهد تبدل لاحقا مع صدور الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في أواخر نوفمبر الماضي، والتي أعادت توجيه البوصلة شرقا لمواجهة الخصمين الاستراتيجيين روسيا والصين.
ويوضح أن واشنطن أصبحت تتعامل مع أفريقيا وفقا لعلاقات تفضي إلى فتح أسواق، وتأمين الوصول إلى المعادن والموارد النفيسة، وبناء شراكات تقدم "المصلحة الأمريكية أولا، لافتا إلى أن نفوذ الولايات المتحدة في القارة سيظل جزءا من صراع القوى الكبرى، لكن من دون خطاب قيمي؛ إذ تحكمه اليوم شعارات "أمريكا أولا" و"لنجعل أمريكا قوية وغنية مرة أخرى".
النفوذ الروسي
أما روسيا، فتسلك مسارا مختلفا، إذ تركز على القطاعات السيادية والموارد الطبيعية، مثل التعدين والطاقة، خاصة الذهب واليورانيوم، ورغم أن حجم الاستثمارات الروسية المباشرة يظل أقل من نظيريه الأمريكي والصيني، فإن موسكو تعوض ذلك بتوسيع علاقاتها التجارية والعسكرية، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا إلى أكثر من 25 مليار دولار، في مؤشر على تنامي الحضور الروسي اقتصاديا وسياسيا في عدد من دول القارة.
ويشير الدكتور عمرو الديب، مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية (IGP) من موسكو، إلى أن النفوذ الروسي في القارة الأفريقية يستند بالأساس إلى خلفية تاريخية تعود إلى مرحلة الاتحاد السوفيتي، وما قدمه آنذاك من دعم واسع لحركات التحرر الوطني ومساندة الدول الأفريقية في مواجهة القوى الاستعمارية الغربية.
حجم الاستثمارات الصينية والأمريكية والروسية في أفريقيا - المقياس مليار دولار
ويوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن هذا الحضور التاريخي تحول خلال السنوات السبع أو الثماني الماضية إلى نمط مختلف من الانخراط الروسي داخل القارة، تمثل في الاستثمارات المباشرة، لا سيما في قطاع التعدين، مؤكدا أن موسكو ركزت على العمل في مناجم الذهب واستخراج المعادن الأخرى ذات القيمة الاستراتيجية، وأن هذا المسار الاقتصادي تطور تدريجيا ليشمل أبعادا أمنية وعسكرية، عبر عمليات الحراسة وتدريب القوات المحلية والأنشطة الأمنية، وهي أدوار قادتها في البداية شركة "فاجنر"، ثم لحقتها شركات أخرى، وصولا إلى ما بات يعرف اليوم بـ "الفيلق الأفريقي الروسي".

استثمارات الدول الكبرى في أفريقيا
ويؤكد مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية أن هذا التمدد الروسي يأتي بلا شك في سياق صراع نفوذ مع الغرب، إلا أن المشهد الأفريقي يظل شديد التعقيد، خاصة أن القارة لا تزال تشهد حضورا وتأثيرا غربيا واسعا، ما يجعل المنافسة فيها بالغة الصعوبة، ليس فقط بالنسبة لموسكو، بل أمام قوى دولية أخرى أيضا، لافتا إلى أن عدد الدول الأفريقية التي تمكنت من الخروج نسبيا من عباءة النفوذ الغربي – وخاصة نفوذ فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة – لا يزال محدودا، وهذه الدول نفسها تواجه مخاطر جسيمة تتعلق بالإرهاب ووجود جماعات مسلحة، وهو ما ينعكس سلبا على مناخ الاستثمار ويقوض فرص تحقيق مكاسب مستقرة من الاستثمارات الروسية داخل القارة.
ويضيف أن هذه التحديات الأمنية تجعل من الصعب تنفيذ المشروعات الاقتصادية والحفاظ عليها على المدى الطويل، كما تعرقل عمليات التواجد الأمني والعسكري، خاصة عبر الشركات العسكرية الخاصة، في ظل هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية، مشيرا إلى أن الصراع في أفريقيا شديد التعقيد، وروسيا تسعى إلى تثبيت موطئ قدم لها من خلال مزيج من الاستثمارات في قطاع المناجم والتواجد الأمني، إلا أن هذه الرغبة تظل صعبة التنفيذ وصعبة الاستدامة، في ظل عدم الاستقرار، وتصاعد الخطر الإرهابي، واحتدام المنافسة الدولية.
التنافس الدولي في أفريقيا
في المجمل، يعكس هذا التنافس الاستثماري أن إفريقيا لم تعد هامشا في الاقتصاد العالمي، بل باتت رقما صعبا في معادلة النفوذ الدولي، حيث تستخدم الاستثمارات كأداة ناعمة لإعادة رسم خريطة التحالفات داخل القارة، وسط احتياج إفريقي متزايد للتنمية، يقابله صراع دولي على الفرص والمواقع.
من جانبها تؤكد الدكتورة سمر خامليشي الخبيرة المغربية بالشئون الأفريقية، أن تحليل مسار استغلال أفريقيا عبر مرحلتين أساسيتين وهما المرحلة الأولى بالاستعمار الكلاسيكي والذي ساهم بشكل حاسم في إعادة رسم الخريطة السياسية لأفريقيا وفق مصالح القوى الاستعمارية، دون أي اعتبار للتركيبات الاجتماعية أو الإثنية أو الاقتصادية المحلية، موضحة أن القارة أدمجت منذ ذلك الحين في الاقتصاد العالمي باعتبارها خزانا للمواد الخام وليس فضاءً للتنمية أو التصنيع.
وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن المرحلة الثانية هي ما بعد الاستعمار ويطلق عليها "الاستعمار الجديد، مشيرة إلى أنه مع نهاية الاستعمار المباشر، وضعت الدول الأفريقية المستقلة حديثا أمام هشاشة مؤسساتية واقتصادية متعمدة.
وتوضح أنه في هذه المرحلة، لم يكن الهدف بناء دول قوية، بل إنتاج أزمات داخلية سواء سياسية، أو أمنية، أو إثنية، ثم إدارتها أو احتواؤها عبر تدخلات خارجية، مشيرة إلى أن هذه التدخلات اتخذت غالبا طابعا عسكريا وأمنيا، دون مقاربة شاملة للتنمية المستدامة أو بناء القدرات المحلية بل إن التدخل العسكري كان وسيلة لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية بما يضمن استمرار خدمة المصالح الغربية، سواء عبر التحكم في الموارد، أو تأمين النفوذ الجيو-استراتيجي، أو ضبط مسارات القرار السيادي.
وتتابع الخبيرة المغربية بالشئون الأفريقية :" اليوم، نحن أمام تحول عميق في بنية النظام الدولي، والتنافس لم يعد يقتصر على النفط أو الغاز، بل انتقل إلى المعادن الاستراتيجية النادرة المرتبطة بالتحول الطاقي والتكنولوجي، مثل الكوبالت، الليثيوم، النيكل، والمنجنيز، وتضع الصين حدودا جديدة لاستراتيجيات استيراد هذه الموارد، وتسعى إلى تأمين سلاسل التوريد والتحكم في مراحل التصنيع، وهو ما يخلق اختلالا استراتيجيا جديدا بالنسبة للدول الغربية".
وتشير إلى أن أفريقيا تعود اليوم إلى صدارة التنافس الدولي، لكن هذه المرة بأطماع أخطر وأكثر تعقيدا من السابق، لأن الصراع لم يعد فقط على الموارد، بل على من يحدد قواعد الوصول إليها، ومن يتحكم في مستقبل التحول الطاقة العالمي، لافتة إلى أن القارة السمراء تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي إما أن تتحول مجددا إلى ساحة صراع بالوكالة، أو أن تفرض نفسها كفاعل تفاوضي يربط استغلال ثرواته بالتصنيع، والتنمية، والسيادة.
نيجيريا.. ثروة النفط لا تمنع اتساع دوائر الفقر
رغم تصدرها قائمة أكبر اقتصاد في إفريقيا وكونها من أكبر منتجي النفط في القارة، تعيش نيجيريا مفارقة اقتصادية حادة، حيث تتجاور الثروة مع الفقر، والنمو مع الإقصاء الاجتماعي. بلد تتدفق منه ملايين البراميل سنويًا إلى الأسواق العالمية، بينما يعجز قطاع واسع من سكانه عن تأمين أساسيات الحياة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن معدل البطالة العام يقترب من 5%، غير أن هذه النسبة لا تعكس الصورة الكاملة لسوق العمل، إذ ترتفع بطالة الشباب إلى مستويات مقلقة، في ظل انتشار العمل الهش وغير المنتظم، واعتماد ملايين الشباب على الاقتصاد غير الرسمي، دون حماية اجتماعية أو دخل مستقر، ويقدر خبراء أن غالبية الداخلين الجدد إلى سوق العمل لا يجدون فرصًا حقيقية، ما يحوّل "الكتلة الشبابية" من فرصة تنموية إلى عبء اقتصادي واجتماعي.
في المقابل، يعيش أكثر من 40% من النيجيريين تحت خط الفقر، وهي نسبة تضع نيجيريا ضمن الدول التي تضم أكبر عدد من الفقراء في العالم، رغم مواردها الطبيعية الضخمة، ويعكس هذا التناقض فشلا مزمنا في تحويل عائدات النفط إلى تنمية شاملة، مع استمرار اعتماد الدولة على قطاع واحد يشكّل العمود الفقري للاقتصاد، ويتركه شديد الهشاشة أمام تقلبات الأسعار العالمية.
ولا تقتصر الأزمة على البطالة والفقر فحسب، بل تمتد إلى مشكلات هيكلية مزمنة، في مقدمتها ضعف البنية التحتية، حيث يعاني قطاع الكهرباء من عجز مزمن، ما يرفع كلفة الإنتاج ويحد من قدرة المصانع والشركات الصغيرة على التوسع والتوظيف، كما أدى التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة إلى تآكل الدخول، ودفع شرائح جديدة من الطبقة المتوسطة إلى حافة الفقر.
وتفاقم هذه التحديات أزمات أخرى، مثل تراكم الديون العامة التي تستهلك جزءا كبيرا من الموازنة، والاضطرابات الأمنية في بعض الأقاليم، ما يضرب الزراعة والاستثمار، ويعمّق فجوة التنمية بين الشمال والجنوب.
في المحصلة، تكشف الحالة النيجيرية عن نموذج صارخ لما يعرف بـ"لعنة الموارد"، حيث لم تتحول الثروة النفطية إلى مظلة حماية اجتماعية، بل ظلت محصورة في دوائر ضيقة، بينما تتسع الفجوة بين اقتصاد يصنف الأكبر إفريقيا، ومجتمع يعاني أزمات معيشية متراكمة، تضع مستقبل ملايين الشباب على المحك.
وتوضح الدكتورة نجلاء مرعي، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، والخبيرة في الشؤون الإفريقية، أن القارة السمراء يطلق عليها "القارة المنهوبة" في بعض الأحيان، بالرغم من التنافس الدولي عليها اتخذ صبغة اقتصادية في المرحلة الماضية، ولكن العديد من المؤشرات تؤكد تزايد الاهتمام بالمقاربات الأمنية والعسكرية لتعزيز الحضور في دول القارة، وهو ما تتبناه كل من موسكو وواشنطن وبكين.
وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن هذا يرجح احتمالية عودة القارة الإفريقية للتحول إلى إحدى جبهات الحرب الباردة المستقبلية، وخاصة في ظل رغبة أطراف وقوى جديدة في توزيع جديد لمحاور النفوذ العالمي، لافتة إلى أن هناك ما يشكل كثافة النفوذ الدولي في العمق الإفريقي ضمن مقتضيات الحرب على الإرهاب، جنبا إلى جنب مع الحاجة لحماية المصالح الاقتصادية نظرا لما تمتلكه القارة من موارد هائلة خاصة فيما يتعلق بالنفط والكثير من الموارد الطبيعية الغنية.
وتشير إلى أن هذا النفوذ الدولي يمثل خصما موضوعيا من تحقيق الاستقرار في القارة الإفريقية، خاصة أن أهم دوافع التنافس الدولي في القارة السمراء هو الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية، منها بجانب أهمية القارة الجيوسياسية والجيواستراتيجية الفائقة ومواردها الاقتصادية الهائلة، هناك أمن البحر الأحمر، وأمن الموانئ البحرية، ونسميها دائما التي تدخل في ضمن "حرب الموانئ"، والتواجد في هذه المناطق بدول القارة وخاصة في الشرق الإفريقي والقرن الإفريقي بحجة المساهمة في ضمان حرية الملاحة الدولية وتأمين مرور التجارة الدولية ومكافحة عمليات القرصنة ومواجهة التهديدات الأمنية والإرهابية.
وتوضح أن هناك حماية المصالح الاقتصادية، فمنطقة القرن الإفريقي تتحكم في طريق التجارة العالمي، ويمر من خلالها 40% من تجارة النفط العالمية من مضيق باب المندب، وبالتالي هذا الممر مهم للغاية للتواجد الدولي في المنطقة، والأهمية لا تقتصر على الموقع الاستراتيجي ولكن تتعدى الموارد الطبيعية، حيث تمتلك القارة السمراء نفط وذهب وغاز طبيعي، واحتياطي كبير من المعادن التي يستخدم في الصناعات الثقيلة، بجانب موارد مائية، ومساحة الأراضي الزراعية حوالي 175 مليون هكتار أي 43% من إجمالي مساحات إفريقيا، وبالتالي هناك ثروات طبيعية مثل الخشب، ومحاصيل زراعية مهمة كالكاكاو والفواكه الاستوائية.
ونؤكد الدكتورة نجلاء مرعي، القارة غنية بالموارد المعدنية، والموارد التي تلعب دور مهم في العصر الرقمي، وتثير شهية وأطماع القوى الصناعية الكبرى، وهذه كانت من أهم أسباب الحروب والنزاعات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تعتبر من أكبر مصادر لـ "الكولتان" في العالم، وهذا مورد مهم، بجانب مادة الكولتان دوت التي يستخدم في مواد معينة كالمكثفات الإلكترونية والهواتف والحاسبات وأجهزة الألعاب، وصناعة الطائرات وخطوط الأنابيب.
وتشير إلى أن القارة تمتلك أكثر من 17 عنصر كيميائي، يستخدمون في صناعة البطاريات ومحركات التوربينات الهوائية والأسلحة والذخيرة وغيرها، ورغم كل ذلك فإفريقيا فقيرة لأنها دائما ما كانت تستغل من قبل الدول الكبرى التي كانت تحرص أن تضع يديها على هذه الثروات حتى بعد خروجها، مثل ما تفعله فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما جعل الدول الإفريقية في حالة عدم استقرار، مؤكدة أن جميع القوى الكبرى لها أطماع في إفريقيا، وفي السنوات الأخيرة ظهرت الصين من خلال مبادرة الحزام والطريق، وامتلاك القارة للنفط، والغاز الطبيعي، وهي من الموارد المهمة التي حولت منطقة القرن الإفريقي لمنطقة نفوذ دولي وإقليمي، وجعلت هناك مصالح للقوى الإقليمية في المنطقة تتشابك بين الأطراف المكونة للإقليم من ناحية وبين القوى الدولية من ناحية أخرى، وتتجه مجملها في تحفيز الصراع وخاصة في إثيوبيا والصومال والسودان.
وتؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الغرب الإفريقي يمتلك ثروات هائلة، مثل اليورانيوم، فنيجيريا تمتلك حوالي 7% من الاحتياطي العالمي من اليورانيوم، وكذلك بوركينا فاسو، كما أن النيجر تمتلك كمية كبيرة من "الليثيوم" بجانب مالي.
وبشأن طرق مواجهة إفريقيا لهذا الاستغلال الدولي وحماية مواردها، توضح أن القارة الآن لا يمكن أن نطلق عليها علاقات التبعية أو الاستعمار الجديد، بل بعض الدول الإفريقية قوت علاقتها الاقتصادية ببعض القوى الكبرى مثل الصين وتستفيد من ذلك، ولكنها تواجه هذا الاستغلال من خلال أدوات سياسية واقتصادية وتنموية.
وفي تقرير صادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء في نوفمبر 2025، فإن عدد سكان أفريقيـا بلغ 1.549 مليار نسمة بما يمثل 18.8% من سكان العالم الذي يبلغ 8.231 مليـار نسمة في 2025، متوقعا أن يبلغ عدد سكان العالم 9.664 مليار نسمة عام 2050، بزيادة سكانية قدرها 1.432 مليار نسمة مقارنة بالعام الماضي، بجانب أن معدل البقاء على قيد الحياة في قارة أفريقيا 64 سنة "الذكور 62 سنة و الإناث 66 سنة"، بينما معدل البقاء على قيد الحياة على مستوى العالم 73 سنة "الذكور 71 سنة والإناث 76 سنة".
وتؤكد أن إفريقيا تحاول تعزيز التكامل الإقليمي من خلال منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، بجانب تعزيز المفاوضات مع القوى الكبرى والدخول في التكتلات الاقتصادية الكبرى كمجموعة العشرين، ومجموعة الإيكواس، والبعض الأخر يستثمر في توطين الصناعات، وتطوير البنية التحتية عن طريق الصين، واستخدام الموارد المعدنية في مفاوضات الطاقة الخضراء والتحول التكنولوجي، وتبني شراكات جديدة مع القوى الصاعدة كبكين وموسكو لتقليل النفوذ الاستعماري التقليدي من فرنسا، وكذلك تبني حتى القدرات البشرية، وتكافح الفساد.
مقارنة التعداد السكانى الأفريقي بالتعداد السكانى العالمي
علاقة التجارة الحرة القارية الإفريقية بسباق القوى الكبرى على إفريقيا
وتعد اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، أحد أهم المشاريع الاقتصادية على مستوى القارة، وقد أصبحت عنصرا محوريا في سباق القوى الكبرى للاستثمار والنفوذ بإفريقيا، خاصة أن هذه المنطقة، التي تهدف إلى إلغاء الرسوم الجمركية بين الدول الأعضاء وتعزيز حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال داخل القارة، توفر سوقا موحدة ضخمة تضم أكثر من مليار نسمة، ما يجعلها وجهة جذابة للاستثمار العالمي.
من خلال إزالة الحواجز التجارية، تتيح هذه الاتفاقية للشركات الكبرى من دول مثل الولايات المتحدة، الصين، وروسيا الاستفادة من الفرص الاستثمارية عبر نطاق واسع من الدول الإفريقية، مما يعزز من قدرة هذه القوى على توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي داخل القارة، عبر مشروعات استراتيجية في البنية التحتية والطاقة والقطاع الصناعي وغيرها.
في المقابل، تدفع هذه البيئة المتكاملة الدول الإفريقية إلى تحسين مناخ الأعمال وتنويع مصادر الاقتصاد الوطنية، وهي عملية تخدم أيضا أجندة التنمية الداخلية وتزيد من جاذبية الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إفريقيا.
الدول الإفريقية في مجموعة العشرين
في قمة مجموعة العشرين التي ضمت منذ عام 2023 تمثيلا رسميا للاتحاد الإفريقي بجانب الدول الأعضاء الأخرى، تعد جنوب إفريقيا هي الدولة الإفريقية الوحيدة التي هي عضو كامل في هذا التكتل الذي يضم أكبر الاقتصاديات العالمية، حيث تمثل القارة صوتا مهما في صنع السياسات الاقتصادية الدولية، وبهذا التمثيل الرسمي، أصبح ممثلو 55 دولة بالقارة السمراء جزءا من الحوار الاقتصادي العالمي، ما يعزز مكانتها في مواجهات قضايا مثل التمويل والتنمية وإصلاح الهيكلة المالية الدولية.
دول غرب إفريقيا في مجموعة الإيكواس
أما على مستوى التكامل الإقليمي داخل القارة، فهناك المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، التي تضم بشكل عام 12 دولة إفريقية بعد انسحاب بعض الأعضاء في 2025، وتعد هذه المجموعة إطارا اقتصاديا وتجاريا مهما يسعى لتعزيز التعاون بين دول غرب إفريقيا وتنسيق السياسات التجارية والمالية بينها، ومن بين دول الإيكواس، بنين، كاب فيردي، كوت ديفوار، غامبيا، غانا، غينيا، غينيا بيساو، ليبيريا، موريتانيا، النيجر - حتى انسحابه - ونيجيريا، سيراليون، السنغال، وتوغو، رغم أن بعض هذه الدول تواجه تحديات في عضويتها بسبب التغيرات السياسية.
وجود إفريقيا في مجموعة العشرين ووجود تكتلات إقليمية مثل الإيكواس جنبا إلى جنب مع منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية يجعل القارة ليس فقط ساحة لاستثمارات القوى الكبرى، بل طرفا فاعلا في رسم السياسات الاقتصادية العالمية والإقليمية، فبينما تسعى الصين والولايات المتحدة وروسيا لتعزيز نفوذها عبر ضخ الاستثمارات وتنفيذ المشروعات، تدفع آليات التكامل الإفريقية الدول نحو تعزيز وحدتها الاقتصادية وتقديم أجندة تنموية مشتركة، ما يوازن القوى ويفتح آفاقًا جديدة للنمو والازدهار داخل القارة.
وتشير نجلاء مرعي إلى أن هناك علاقات شراكة حقيقية تتبناها بعض الدول الإفريقية مع الدول الاقتصادية الكبرى، خاصة أن إفريقيا تخسر حوالي 195 مليار دولار سنويا من رأس مالها من خلال التدفقات المالية غير المشروعة، والتعدين غير المشروع، وقطع الأشجار غير المشروع، والاتجار غير المشروع والصيد والتدهور البيئي وفقدان التنوع البيولوجي، فيما يحاول صناع السياسة في القارة السمراء بناء علاقات شراكة اقتصادية متنوعة مع القوى الدولية ولكن تحت سياق تبادل المصالح والشراكات، وليس على حساب الدول الإفريقية وشعوبها التي ظلت تعاني من الاستغلال المفرط وغير المستدام لمواردها الطبيعية الكبيرة.
وتؤكد نجلاء مرعي، أن صناع القرار في القارة يحاولون بناء شراكات في مجالات كثيرة منها استغلال الموارد التعدينية، والنفطية والغاز الطبيعي في إقامة صناعات مختلفة بأحدث التكنولوجيات، متابعة : "هناك فرص كبيرة في الاقتصاد الأخضر بالنسبة للقارة، والعالم الآن يهتم بالاستثمار في الاقتصاد الأخضر، وبالتالي هناك فرص كبيرة لإنشاء وتركيز صناعات عالمية قائمة على موارد لها أهمية في القارة الإفريقية".
مقارنة بين الناتج المحلى الأفريقي والعالمي
وتقول :" يمكن من خلال هذا المدخل تحقيق النمو في الاقتصاد الأخضر من خلال الاستثمارات العامة أو الخاصة الموجودة بالقارة والتي تعزز كفاءة استخدام هذه الموارد، خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية عادت مرة أخرى للمشهد الاقتصادي الإفريقي بعد غياب فترة طويلة، في محاولة تعزيز سلاسل توريد المعادن الإفريقية التي تحتاجها مقابل ضخ استثمارات مباشرة لرفع القيمة المضافة للمنتجات المعدنية الإفريقية، وهذه من النقاط التي من الممكن من خلالها تعزيز مساعي الحكومات الإفريقية للتخلص من تبعيات المستعمر الاقتصادي وشروط المؤسسات المالية.
وتشير إلى أن هناك استنزاف كبير للموارد الاقتصادية الإفريقية نتيجة التنافس الدولي على موارد الطاقة، كشركات أمريكية مثل "شيفرون" و"إكسون موبيل"، التي تركز على سوق النفط، خاصة أن الولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط النيجيري، وإفريقيا تأتي في المرتبة الخامسة كأكبر مصدر للنفط الخام إلى واشنطن، ونيجيريا تعتبر ثاني أكبر منتج للنفط في القارة الإفريقية ولديها احتياطات هائلة من النفط تقدر بـ 36 مليار برميل.
وتوضح أن أنجولا بدأت تتحول لمكان تتصارع فيه شركات النفط العالمية والأمريكية، وهذا يعكس طبيعة السياسة الأمريكية واستخدامها للقوة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، واستغلال ضعف الحكومات الإفريقية أمام الأزمات السياسية والصراعات العرقية للحصول التدفقات النفطية والأرباح الضخمة بدعوى التمكن من التصدي للتهديدات الإرهابية، تستعيد عوائد تلك الدول وتدويرها في صورة مبيعات وصفقات للسلاح.
وتؤكد أن روسيا تنقب أيضا الآن في غينيا من خلال شركة "روسال"، ووجود القاعدة الأمريكية الجديدة في النيجر التي تسعى لتحقيق رغبة أمريكية في السيطرة على موارد البلاد المعدنية وأهم هذه المعادن اليورانيوم المستغل في الصناعات النووية، مشيرة إلى أن غالبية الدول الإفريقية تنأى بنفسها عن الصراع الدولي وحالة الاستقطاب والتدخل في حرب باردة جديدة في ضوء تنامي الاهتمام الدولي بالحصول على الموارد النفطية والمعادن الثمينة الإفريقية، وبات الموقف الإفريقي متوازنا ويؤكد على الرفض الجماعي للزج بدول القارة ضمن الصراع الدولي، وترفض الوصاية الدولية.
وتقول إنه رغم هذا الموقف الجماعي، تظل غالبية الدول الإفريقية في حالة تبعية في ظل تراجع وضعف القدرة على الاستجابة للأزمات وخاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، وهي والتي سمحت للقوى الخارجية بتعزيز نفوذها لتكون القارة مسرح للتنافس مرة أخرى، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لأمن دول القارة في الحاضر والمستقبل.