هيثم الحاج على

أم كلثوم.. من منصة الغناء إلى استراتيجية القوة الناعمة

الأربعاء، 04 فبراير 2026 03:11 م


في كل مرة أشاهد فيها أغنية لأم كلثوم على شاشة التليفزيون أكتشف أنني لم أدقق بما يكفي في ملامح وجهها، ربما لأن صوتها يكون عادة أكثر سيطرة على المجال، وأكثر استقطابا للانتباه من حضورها البصري، غير أن هذا الحضور، حين يُدرس سوسيولوجيا وسياسيا، يتجاوز مجرد الأداء الغنائي ليصل إلى أثر القوة الناعمة بمفهومها الأكاديمي الشامل، حيث لم تكن فاطمة إبراهيم البلتاجي مجرد مطربة مصرية حققت شهرة واسعة، بل تحولت إلى ظاهرة مؤسسية أسهمت في صياغة وجدان المنطقة العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار، وقد اعتمد نجاحها على معادلة دقيقة جمعت بين الكلمة المختارة بعناية من كبار الشعراء، واللحن الذي يدمج الأصالة بالتحديث، مع التركيز على التفاصيل الدقيقة الاحترافية للعمل وعلى احترام المتلقى أيا كانت درجة وعيه وثقافته، مما جعل منتجها الفني مقبولا وعابرا للحدود الجغرافية والطبقات الاجتماعية في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

وتشير الحقائق التاريخية إلى أن دور أم كلثوم تجاوز خشبة المسرح ليلعب أدوارا وطنية ودبلوماسية مباشرة؛ فبعد عام 1967، قادت حملة المجهود الحربي، وجابت عواصم عربية وأوروبية لإقامة حفلات ذهب دخلها لإعادة بناء القوات المسلحة المصرية، وهو تحرك لم يكن نشاطا فنيا فحسب، بل كان توظيفا صريحا للمكانة الرمزية في خدمة الأهداف القومية، حيث استُقبلت في المطارات والمحافل الرسمية استقبال الملوك ورؤساء الدول.

وبالتوازي مع هذا الدور السياسي، لعبت أم كلثوم دورا محوريا في حماية ونشر اللغة العربية الفصحى من خلال غنائها لقصائد كبار الشعراء مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، مما أسهم في تبسيط الفصحى وجعلها قريبة من أذن المواطن العربي العادي، وعزز بالتالي من الهوية الثقافية المشتركة في وقت كانت تعاني فيه المنطقة من تمزقات سياسية، فكان صوتها يمثل الحد الأدنى من الاتفاق الوجداني بين الشعوب العربية المختلفة.

إن استمرارية تأثير أم كلثوم حتى يومنا هذا، رغم رحيلها منذ عقود، يعود في جوهره إلى انضباطها المهني العالي وقدرتها على إدارة موهبتها كـ "مؤسسة" متكاملة، حيث لم تكن تترك شيئا للصدفة، بدءا من اختيار الفرقة الموسيقية وصولا إلى هندسة علاقتها بالإعلام والدولة، هذا النموذج من الالتزام هو ما جعلها مرجعا فنيا، وعنصر قوة للثقافة العربية عموما، حيث أصبحت أيقونة تُستخدم للتعريف بالهوية الشرقية في المحافل الدولية.

ستظل أم كلثوم نموذجا فريدا لكيفية تحول الفن من أداة للترفيه إلى ركيزة أساسية من ركائز التأثير السياسي والثقافي، فهي القوة الناعمة التي لم تحتج إلى شعارات خطابية، بل فرضت وجودها عبر جودة المنتج الفني واتساق الموقف الوطني، لتصبح جزءا لا يتجزأ من تاريخ العرب الحديث والمعاصر، وربما سيصير علينا عبء البحث عن امتدادات عصرية لأم كلثوم لا تستنسخها بقدر ما تحاول استكمال هذا الدور المهم الذي تلعبه الثقافة بمعناها الواسع في دعم الأدوار السياسية خاصة في ظل مناخ عام يحتاج بشدة إلى التعامل مع الثقافة من هذا المنطلق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة