- مدير الإغاثة الطبية بغزة: ما تعيشه حبيبة ناصر صورة يومية لآلاف الأطفال ذوي الإعاقة خسروا العلاج
- رحلة بين رفح وخان يونس.. حبيبة ناصر سبعة أشهر بلا كرسي
- مدير مجمع الشفاء الطبي: بعض التخصصات الطبية تعاني عجزا بنسبة 100%
- أطباء بلا حدود: الحظر يفاقم ذروة الأزمة الصحية
- أبو سلمية: توقف عشرات الآلاف من العمليات الجراحية بسبب منع إدخال مستلزمات طبية
- تفوق دراسي لحبيبة رغم الإعاقة الحركية
في صباح يشبه غيره من صباحات غزة الثقيلة، تستيقظ حبيبة ناصر، الطفلة البالغة من العمر 11 عاما، من بلدة بيت حانون شمال القطاع، على عالم لا يشبه عمرها الصغير، فليست أصوات العصافير ما يوقظها، بل وقع الخيام المبتلة، وصدى الخوف العالق في الهواء، وذاكرة جسد أنهكته الحرب قبل أن يعرف اللعب.
حبيبة، الطفلة لم تولد محاطة بالورود ولا بالطمأنينة، لكنها ولدت بإرادة صلبة تشبه الأرض التي جاءت منها، منذ لحظتها الأولى، حملت معها معركة مزدوجة، معركة الجسد الذي خانه الأكسجين، ومعركة الحياة التي لم تمنحها فرصة عادلة، ورغم ذلك، كانت تبتسم، تتعلم، وتحلم، تمسك بالحياة كما يمسك الغريق بخشبة النجاة.
قصتها ليست مجرد حكاية طفلة من غزة، بل مرآة لوجعٍ أكبر، لآلاف الأطفال الذين ولدوا بقلوب نابضة بالحياة، ثم وجدوا أنفسهم فجأة في قلب حرب لا ترحم، تسلبهم العلاج قبل اللعب، والكرسي قبل الدفتر، والأمان قبل الطفولة، حكاية طفلة كان أقصى أحلامها أن تمشي خطوة إضافية، وأن تجلس في صفها بين زميلاتها، قبل أن تتحول هذه الأحلام إلى أمنيات مؤجلة تحت خيمة مهترئة، تحاصرها المياه والبرد والحرمان، ومن هنا تبدأ حكاية حبيبة ناصر، طفولة قاومت الإعاقة، ثم وجدت نفسها تقاوم حربا انتزعت منها كل ما كانت قد بنته بصبر وأمل.

الطفلة الفلسطينية حبيبة ناصر
الطفلة الفلسطينية تمر بحياة صعبة
منذ لحظة ولادتها، لم تكن حياة حبيبة ناصر سهلة، لكنها كانت ممكنة، ولدت بإعاقة حركية نتيجة نقص الأكسجين أثناء الولادة، ما تسبب بإصابتها بشلل دماغي تصلبي أثر بشكل أكبر على القدمين دون أن يمس قدراتها العقلية أو التعليمية.
وتقول والدتها أمل عوض: ابنتي عقلها سليم 100%، ذكية، وتحب التعليم، وكل الذي كانت تحتاجه هو دعم طبي مستمر، ومنذ أن أتمت عامها الثاني، التحقت بمركز "نعم نستطيع" المتخصص بتأهيل الأطفال ذوي الإعاقة، وهناك بدأت رحلتها الحقيقية مع العلاج والتأهيل، والمركز لم يكن مجرد مكان للعلاج، بل مساحة أمل.
كانت حبيبة تحصل على جلسات علاج طبيعي منتظمة، وتستلم أدوات مساعدة تناسب حالتها، وتخضع لبرامج تدريب على الاعتماد على النفس، مثل الأكل واستخدام الحمام، بجانب برامج الدمج المجتمعي والتهيئة المدرسية قبل التحاقها بالمدرسة، فيما تقول الأم: علموا ابنتي كيف تتحرك، كيف تجلس، كيف تعتمد على نفسها، وكيف تكون جاهزة للمدرسة.

الطفلة حبيبة ناصر
الالتحاق بمدارس الأونروا
وبحسب الدكتور مصطفى عابد، مدير برنامج التأهيل المجتمعي بالإغاثة الطبية الفلسطينية، التحقت حبيبة بمدارس وكالة الأونروا، نتيجة هذا التأهيل المبكر، ونجحت في الصفوف الأول والثاني والثالث، وكانت متفاعلة داخل الصف، محبوبة بين زميلاتها، وتشهد المعلمات بتميزها وسرعة تعلمها، رغم اعتمادها على المشاية داخل المنزل والكرسي المتحرك خارجه، لكن كل ذلك انهار مع اندلاع الحرب.
وأكدت وكالة الأونروا خلال بيان لها في 22 ديسمبر، أن كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة في غزة يتعرضون لمخاطر جسيمة نتيجة النزوح القسري وانهيار النظام الصحي، فيما تشهد الإمدادات الأساسية، مثل الحفاضات المخصصة للكبار، نقصا حادا، ما يقوض بشكل خطير النظافة والكرامة الإنسانية، كما يؤدي النقص المزمن في أدوية الأمراض المزمنة إلى وفيات كان يمكن تفاديها.
معاناة ذوي الإعاقة في غزة
منع المنظمات غير الحكومية من العمل
ومع نهاية العام الماضي وبالتحديد في 30 ديسمبر، أعلنت وزارة الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلية، أنها ستمنع المنظمات غير الحكومية من العمل في غزة عام 2026، متحججة باتهام عضوين من منظمة أطباء بلا حدود بالارتباط بمنظمات إرهابية.
وزعمت أن المنظمات التي رفضت تسليم قائمة موظفيها الفلسطينيين بغية استبعاد أي ارتباط بالإرهاب ستلغى تراخيصها اعتبارا من الأول من يناير، لافتة إلى أن المنظمات المعنية سيتعين عليها وقف كل نشاطاتها بحلول الأول من مارس 2026.
وأشارت إلى أن 15% فقط من المنظمات غير الحكومية مشمولة بهذا الإجراء، مضيفة أن أفعال تقويض شرعية إسرائيل، والملاحقات القضائية ضد جنود الجيش الإسرائيلي، وإنكار الهولوكوست، وكذلك إنكار أحداث السابع من أكتوبر (2023)، تعد أسبابا لسحب الترخيص.
وردت عليها منظمة أطباء بلا حدود، بعد 24 ساعة فقط، حيث قالت إن حظر إسرائيل لعمل المنظمات الإنسانية يتزامن مع ذروة الأزمة الطبية في غزة، مؤكدة أن أي توقيف لعمل المنظمة سيؤثر مباشرة على تقديم الخدمات الطبية.
وفي الثامن من أكتوبر 2023، أُجبرت عائلة الطفلة على الخروج من منزلها في بيت حانون، وظنت الأم أن النزوح لن يتجاوز أياما، لكنها تحولت إلى سنوات من الفقد، حيث تقول: طلعنا وتركنا كل شي، البيت، العلاج، حياتنا.
وبدأت رحلة نزوح طويلة بين رفح وخان يونس، خرجت حبيبة مع كرسيها المتحرك، لكنها فقدته خلال التنقل القسري، سبعة أشهر كاملة بقيت بلا كرسي، محرومة من أبسط حقوقها في الحركة، بحثت والدتها عن بديل، تواصلت مع مؤسسات، لكن المعابر التي أغلقها الاحتلال أوقفت إدخال الأدوات المساعدة.
مأساة شعب تحت الحصار الإسرائيلي
مع حلول العام الجديد، يستذكر سكان غزة عام 2025 كأحد أشد الأعوام مأساوية في تاريخ القطاع الحديث، عام حمل معه تدميرا واسعا وتهجيرا قسريا لملايين الفلسطينيين، تاركا خلفه خرابا نفسيا وماديًا لم تشهده المدينة منذ عقود، وبحسب إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومي بغزة في 31 ديسمبر حول أسباب تزايد نزوح الفلسطينيين، أكد أن القطاع شهد خلال هذا العام المنصرم تدمير 106,400 وحدة سكنية بالكامل، لتصبح بيوتهم السابقة مجرد ركام يذكر بالحصار والعدوان المستمر.
ولم يقتصر الضرر على ذلك، فبحسب الإحصائيات، أصاب الدمار 66,000 وحدة بشكل بالغ جعلها غير صالحة للسكن، بينما تضررت 41,000 وحدة جزئيا، تاركة آلاف العائلات في حالة انعدام مأوى، تبحث عن أي سقف يحميها من البرد والمطر والخراب المستمر.
هذا الدمار الواسع أدى إلى تشريد أكثر من 213.000 أسرة فلسطينية، واضطر نحو مليوني شخص إلى النزوح القسري، متنقلين بين الخيم والمدارس والملاجئ المؤقتة، في رحلة لا تنتهي من الخوف والقلق واليأس، ولم يسلم من هذا العدوان 87 مركز إيواء كانت آخر مأوى آمن للمدنيين، ليجد النازحون أنفسهم بلا مأوى، بلا حماية، وبلا مستقبل واضح.
وفي هذه الأرقام يكمن الألم الحقيقي، حيث أطفال بلا مدارس، نساء بلا أمان، كبار سن بلا رعاية، وعائلات بلا بيت، وكل بيت مدمر يحمل معه قصة حياة مفجوعة، وكل شارع مهدوم يعكس حجم الجرح النفسي والاجتماعي لسكان القطاع، والأطفال الذين فقدوا منازلهم يعيشون اليوم بين الركام، يحاولون التكيف مع مأوى مؤقت لا يقيهم البرد ولا يحميهم من الأمراض، كما انعكس النزوح القسري على الحياة اليومية والخدمات الأساسية، وأصبح الحصول على الغذاء، والماء، والكهرباء، والرعاية الصحية تحديا يوميا، وسط صعوبة إعادة الإعمار في ظل استمرار الحصار والمقاطعة الدولية غير الفاعلة.
دمار كامل في غزة بسبب الحرب
ولم يكن عام 2025 مجرد فترة من الدمار المادي، بل مرحلة مأساوية في تاريخ غزة النفسي والاجتماعي، خاصة أن آثار النزوح والتشريد ستظل تؤثر على الأجيال القادمة، والطفولة التي عاشها القطاع هذا العام مشوهة بالخراب، والتعليم مشلول، والحياة الأسرية منكسرة تحت أطنان الركام، ولا تمثل هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل قصص حقيقية عن الألم والفقدان والمعاناة، وهي تذكير صارخ بأن قطاع يعيش حالة طوارئ مستمرة، تتطلب تحركا عاجلا لإعادة الأمان والمأوى، وضمان الحماية للمدنيين، واستعادة حقوق السكان في الحياة الكريمة.
وفي خان يونس، حصلت الطفلة على كرسي متحرك عبر مساعدة فردية من صديقة، لا من جهة رسمية، في ظل عجز المؤسسات عن تقديم أي خدما، وتكررت عمليات النزوح أكثر من عشر مرات، كان والدها يحملها في الطرق الطويلة، تحت القصف والخوف والجوع، خاصة خلال فترات المجاعة، ومع كل نزوح، كانت تفقد حبيبة جزءا من استقرارها الجسدي والنفسي، وانقطع تعليمها تماما، فلا إنترنت ولا هاتف ولا مبادرات تعليمية، وتوقف العلاج الطبيعي كليا، ما تسبب بتراجع واضح في حالتها.
في هذا السياق أكد إسماعيل الثوابتة، رئيس المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، أن الاحتلال أغلق معابر القطاع لمدة 220 يوما خلال عام 2025، لافتا إلى أن إسرائيل منعت دخول نحو 132 ألف شاحنة مساعدات إنسانية.
وأضاف أن قوات الاحتلال استهدفت أكثر من 40 مطبخا خيريا و50 مركز توزيع، واستشهاد 500 عامل إغاثة ومتطوع خلال العام، مشيرا إلى ودخول 1,460 شاحنة وقود فقط من أصل 18,250 شاحنة كان من المفترض إدخالها من سولار وغاز طهي.
ذوي الإعاقة في غزة
انهيار شبه كامل للمنظومة الإنسانية في غزة
من جانبه أوضح المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، خلال بيان له في الأول من يناير 2026، أن الشعب الفلسطيني في غزة دخل العام الجديد مثقلا بجراح عميقة وآلام متراكمة، خلفتها واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ المعاصر، نفذها الاحتلال الإسرائيلي واستمرت عامين كاملين دون توقف، ضمن عدوان واسع ومستمر، وحصار خانق وتجويع ممنهج، وتدمير شامل لكل مقومات الحياة.
وأضاف البيان أن عام 2025 مر على شعب غزة عاما استثنائيا في قسوته، حيث تعرض أكثر من 2.4 مليون إنسان لسياسات قتل ممنهج وتجويع قسري، وحول الاحتلال مدن وبلدات القطاع إلى ركام، ودمرت البنية التحتية بنسبة غير مسبوقة، وسويت الأحياء السكنية بالأرض، فيما شرد أكثر من مليوني إنسان قسرا، وارتقى أكثر من 71,000 شهيد، بجانب أكثر من 171,000 جريح ومصاب، و9,500 مفقود تحت الأنقاض، في مشهد مأساوي أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي.
وأشار إلى أن العام الماضي شهد انهيارا شبه كامل للمنظومة الإنسانية في غزة، نتيجة استهداف المستشفيات والكوادر الطبية، والمدارس والجامعات، والمساجد ودور العبادة، ومراكز الإيواء، وفرق الإسعاف والدفاع المدني، إضافة إلى الصحافة والصحفيين وكل أطياف الشعب الفلسطيني، إلى جانب منع دخول الغذاء والدواء والوقود، ما أدى إلى استشهاد آلاف الأطفال والنساء وكبار السن وتهديد حياة مئات الآلاف بالجوع والمرض.

تدمير الطفولة في غزة وانهيار الصحة
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة وقف العدوان وإنهاء الإبادة، والانتقال الجاد نحو التعافي الإنساني الشامل، وبدء إعادة إعمار قطاع غزة على أسس عادلة ومستدامة، بما يضمن كرامة الإنسان الفلسطيني وحقه في الحياة الآمنة والكريمة.
وأشار البيان إلى أبرز أولويات المرحلة القادمة وتضمن الوقف الفوري والدائم للعدوان والإبادة، وإنهاء جميع أشكال الاعتداء والحصار، والانسحاب الكامل من غزة، وفتح جميع المعابر بشكل كامل ودائم أمام المساعدات الإنسانية والإغاثية والإيوائية، والسماح بعودة وسفر المواطنين دون قيود أو شروط، وإطلاق مسار حقيقي لإعادة الإعمار يشمل إعادة بناء ما دمره الاحتلال من منازل وبنية تحتية ومرافق صحية وتعليمية وخدمية، ودعم القطاع الصحي المنهك وإنقاذ المنظومة الطبية من الانهيار، وإعادة ترميم القطاعات الإنسانية بسرعة وكفاءة، وتأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين وضمان عودتهم الآمنة والكريمة إلى مناطقهم التي أجبرتهم إسرائيل على مغادرتها، وتمكين مؤسسات الإغاثة والمنظمات الإنسانية من أداء مهامها دون عوائق أو تعطيل أو استهداف، ومحاسبة تل أبيب على جرائمها وفقا للقانون الدولي، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب.
معاناة حبيبة مع البرد والشتاء
اليوم، تعيش العائلة في خيمة بدير البلح على أرض حكومية، خيمة تغرق بمياه الأمطار، وتنتشر فيها الفئران، ومساحتها لا تليق بطفلة ذات إعاقة حركية، بينما حبيبة بلا كرسي متحرك مناسب، وبلا علاج طبيعي، وبلا فيتامينات وأدوية أساسية كانت تداوم عليها قبل الحرب، حيث إن المتابعة الطبية شبه غائبة، إذ تعطى الأولوية للحالات الطارئة فقط.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي بغزة في 11 يناير، وفاة 4 أطفال بسبب البرد الشديد منذ بدء فصل الشتاء الجاري، مشيرا إلى أن هناك 21 شهيدا بسبب البرد في مخيمات النزوح القسري منهم 18 طفلا منذ بداية حرب الإبادة.
وأشار إلى أنه منذ دخول المنخفضات الجوية، انهار أكثر من 50 منزلا ومبنى كانت متضررة ومقصوفة سابقا، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عشرات المواطنين نتيجة المنخفضات وانهيار البنايات السكنية فوق رؤوسهم، حيث لجؤوا إليها بعد فقدانهم لمساكنهم الأصلية بسبب قصفها، في ظل غياب أي بدائل آمنة، بجانب تسجيل وفيات نتيجة البرد الشديد داخل خيام النازحين، في وقت خرجت فيه أكثر من 127,000 خيمة عن الخدمة، ولم تعد صالحة لتوفير الحد الأدنى من الحماية لما يزيد عن 1.5 مليون نازح.
أضرار الشتاء على غزة
المأوى حق غزة
وأطلقت غرفة العمليات الحكومية للتدخلات الطارئة في المحافظات الجنوبية الفلسطينية، بالشراكة مع وزارة الأشغال العامة والإسكان، حملة "المأوى حق غزة" في 7 يناير، في ظل تفاقم معاناة مئات الآلاف من النازحين الذين يعيشون في خيام غير مهيأة لا توفر حماية من البرد والأمطار، وبهدف مطالبة المجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال للسماح الفوري بإدخال الوحدات السكنية مسبقة الصنع كحل إنساني طارئ.
وأكدت وزارة الأشغال العامة والإسكان الفلسطينية، خلال بيانها، أن المنخفضات الجوية الأخيرة كشفت بشكل واضح فشل الخيام في توفير الحماية اللازمة للنازحين، حيث تعرضت آلاف الخيام للغرق والاقتلاع بفعل الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة، ما عرض حياة الأطفال وكبار السن لمخاطر مباشرة في ظل انعدام وسائل التدفئة الآمنة، لافتة إلى أن أكثر من 53,000 خيمة للنازحين تضررت خلال المنخفضات الاخيرة في مختلف مناطق القطاع ، الأمر الذي فاقم معاناة الأسر النازحة ووسّع دائرة الاحتياجات الإنسانية الطارئة.
وفق تقارير طبية وميدانية موثقة، توفي عدد من الأطفال، بينهم رضع، في غزة نتيجة التعرض المباشر للبرد الشديد أثناء الإقامة في خيام تفتقر لأدنى معايير الحماية، في انتهاك جسيم للحق في المأوى الآمن، فيما أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن الخيام تعد مناسبة فقط للاستجابة الطارئة في المراحل الأولى، لكنها غير صالحة للإيواء في فصل الشتاء بسبب عدم قدرتها على مقاومة الأمطار والرياح وصعوبة التدفئة داخلها.

استكمال تدمير الطفولة في غزة
يأتي إطلاق الحملة – بحسب بيان الوزارة - في ظل أرقام إنسانية مقلقة، حيث يبلغ عدد النازحين في القطاع نحو مليوني نازح، من بينهم ما يقارب مليون طفل، يعيش معظمهم في ظروف قاسية وفي خيام غير مهيأة، كما أن عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة قبل العدوان بلغ نحو 55 ألف شخص، فيما قدر تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية في سبتمبر 2025 أن نحو 42 ألف شخص أصيبوا بإصابات جسيمة مغيرة للحياة تتطلب تأهيلا طويل الأمد، ما يرفع عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة والمتأثرين بإصابات خطيرة إلى نحو 97 ألف شخص، يعيش عدد كبير منهم حاليًا في خيام تفتقر إلى أدنى مقومات السلامة، ولا تراعي احتياجات ذوي الإعاقة، ما يضاعف من معاناتهم ويحرمهم من العيش بكرامة.
بحسب بيانات الوزارة، ألحق العدوان دمارا واسعا بقطاع الإسكان في غزة، حيث دمرت نحو 90% من البنية التحتية المدنية، وتضررت أكثر من 355,000 وحدة سكنية بدرجات متفاوتة، من بينها نحو 295,000 وحدة مدمّرة كليًا أو غير صالحة للسكن، ما أدى إلى تفاقم النزوح وأزمة الإيواء، مشيرة إلى أن الوحدات السكنية مسبقة الصنع تمثل الخيار الأكثر ملاءمة للإيواء المؤقت في ظل طول أمد إعادة الإعمار واستمرار الظروف المناخية القاسية، والقطاع بحاجة إلى إنشاء 200,000 وحدة سكنية مسبقة الصنع كحل إنساني طارئ، إلا أن رفض الاحتلال إدخال هذه الوحدات أجبر الجهات الإنسانية على الاعتماد على الخيام كحل مؤقت وغير آمن، مؤكدة أن هذه الوحدات تُعد حلًا إنسانيًا ضروريًا في هذه المرحلة الاستثنائية إلى حين بدء عملية إعادة الإعمار.
كما أكدت غرفة العمليات الحكومية أن حملة المأوى حق غزة تهدف إلى إحداث ضغط إعلامي وسياسي حقيقي للتأكيد على أن المأوى الآمن حق إنساني عاجل لا يحتمل التأجيل، وأن استمرار منع إدخال الوحدات السكنية مسبقة الصنع يعرّض حياة مئات الآلاف للخطر، لا سيما الأطفال وكبار السن.
وفي هذا السياق، يوضح مصطفى عابد، مدير برنامج التأهيل المجتمعي بالإغاثة الطبية الفلسطينية، أن معاناة حبيبة تمثل واقعا واسعا تعيشه آلاف الحالات في غزة، موضحا أن القطاع يضم أكثر من 6 آلاف حالة شلل دماغي، معظمهم من الأطفال، يعيشون اليوم في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، وغياب خدمات التأهيل والعلاج الطبيعي، ونقص حاد في الأدوية والأدوات المساعدة.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ اليوم السابع، أن الحرب لم تترك لذوي الإعاقة أي هامش للحماية، والاحتياجات الأساسية لهذه الفئة تشمل الكراسي المتحركة، الأجهزة التعويضية، جلسات العلاج الطبيعي، الأدوية المزمنة، والدعم النفسي، مؤكدا أن انقطاع العلاج لا يعني مجرد توقف مؤقت، بل يؤدي إلى تدهور دائم في الحالة الصحية، ويعيد الأطفال سنوات إلى الوراء بعد أن قطعوا شوطا طويلا في التأهيل، ويحذر عابد من أن مراكز التأهيل إما دمرت أو توقفت عن العمل، وآلاف الأطفال مثل حبيبة فقدوا حقهم في العلاج، والتعليم، والدمج، في مخالفة صريحة للمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
توقف القصف لا يعكس تحسن على الواقع الصحي
وأكد الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، أن توقف القصف لم يعكس تحسنا على الواقع الصحي، والمستشفيات تمر بمرحلة شديدة الخطورة مع استمرار الوفيات اليومية، مشيرا إلى فقدان نحو 50% من مرضى غسيل الكلى، مع استمرار تسجيل وفيات يومية نتيجة نقص أكثر من 70% من أدويتهم.
وأضاف أن انخفاض إصابات القصف قابله ارتفاع كبير في الحالات المرضية بسبب انتشار فيروس إنفلونزا حاد، خاصة بين الأطفال دون العام وكبار السن والحوامل، لافتا إلى أن مرضى السرطان يواجهون نقصا خطيرا في الأدوية يهدد حياتهم بشكل مباشر.
وأوضح أن أقسام الطوارئ تعمل تحت ضغط غير مسبوق نتيجة التزايد الكبير في أعداد المرضى، والمستشفيات تعمل بطاقة تتجاوز 150% من قدرتها الاستيعابية، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، لافتا إلى أن أكثر من 55% من الأدوية الأساسية و70% من المستهلكات الطبية غير متوفرة.
وقال "أبو سلمية"، إن بعض التخصصات الطبية تعاني عجزا يفوق 100%، ما يعيق تقديم العلاج حتى للحالات الطارئة، وتوقف عشرات الآلاف من العمليات الجراحية بسبب منع إدخال مستلزمات طبية أساسية، خصوصًا في جراحات العظام والصدر والأوعية، مشيرا إلى أن ما يدخل من أدوية لا يتجاوز 20% من الاحتياج الفعلي، وبعضه لا يتناسب مع طبيعة الحالات الحرجة.
وأشار مدير مجمع الشفاء الطبي، إلى توقف عشرات الآلاف من العمليات الجراحية بسبب منع إدخال مستلزمات طبية أساسية، خصوصا في جراحات العظام والصدر والأوعية، مؤكدا أن ما يدخل من أدوية لا يتجاوز 20% من الاحتياج الفعلي، وبعضه لا يتناسب مع طبيعة الحالات الحرجة.

الإغاثة الطبية بغزة
مستشفيات غزة على وشك وقف خدماتها
وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" في 31 ديسمبر، أن مستشفيات غزة التي ما زالت تعمل أصبحت على وشك وقف خدماتها ما لم يسمح بدخول الوقود، مشيرة إلى أن تحذيرات منظمات الإغاثة المطلعة على واقع قطاع الصحة في القطاع من أن الحصار الذي تفرضه تل أبيب على إدخال الوقود يفاقم الأزمة الإنسانية التي يعانيها الفلسطينيون بسبب الحرب.

حبيبة ناصر
قصة حبيبة ناصر تختصر مأساة مزدوجة، حيث طفلة استطاعت، بدعم طبي وتأهيلي مبكر، أن تشق طريقها نحو التعليم والاندماج، ثم جاءت الحرب لتسلبها العلاج، والكرسي، والمدرسة، والاستقرار، ورغم كل ذلك، لا تزال حبيبة تحلم بالعودة إلى علاجها، إلى كرسيها المتحرك، وإلى صفها الدراسي، في انتظار أن تمتد يد العناية مرة أخرى قبل أن تترك الحرب آثارا لا يمكن ترميمها.