فى ذكرى رحيل «الست».. من المسؤول عن إهدار تراث أم كلثوم من فيلا الزمالك إلى بيت طماى الزهايرة إلى القلائد والعقود؟.. وأين ذهبت الوعود بتحويل المنزل إلى متحف ومركز فنى لمتعلقات كوكب الشرق؟

الثلاثاء، 03 فبراير 2026 06:00 م
فى ذكرى رحيل «الست».. من المسؤول عن إهدار تراث أم كلثوم من فيلا الزمالك إلى بيت طماى الزهايرة إلى القلائد والعقود؟.. وأين ذهبت الوعود بتحويل المنزل إلى متحف ومركز فنى لمتعلقات كوكب الشرق؟ أم كلثوم

عادل السنهورى

أين ذهبت الوعود بتحويل المنزل إلى متحف ومركز فنى لمتعلقات كوكب الشرق؟
 

51 عاما تمر على رحيل كوكب الشرق أم كلثوم، وما زالت رماح الأسئلة ممدودة وموجهة إلى المسؤول عن إهدار تراث «الست».

لماذا أهدرنا تراث أم كلثوم ولم نحافظ على ما تركته سيدة الغناء الأولى، وتركناه مصدرا للتجارة والتربح والثروة بعد وفاتها ولم نجعل منه منارات للثقافة ومدارس للفن ومتاحف للزيارة من عشاقها ومحبيها من الدول العربية وكل دول العالم التى لم تعرف عن مصر فى زمن ثومة سواها والأهرامات والنيل وعبدالناصر.

على من يقع العتاب واللوم والمسؤولية؟

هل ظلمنا أم كلثوم بإهدار تراثها ومتعلقاتها.. هل جارت السياسة على «الست» وتقاطعت مع الأسطورة الفنية فى محاولة لطمس التاريخ فأصدرت الأوامر وغضت الطرف عن بيع منزلها بالزمالك، ورفض إطلاق اسمها تخليدا لها على شارع أبو الفدا الذى يقع فيه المنزل على كورنيش النيل؟

لا نسعى لفتح ملفات قديمة لأن هذه الملفات ما زالت لم تطو صفحاتها وتلح فى كل ذكرى على الذاكرة المثقوبة لتدق جرس إنذار بضرورة الحفاظ على تراث رموزنا الفنية والأدبية والسياسية والدينية.

رياح وعواصف التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتجلياتها قد هبت على مصر ورموزها وغيرت من ملامح الزمن ووارت الوعود التى كانت بنت لحظة التأثير والتأثر برحيل كوكب الشرق.

زمن التحولات اتخذ سبيل الإهمال والانتقام الثنائى، فالحاكم الجديد يريد محو ذكرى زعامة من سبقه، والسيدة الأولى قيل إنها غارت من أم كلثوم فى حياتها، وتريد الآن طمس ذكراها.. ففى بدايات الحكم الجديد شرعت سيدة الغناء العربى فى تأسيس «دار أم كلثوم للخير»، لمساعدة الفتيات اليتيمات، فقررت سيدة السياسة الأولى قطع الطريق على اكتتاب المواطنين فى تمويل إقامة مشروع أم كلثوم، بإنشاء مشروع يتبنى الأهداف نفسها، عنوانه «الوفاء والأمل»، فتعثر مشروع الست.

حالة من الجفاء وعدم القبول والاستظراف يبدو أنها نشبت بين الست وزوجة الرئيس التى حملت لقب سيدة مصر الأولى، وبعد الموت ينبغى محو الذكرى للسيدة التى كانت تحمل فى جواز سفرها الدبلوماسى اسم «أم كلثوم» فقط بدعوى حق الورثة فى التصرف فى التركة، فلم يكن مستحيلا شراء الفيلا، وجعلها مزارا سياحيا، لأنها أم كلثوم الرمز والأسطورة مثلها مثل شخصيات فنية وأدبية عالمية كبيرة فى إنجلترا وألمانيا والنمسا وفرنسا، ما زالت منازلهم كما رحلوا عنها وتحولت إلى مزارات ومتاحف وليس إلى مصارف كبرى وأبراج سكنية.

تاريخ أم كلثوم - مثل تاريخ رموز أخرى فى مصر تم إهدارها - ليس مجرد صفحات موروثة، بل هو مرآة تعكس صراع الذاكرة مع الإهمال والوعود المؤجلة والبلد الذى يرث عددا محدودا من الآثار يراعى صيانتها، ويراقب حركة الزيارة، فلا تؤثر على بنية الأثر، ولا يسمح لزائر بأن يلمسه، أما الذى يعوم على ثروة أثرية لا يستطيع إحصاءها، فلا يهتم بأثر يُهدى أو يُسرق أو يتلف.

فيلا أم كلثوم.. الإهدار الأول

فى أول شارع أبو الفدا بالزمالك أحد أرقى أحياء مصر وعلى كورنيش النيل يقع منزل أو فيلا كوكب الشرق أم كلثوم، التى شهدت جلساتها الفنية وزيارات أساطير صناع الموسيقى والمثقفين والأدباء من مصر ومختلف دول العالم، الفيلا كانت تحفة معمارية عاشت فيها كوكب الشرق سنوات مجدها الأخيرة.

الفيلا بناها المهندس على لبيب جبر عام 1935 - كما كانت تعلن اللافتة الرخامية المعلقة بمدخلها - واختارت أم كلثوم رسوماتها الهندسية، وبعد الإنشاءات عهدت لمهندس ديكور فرنسى بتصميم الديكورات، وتأثيثها على الطراز الفرنسى، ولم تغير أى أثاث فيها من عام 1935 وحتى 1960.

بعد وفاة أم كلثوم فى الثالث من فبراير عام 1975، انتقلت الملكية إلى 6 من ورثتها، أبرزهم زوجها الدكتور حسن الحفناوى، وأبناء شقيقها وشقيقتها، والذين قرروا بيع الفيلا.

يوم 12 فبراير 75 وبعد تسعة أيام من وفاة سيدة الغناء العربى، عقد مجلس الوزراء برئاسة الدكتور عبدالعزيز حجازى، اجتماعا قرر فيه موافقته على «تحويل فيلا فنانة الشعب السيدة أم كلثوم إلى متحف، وتفويض وزير الثقافة يوسف السباعى بالسير فى إجراءات التنفيذ». 

كان القرار واحدا من قرارات كثيرة تتعلق بفيلا أم كلثوم، ففى اليوم التالى لوفاتها نشرت الصحف خبرا مفاده بأن وزارة الثقافة قررت شراء فيلا أم كلثوم، المطلة على نيل الزمالك وتحويلها إلى متحف يضم تراثها من أسطوانات وأشرطة وأفلام وآلات موسيقية، وكل ما كتب عنها وما يتصل بحياتها منذ بداية تاريخها الفنى الطويل».

وفى 5 فبراير وبعد يومين من وفاتها نشرت «الأهرام» تقريرا عن «دعوة الدكتور محمد حافظ غانم، الأمين العام للاتحاد الاشتراكى، إلى تأليف لجنة فنية تنسق مع وزارة الثقافة عن تفاصيل تخليد أم كلثوم، بتحويل الدار التى ولدت فيها بقرية طماى الزهايرة، بمحافظة الدقهلية، والتى تغير اسمها منذ أمس إلى قرية أم كلثوم وكذلك فيلتها المطلة على نيل الزمالك بالقاهرة ليكونا متحفين لتكريم ذكراها».

قبل أيام من قرار مجلس الوزراء، زارت السيدة جيهان السادات بيت أم كلثوم يوم الجمعة 7 فبراير، وقدمت العزاء إلى أسرتها، ونشرت صحيفة الأخبار فى تغطية الزيارة أن زوجة الرئيس أبلغت الأسرة أن الرئيس السادات أمر بأن تسمى دار الأوبرا الجديدة، التى ستقام على أرض فندق شبرد، باسم «دار أم كلثوم»، وسوف تضم مكتبة موسيقية، وقاعات استماع وتدريب، ومتحفا للأوبرات القديمة ولتراث أم كلثوم، إضافة إلى «تحويل بيتها إلى متحف تتولاه الحكومة وأن يحتفظ بنفس طابعه الحالى».

كل شىء مما سبق من قرارات ووعود لم تسفر عن شىء وذهبت أدراج الرياح مع انقضاء لحظات الحزن على الفراق وتصدر لغة «البيع والفلوس».

لم تنفذ الحكومة قرارها، وفوجئ الناس ببيع الفيلا وبصدمة بدء هدمها، وأن رجل أعمال سعوديا اشتراها من الورثة، وقرر هدمها ليقيم عليها مشروعا استثماريا وعمارة كبيرة، واستخرج رخصة الهدم من حى غرب القاهرة بتاريخ 29 ديسمبر 1981، وتسلم المقاول الفيلا مجهزة للإزالة فى 6 فبراير 1982، وآثر الورثة بيعها للمستثمرين لبناء برج سكنى بدلا من تحويلها لمتحف، ما أثار حزنا عاما على تدمير ذكريات فنانة الشعب.

ثارت حملة صحفية من كبار الصحفيين ومن أصدقاء أم كلثوم انتقدت موقف الحكومة والرئيس السادات لعدم تدخل الدولة آنذاك لنزع ملكية الفيلا وتحويلها إلى متحف يخلد ذكراها. وانطلقت صرخات مدوية تطالب بوقف هدم الفيلا، ولكن تلك الأصوات سرعان ما سكتت بعد أن كسب مشترى الفيلا القضية التى رفعت لوقف هدم البناء، وتم هدمها فى 50 يوما فقط.

تركة أم كلثوم اشترك فيها فى ذلك الوقت  6 أفراد، هم الزوج الدكتور حسن الحفناوى، أولاد شقيقها خالد وهم، صلاح بهيئة الأمم المتحدة، وإبراهيم بفرقة الموسيقى العربية، وسمير وعدلى ويعملان مزارعين، وشقيقتها الكبرى سيدة وأولادها وهم، الدسوقى إبراهيم الدسوقى رئيس شركة مصر لتجارة السيارات، والمهندس محمد إبراهيم مدير هيئة السينما والمسرح والموسيقى، وممدوح الدسوقى رئيس قسم التعويضات بمصر للتأمين، ورفعت الدسوقى مدير عام الشركة المصرية للورق، وسعدية حرم على الكاشف»، ورغم أن العدد يزيد على الستة، لكن يبقى أن التركة لم تخرج عن هذه الأسماء.

أصبحت الفيلا أثرا بعد عين، ونبت مكانها «عشب شيطانى» يسمى «فندق أم كلثوم». غابت ذكراها عن هذا المكان المطل على النيل، وإن استثمر الفندق اسمها، وأطلق على الغرف عناوين أغانيها، وتفرقت المقتنيات بين متحف صغير فى قصر المانسترلى بحى المنيل، وأماكن أخرى لا نعرفها.

المفارقة المحزنة والمدهشة أيضا أن محافظ القاهرة وقتها الفريق سعد مأمون، رفض دعوة المثقفين المصريين بتحويل شارع أبو الفدا إلى شارع أم كلثوم لتخليدها وتخليد ذكراها بحجة أن «أبو الفدا» هو أحد أسماء الإمام على بن أبى طالب، وهذا غير صحيح. ويبدو أن أمر السياسة قد صدر، فشارع أبو الفدا تعود تسميته إلى الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل بن على الأيوبى، المعروف بـ«أبو الفداء»، وتم تخليد ذكراه بإطلاق اسمه على الشارع نظرا لإسهاماته العلمية الكبيرة، وهو أمير من الأسرة الأيوبية، عرف بلقب «صاحب حماة»، كان مؤرخا وجغرافيا وفلكيا مشهورا، وله مؤلفات عالمية مثل كتاب «المختصر فى أخبار البشر»، و«التاريخ»، و«تقويم البلدان».

بيت أم كلثوم فى طماى الزهايرة.. الإهدار الثانى

فى قرية طماى الزهايرة إحدى قرى مركز السنبلاوين والتى تبعد عنها نحو 5 كيلومترات تعرض للإهدار الثانى لتراث أم كلثوم، أصابته نيران السياسة بالتجاهل والنسيان.

لم يهتم أحد بتحويل المنزل القديم التى عاشت فيه أم كلثوم طفولتها وصباها إلى متحف أو مركز ثقافى يحمل اسم كوكب الشرق، وانزوت الوعود فى بحر النسيان، وتحت ضغط الحاجة وقسوة المعيشة اضطر الورثة إلى هدمه، لم يفكر أحد فى شراء البيت وترميمه وتحويله إلى متحف، سواء من أهلها أو من الدولة.

المفاجأة أن المنزل هدم منذ عدة سنوات إلا من غرفتين يتيمتين فى أحد أركانه، وحاولت مخرجة مسلسل أم كلثوم إنعام محمد على، والفنانة صابرين، زيارة المنزل عام 98 وكان بالطوب اللبن، وحاولتا تصوير مشاهد الطفولة فيه إلا أن تزاحم أهل القرية والضجيج حالا دون إتمام المهمة.

فى هذا المنزل عاش الشيخ إبراهيم البلتاجى والد كوكب الشرق وإخوتها قبل أن ينتقلوا للاستقرار فى القاهرة، وظل الناس والمشاهير يترددون على ما تبقى من المكان ويترحمون على الست ويقدمون الوعود ثم يرحلون فى صمت.

وكما حدث لفيلا أم كلثوم بعد وفاتها فى القاهرة، جرى لمنزل طماى الزهايرة أيضا بعد وفاتها، فتطايرت الوعود فى سماء القرية والمحافظة بإنشاء مشروع لمتحف للسيدة أم كلثوم بقريتها وضع حجر أساسه من قبل محافظ الدقهلية ومسؤولين كبار، منهم الدكتور أحمد عمر هاشم منذ سنوات، ثم أزال مالك الأرض من أحفادها اللوحة وباع الأرض لتصبح بعد ذلك ورش حدادة وكهرباء وليذهب الحلم هباء، حيث يأتى زوار من الصعيد ومن الخليج ودول عربية ليسألوا عن مسقط رأس الست ويعيشون الصدمة عندما يعلمون أنها لا أثر لها هنا، كما نشأت فكرة لتشييد مصنع مكرونة باسمها لتشغيل أبناء القرية لكنه أيضا انتهى قبل أن يولد.

أم كلثوم ليست وحدها هى المنسية فى مسقط رأسها بل قريتها أيضا التى تعانى فقدان الخدمات الأساسية وهى القرية التى ساهمت فى المجهود الحربى عندما طلبت أم كلثوم  من بنات الأسرة الاستغناء عن بعض الحلى للتبرع بها من أجل المجهود الحربى، وعندما كانت تساعد الفقراء وتعالج المرضى وتشعر بالمحتاجين، وكأن لسان حال القرية يخاطب السادة المسؤولين كما كانت تغنى الست: «ماخطرتش على بالك يوم تسأل عنى».

غاب اسم كلثوم عن كل شىء فى القرية ولم يتبق على مدخل مدينة السنبلاوين سوى تمثال بائس لا يليق بالست وتاريخها وإسهامها الفنى والوطنى.

لا يحمل اسم أم كلثوم سوى منطقة مجاورة للقرية كانت تملكها الست

على مساحة 160 فدانا باع الجزء الأكبر منها بعض ورثتها من أبناء أختها سيدة وزوجها الدكتور حسن الحفناوى، وأزيلت استراحتها منها.

ومع استغاثات عائلة أم كلثوم، نشرت الصحف تصريحات محافظ الدقهلية أيمن مختار، فى شهر أغسطس من عام 2022، قال فيها إن «توجيهات رئاسية صدرت بتحويل منزل أم كلثوم فى مسقط رأسها بقرية طماى الزهايرة إلى متحف كبير مفتوح أمام محبيها من المنطقة العربية»، لكن هذا المشروع لم يحدث فيه أى جديد.

وبعد تصريحات الكثير من المسؤولين بعمل متحف من أجلها، كانت النتيجة هدم منزل أم كلثوم وقيام أقاربها ببنائه والعيش بداخله بعد أن طلبوا مرارا وتكرارا الحفاظ عليه وبناءه كمتحف لها، دون جدوى.

ماتت أم كلثوم، ولم يتبق منها شىء ولم يهتم بها مسؤولو محافظة الدقهلية سوى بتمثال بجوار ديوان عام المحافظة، الذى يقوم المسؤولون بتجديده بدهانات فى كل عام من ذكرى وفاتها أو ميلادها.

قلائد وعقد أم كلثوم وحق الأداء العلنى.. الإهدار الثالث والرابع

ما يثير الأسى أيضا أن خلافا خلال الفترة الماضية ثار بين عائلة أم كلثوم وشركة صوت القاهرة التابعة للحكومة والشركة التى يمتلكها المنتج المعروف محسن جابر، قال إن سيدة إبراهيم، شقيقة أم كلثوم، وابنيها محمد وممدوح الدسوقى، وزوجها الدكتور حسن الحفناوى، باعوا حق الأداء العلنى للمنتج محسن جابر، وأن ورثتها كانوا يتقاضون مقابلا ماديا نظير الأداء العلنى لأعمالها، لكنهم توقفوا بعد بيع حقوق الملكية.

لم يكن المنزل والفيلا فقط اللذان تعرضا للإهدار والبيع، بل كما تردد فى وسائل الإعلام قام عدد من أقاربها بعرض ممتلكاتها للبيع من أجل المال، منها عرض قلادة ذهبية صنعت فى ألمانيا للبيع، وذلك من أجل القدرة على المعيشة، كما عرض الكثير من أقاربها صورا وحقائب خاصة بأم كلثوم للبيع بعد فقدانهم الأمل فى جمع ما كانت تمتلكه أم كلثوم فى متحف خاص بها من أجل تخليد ذكراها.

يتكرر السؤال الحزين.. من المسؤول عن ضياع متعلقات ومقتنيات أم كلثوم؟ وهل هذه المقتنيات ملكية خاصة لورثتها يتصرفون فيها كيفما شاءوا.. سواء باعوها أو عرضوها فى مزادات ليحصل عليها بآلاف وملايين الدولارات هواة جمع التراث والمتعلقات النادرة التى تخص مشاهير العالم ليحرم ملايين الناس من مشاهدتها فى متحف خاص لهذه الشخصية المعروفة التى أصبحت ملكا للشعب بتراثها ومتعلقاتها وبفنها وإبداعها وليست ملكا لشخص أو مجموعة أشخاص.

لماذا غابت الدولة عن جمع مقتنيات وتراث كوكب الشرق، ولماذا تركت ورثتها يتصرفون فى مقتنياتها وأشيائها؟

فى عام 2008 فى أحد معارض المجوهرات الشهيرة بدبى، فوجئ ملايين من عشاق ثومة بإعلان دار كريستنيز البريطانية الشهيرة عرض العقد النادر الذى أهداه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان رئيس دولة الإمارات وحاكم أبو ظبى، وقتها، للسيدة أم كلثوم عند زيارتها للإمارة عام 1971 فى إطار جولاتها العربية والعالمية لصالح المجهود الحربى لمصر، وكان الشيخ زايد، رحمه الله، واحدا من عشاق الست وله تاريخ طويل فى دعم حركة الفن فى مصر، وكان حرصه على دعوة سيدة الغناء العربى أم كلثوم لزيارة أبو ظبى عام 1971، فى عيد جلوسه الخامس أصدق دليل على اهتمامه بالوعى والثقافة والفنون، وتم الاتفاق على أن تقيم أم كلثوم حفلين فى أبوظبى، حفل يحضره القائد والشيوخ والوزراء وضيوف الدولة، وحفل آخر للجمهور، إلا أن المشكلة التى واجهت الإمارات فى ذلك الوقت - كما ذكر الدكتور مانع سعيد العتيبة المستشار الخاص للشيخ زايد - هى مكان إقامة الحفل، فلم يكن هناك مسرح يكفى لاستيعاب عشاق أم كلثوم من المواطنين والمقيمين على أرض الدولة.

أكبر قاعة سينما كانت لا تتسع لأكثر من ستمائة مشاهد ولا يمكن بناء مسرح جديد خلال أيام قليلة تفصل بين موافقة أم كلثوم على الحضور وبين موعد الحفلين.
تم بعد ذلك الاتفاق مع النادى الأهلى الإماراتى لبناء مسرح مؤقت، فى أسرع وقت على أرض النادى يتسع لنحو خمسة آلاف كرسى. وعملت جميع الوزارات والدوائر كل فى اختصاصه فى الإمارات على إعداد المسرح وتجهيزه بما يلزم من معدات خاصة بالصوت والنقل السينمائى والتليفزيونى.

وبعد أن تم الاحتفاء بوصولها وتكريمها، قدمت أم كلثوم حفلين؛ الأول حضره الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات وحاكم أبوظبى، آنذاك، ونجله الشيخ خليفة رئيس الدولة الحالى، وقدّمت خلاله أغنيتى «الحب كله» و«أغدا ألقاك».

وعقب الحفل قدم لها الشيخ زايد خلال زيارتها هدية ثمينة عبارة عن عقد من اللؤلؤ الثمين صنع عام 1880 تقريبا، ويحتوى على 9 صفوف مكونة من 1888 لؤلؤة طبيعية مطعمة بالأحجار الكريمة، ويشبه بتصميمه القلادات الهندية.

وعقب إعلان صالة مزادات كريستى عرض العقد قامت الدنيا ولم تقعد وتناولت وسائل الإعلام الإماراتية الحدث وطالبت بضرورة استرجاع العقد بأى ثمن، وبالفعل قرر أولاد الشيخ زايد استرداده بأى ثمن وكان معروضا وقتها بنحو 120 ألف دولار، لكن مدير الدار أعلن أن العقد تم بيعه بنحو 1.3 مليون دولار، ولم ترغب كريستى فى الكشف عن هوية المشترى الذى قيل إنه جلس فى الصف الأول فى المزاد.

وهذا العقد واحد من قطع قليلة احتفظت بها أم كلثوم من مقتنياتها، حيث إنها تبرعت بمعظم ثروتها خلال حياتها للقضايا الإنسانية ومن أجل الفقراء.

العقد تم شراؤه بعيدا عن مصر وعاد إلى أهله فى الإمارات، ونتمنى عندما يكون هناك متحف ضخم لكوكب الشرق أن يتبرع به من اشتراه وأن يتبرع كل من يقتنى تراث وأشياء أم كلثوم بما لديهم للمتحف.

ما زلنا فى مناسبة الرحيل لأم كلثوم نطالب الحكومة بإنشاء متحف ضخم يليق بالست وفنها وإبداعها ودورها الوطنى والقومى، ويضم كل تراثها ومقتنياتها ومتعلقاتها الخاصة المتناثرة حول العالم.

فى الأخير وفى ذكرى رحيل الست الـ51 نقول إن الحفاظ على تراث الكتاب والأدباء والفنانين والمفكرين والسياسيين مسؤولية قومية للحفاظ على الهوية الوطنية ولا ينبغى ترك تلك المتعلقات والمقتنيات ضحية الورثة الذين قد يفرطون فيها لأسباب مادية أو لجهل بقيمتها، فيباع المنزل ويتحول إما لجراج أو عمارة أو فندق ليطمس الماضى الزاهر وأحجاره العتيقة لتتحول إلى جدران أسمنتية باردة.

فقد هدمت العديد من المنازل الخاصة بمشاهير الفن والثقافة والسياسة بعد العديد من التجاوزات وخرق القانون الخاص بحظر هدمها أو البناء مكانها وهو القانون رقم 144 لسنة 2006.

22
عدد اليوم السابع الورقى
 



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة