حكايات النصر والجبر.. سفراء الحرية.. أطفال الأسرى ولدوا عبر تهريب النطفات.. المعتقلون: السجان قد يملك المفاتيح ونحن نملك المستقبل.. المختصون: عملية معقدة للغاية والنطفات القادرة على التلقيح عمرها ساعات فقط

الثلاثاء، 03 فبراير 2026 02:00 ص
حكايات النصر والجبر.. سفراء الحرية.. أطفال الأسرى ولدوا عبر تهريب النطفات.. المعتقلون: السجان قد يملك المفاتيح ونحن نملك المستقبل.. المختصون: عملية معقدة للغاية والنطفات القادرة على التلقيح عمرها ساعات فقط الأسرى الفلسطينيون

كتب أحمد جمال الدين – أحمد عرفة

<< المتحدث باسم وزارة الأسرى والمحررين بغزة : النجاح غير مضمون

<< الأسرى: الاختلاط ممنوع خلال الزيارات والخلوة ممنوعة والتفتيش محكم ولكن إرادة الله أقوى

<< 130 طفلا ولد عبر النطف المهربة للأسرى

<< مختصون: العملية كانت أقرب إلى فيلم سينمائي ذكاء

<<  تسجيل أول عملية ناجحة لنطفة مهربة في عام 2012

<< الأسير المحرر عطا عبد الغني: النطف المهربة سفراء للحرية كانوا الرئة التي نتنفس منها داخل السجون

 

في أحد شوارع المدن الفلسطينية، حيث الجدران تحمل صور الشهداء والأسرى، يقف علي نزال الأسير المحرر وهو يضم طفله، يرفع رأسه إلى السماء ويتمتم بجملة تختصر رحلة كاملة من الألم والإصرار:"هذا ابني من النطف المهربة، الحمد لله رب العالمين".

لم يكن المشهد عاديا، فلم يكن مجرد أب يحتضن طفله بعد ولادته، كان العالم كله يرى دون أن يدري، أن الحياة وهزيمتها للموت ليست مجرد احتمالات بيولوجية، بل إرادة تصنع المعجزة، حتى لو كانت خلف قضبان الاحتلال وبين كاميرات المراقبة وأبواب التفتيش الحديدية.

كان الأسير علي نزال واحدا من أولئك الذين رفضوا أن يُدفن مستقبلهم في الزنازين، ورفضوا أن يسرق الاحتلال حقهم في الأبوة، في الامتداد، في ترك أثر وبصمة واسم يولد حتى لو بقي الجسد أسيرا.

 

-بداية فكرة بدت مستحيلة

لم يتخيل الأسرى يوما أن فكرة تهريب نطفهم ستتحول إلى ظاهرة ثورية وإنسانية بهذا الحجم، لم يكن في حساباتهم أن يأتي يوم يركض فيه أطفالهم في باحات السجون خلال الزيارات، أو أن يحملوا أسماء آبائهم ويكملوا أحلامهم، "رغم أنف السجان"، كما قال الأسير المحرر ناهض حميد: "تحديت السجان، وتحديت السجن، وتحديت كل الأبواب والجدران وأنجبتهم."

في عام 2004، كان الأسير عباس السيد، المحكوم بـ 35 مؤبدا و100 عام، أول من قفز بهذه الفكرة من دائرة المستحيل إلى النقاش الجاد. كانت جرأة استثنائية في بيئة لا تسمح حتى بحرية الأفكار.

انتشرت الفكرة بين الأسرى مثل شرارة حريق في هشيم، وأثارت نقاشات طويلة امتدت ليالٍ كاملة داخل الزنازين. البعض اعتبرها حلمًا جميلاً لكنه غير قابل للتطبيق، وآخرون رأوها ثغرة في منظومة القمع يجب اقتحامها مهما كان الثمن.

 

رأى الدين؟

حتى الدين لم يكن غائبا عن الحوار؛ فقد توجه الأسرى لاستفتاء كبار العلماء، وعلى رأسهم مفتي الديار الفلسطينية السابق الشيخ عكرمة صبري، الذي وافق بشروط صارمة، أبرزها موافقة الزوجة، ووجود شهود من عائلة الزوجة والأسير، وإشراف طبي ومحام موثوق، وتسليم العينة بطريقة شرعية وقانونية واضحة.

 

تهريب النطف من سجون الاحتلال
تهريب النطف من سجون الاحتلال

 

بهذه الضوابط، لم تعد الفكرة مجرد تمرّد، بل تحولت إلى مسار إنساني منظم، يضاعف من رمزية النضال ويعيد تعريف مفهوم الحرية، لكن يظل السؤال كيف تسلل الحلم من خلف القضبان؟

 

-الضوابط

العملية، بحسب المختصين، كانت أقرب إلى فيلم سينمائي ذكاء، تخطيط، إصرار، ومخاطرة، حيث يشرح الدكتور عبد الكريم الهنداوي، أخصائي الإخصاب المساعد، آلية الاحتفاظ بالعينة قبل وصولها إلى المختبر: "طريقة تخزين العينة بسيطة ودقيقة في الوقت نفسه. أحياناً يتم وضعها داخل قلم، أو كبسولة دوائية صغيرة، وتصل العينة إلى مركز متخصص، تجمد، وتستخدم لاحقا بعد تجهيز الزوجة لتلقيحها أو إجراء أطفال الأنابيب".

 

-استمرار المقاومة

ليست العملية تقنية فقط، بل سلسلة مترابطة من التضحية، حيث أسير يخاطر بحياته وامتيازاته القليلة داخل السجن، وزوجة تنتظر بصبر وتواجه نظرات المجتمع وأسئلة الفضوليين، ثم عائلات توثق العملية بالشهود، وكذلك أطباء ومراكز طبية تستقبل العينات وتخوض جزءا من المعركة، هكذا يصبح الإنجاب فعل مقاومة لا إجراء طبيا.

 

- أول انتصار

في عام 2012، سجلت أول عملية ناجحة لنطفة مهربة، كانت زوجة الأسير عمار الزبن، المحكوم بالسجن 27 مؤبدا، في موعد مع القصص التي تكتب لا لتقرأ فقط، بل لتورث، ووضعت طفلها الأول، مهند، بكى الجميع، الأم، العائلة، الأطباء، وحتى بعض الأسرى في السجون حين وصلت الخبرية.

تقول دلال الزبن بفخر أكبر من كل الكلمات: فخورة أنني استطعت أن أجعل الحياة جميلة بوجوه نساء لم ينجبن من قبل. من حقهن أن يكنّ أمهات، وولادة مهند لم تكن حدثًا عائليًا فقط، بل تحولت إلى نقطة انعطاف تاريخية، من فكرة مجنونة إلى نموذج ثم إلى موجة تتسع عاما بعد عام.

 

- من خيط سري إلى موجة وطنية

وتوالت بعدها الحالات، وازدادت خبرة الأسرى ووعي المجتمع بالقضية، ولم تعد العملية سرية بالكامل؛ أصبحت رمزا يروى في الإعلام وفي المناسبات الوطنية، ورغم العقوبات التي فرضتها إدارة السجون، من منع الزيارات ومنع مشاهدة الأطفال ومنع التواصل، إلا أن المسار لم يتوقف.

حتى اليوم، تشير هيئة شؤون الأسرى والمحررين إلى أن عدد الأطفال المولودين عبر النطف المهربة وصل إلى 118 طفلا، ونفذت أكثر من 78 عملية تهريب ناجحة، وكل طفل من هؤلاء يسمى في فلسطين" سفير الحرية".

 

- امتلاك المستقبل

عندما تكبر هذه التجربة، وعندما ينطق الأطفال كلماتهم الأولى، يدرك العالم أن الاحتلال لم يكسب المعركة، فيرى الأسرى أن السجان قد يملك المفاتيح، لكن الأسرى يملكون المستقبل.

 

- الحلم المقبل

يقول الأسير المحرر عطا عبد الغني: النطف المهربة سفراء للحرية، كانوا الرئة التي نتنفس منها داخل السجون، هم بإذن الله الحلم القادم والمستقبل للأجيال، فهؤلاء الأطفال ليسوا حدثا بيولوجيا، بل إعلانا جماعيا بأن الهوية ليست قابلة للأسر.

تجربة النطف المهربة ليست فقط إنجاب أطفال، لكن الفلسطينيون يعتبرونها كسر للهيمنة، وانتصار على السجان الإسرائيلي، ورسالة بأن الحرية فكرة لا يمكن تقييدها، بجانب إعادة تعريف لمعنى الأبوة خارج قيود الجغرافيا، وبناء صلة دم بين جيلين يفصل بينهما حديد وأسلاك، ولعل أجمل ما وصلت إليه هذه التجربة أنها لم تعد تناقش همسا، بل تروى أمام العالم بفخر، لأنها ببساطة تقول: "إذا سجنت الأجساد، فلن تسجن الحياة."

 

- الحرية لا تقهر

في كل بيت فلسطيني ولد فيه طفل من النطف المهربة، هناك حكاية عشق وصبر وثبات، وهناك أم حملت قضية زوجها فوق كتفيها، وأسير قال للزنازين: "لن أتركك تبتلعين عمري وحدي"، وهناك طفل يولد وهو لا يعرف بعد أنه جاء إلى العالم من معركة لا من مجرد رحم، فيوما ما، حين يكبر هؤلاء الأطفال، قد يقفون أمام بوابات السجون نفسها التي ولد وجودهم من تحديها، وحينها سيقول لهم آباؤهم بصوت يختلط فيه الدمع بالكرامة: "لقد ولدتم لتثبتوا أن الحرية لا تقهر".

وفي أغسطس 2017 أكد عيسى قراقع رئيس هيئة شؤون الأسرى الفلسطينيين، أن ما يزيد عن 30 أسيرا قابعين في سجون الاحتلال، أصبحوا آباء لأطفال هربوا نطفهم من داخل السجون الإسرائيلية، موضحا أن هذا الإبداع الإنساني، رسالة حياة وحرية وأمل من الأسرى في السجون الإسرائيلية وتأسيس لمستقبل بلا معتقلات وظلم واحتلال.

وأضاف، أن مبادرة إنجاب الأطفال بالنطف، أعطت للتضحية معنى للحياة، وكانت تحديا تاريخيا للاحتلال وقيوده وممارساته اللاإنسانية، كما الأسرى عندما يؤسسون عائلات، فإنهم يخلقون التفاؤل بالحرية ويتحلون بكل الإرادة والإيمان واليقين بكسر القيود وغرور السجان.

وأشار إلى أن أبناء نطف الأسرى يولدون من داخل الموت والحصار والظروف الصعبة التي يعيشها الأسرى في السجون، خاصة بعد العقبات التي وضعتها حكومة الاحتلال والقيود التي فرضتها على قبول طلبات عدد من الأسرى لتنظيم الخلوة الشرعية مع زوجاتهم رغم سماح القانون الإسرائيلي المتميز بالعنصرية بذلك، تجاه الأسرى السياسيين خلافا لوضع السجناء اليهود والجنائيين.

 

- ولادة رغم الأسر

عطية أبو وردة، والد الأسير المحرر محمد أبو وردة، لم يرى نجله الأسير منذ 23 عاما سوى ثلاث مرات فقط داخل المعتقل، خاصة أن ابنه محكوم عليه بـ48 مؤبد، لاتهامه بعمليات قتل ضد 45 إسرائيليا.


الأسير المحرر محمد أبو وردة، اتهمته إسرائيل بقتل 45 إسرائيليا، واعتقلته في عام 2022، لتحكم عليه بـ48 مؤبدا، حيث قبل اعتقاله استطاع الفرار من مدينة أريحا لمدينة الخليل وبالتحديد مع بداية انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000، وتزوج قبل اعتقاله ثلاثة شهور فقط، ولم يم يستطع أن يرى ابنه "حمزة" بعد أن منع الاحتلال أي زيارات له.

يتحدث والد حمزة أنه استطاع تسريب نطفة إلى زوجته التي تزوجها، لينجب طفله حمزة، والذي كبر وظل والده في السجن ليسمح لهم بأول زيارة بعد 19 عاما، لم يستطع تخيل صورة نجله وهو رضيعا ثم طفلا، والابن لا يعلم عن والده سوى من خلال الصور المنتشرة في منزل جده، وزوجة تعلم أنها لن ترى زوجها مطلقا ولن يجمعهما مكانا واحد، خاصة أن الحكم الصادر ضده يجعله يبقى في السجن لمدة 4752 سنة، بحكم أن المؤبد في سجون إسرائيل بـ99 عاما، أي أنه سيبقى طوال حياته داخل المعتقلات .

 

- المعجزة

في إحدى زوايا بيت فلسطيني بسيط، تجلس هنادي المغربي تحتضن ابنتيها الصغيرتين، تتأملهما كأنهما ليستا مجرد طفلين، بل معجزتين خرجتا من رحم المستحيل، تبتسم بين التعب والفخر، وتقول: " أحيانا أشعر أنهم كثار علي، كمجتمع وكعائلة وكأصدقاء وزميلات، تشجيع كان غير طبيعي غي يولدون عبر النطفة المهربة".

لم تكن كلماتها وصفًا لحالة أم عادية، بل شهادة امرأة حملت عبء الحرمان والانتظار والنضال في آن واحد، فبداية القصة كانت عندما ولد محمود – الابن الأكبر - وهو يحمل اسم والده الأسير أحمد المغربي، المحكوم بالسجن 18 مؤبدا، كان يكبر وهو يعرف أن أباه بعيد، خلف أبواب حديدية لا تنفتح إلا للتفتيش أو المحاكم، وأن اللقاء مجرد لحظات تسرق من وجوه الجنود والكاميرات.

ومع مرور السنوات، صار يسأل:"هل سأبقى وحدي؟ هل يمكن أن يكون لي أخ أو أخت؟"، في البداية، كان الجواب أمنية معلقة في الهواء، لكن الأمنيات التي تولد في فلسطين لا تذبل بسهولة، بل تتحول مع الوقت إلى خطط، ثم إلى محاولات، وأخيرًا إلى واقع.

وهكذا اتخذت العائلة القرار الذي بدا مستحيلا يوما، حيث تهريب نطفة الأب من داخل السجن، وكانت الخطوة مخاطرة، لكنها امتداد للكرامة ورفض للخضوع، وبعد رحلة طويلة من الصبر، وبتعاون الأطباء، القانونية، والهيئات الدينية والوطنية، ولدت نور وسندس قبل عامين ونصف.

 

- لحظة الانتصار

لم تكن ولادة الطفلتين حدثا شخصيا فقط، بل جبر كسر ظل في قلب الأم 14 عاما، حرمت خلالها من رؤية زوجها، وكذلك من حق الزيارة، ومن أن تعيش حياة طبيعية كأي أسرة على هذا الكوكب، وكذلك عاشت هنادي نفسها تجربة الاعتقال، لتكون قصة الأسرة حكاية مركبة من الألم، والصبر، والبحث عن لحظة انتصار صغيرة أمام نظام يحاول أن يحرم الفلسطيني من كل شيء الأرض، البيت، الحرية، وحتى حق الامتداد البيولوجي.

لكن الاحتلال الذي أغلق الباب، لم يعرف أن الفلسطينيين لا يعترفون إلا بأن كل باب قابل للاختراق، وتهرب نطف الأسرى بطرق متعددة، تختلف بين الاجتهاد والابتكار والمجازفة، لكن الهدف واحد أن تصل العينة إلى العالم الخارجي قبل أن تفقد خصوبتها، وحين تصل، يبدأ فصل آخر من الوثيقة الدقيقة التي تحكم هذه العملية.

 

- التعامل مع العينات

يشرح الدكتور سالم أبو خيزران، مدير أحد مراكز التحاليل الطبية، تفاصيل المرحلة الحساسة قائلا : "تأتي العينة ونفحصها، وبعض العينات تأتي بطرق بدائية وتظل ساعات طويلة".


ويضيف : نتأكد أول شئ من وجود عدد حيوانات منوية يكفي لإجراء أطفال الأنابيب، وإذا كان مناسب نعمل على تجميدها وتحضيرها.

لم تكن المسألة طبية فقط، بل سابقة اجتماعية، أخلاقية، ودينية، تطلبت فتوى شرعية واضحة، وموافقة فصائل فلسطينية، ثم موافقة عائلية مكتوبة، وتوثيق طبي وقانوني كامل، وبعد سنوات من النقاشات والتجارب الأولى، أصبحت الفكرة التي ولدت كهمس داخل السجون واقعا معترفا به اجتماعيا ودينيا ووطنيا.

 

- 50 طفل

كانت نور وسندس مجرد حلقتين في سلسلة أكبر من الحكايات، فقبلها ولد أكثر من 50 طفلا بنفس الطريقة، واليوم يرتفع الرقم مع الوقت ليصبح أكثر من ولادة فردية، فهي ظاهرة وطنية، فكل طفل منهم ليس مجرد مولود، بل رسالة سياسية مفداها: "لا تستطيعون منع الحياة عنا حتى لو سجنتم أجسادنا."

قليلون الأسرى في العالم الذين حاول الاحتلال جعلهم مجرد أرقام داخل ملف، لكنهم ردوا عليه بأطفال يخلقون معنى جديدا للوجود، فقد يكون الاحتلال الإسرائيلي أحد أكثر الأنظمة التي ابتكرت وسائل للسيطرة على شعب آخر، من الحرمان إلى العزل إلى القوانين العسكرية إلى تدمير البيوت والسجون الدائمة، لكن في المقابل، يصعب أن تجد شعبا مثل الفلسطينيين، صنع من الوجع طريقا للاستمرار، ومن السجن نافذة للحياة، ومن العجز عنوانا للابتكار.

اليوم تكبر نور وسندس، يمشيان في البيت، يضحكان، يختصمان، ويعودان ليختبئا بين ذراعي أمهما، فيما يكبر الأخ الكبير محمود، ويرى أمامه حلما تحقق، بينما يكبر الأب في السجن لا بعمر الجسد، بل بعمر القلب الذي عاد ينبض من جديد خلف القضبان، وإذا كان الاحتلال قد أراد لهذه العائلات أن تنطفئ، فقد ولدت هذه التجربة لتقول له: "لا يوجد جدار يستطيع حبس الأبوة، ولا زنزانة تستطيع فرض النهاية، نحن لا ننجب أطفالا فقط، نحن ننجب استمرارا".

 

- رغم التفتيش

وبحسب هيئة الأسرى والمحررين الفلسطينيين، يحق لأهالي الأسرى زيارتهم مرة كل أسبوع لمدة أقصاها 45 دقيقة، يتعرضون قبلها لتفتيش دقيق وشامل، حتى يتاح لهم مخاطبة أبنائهم الأسرى عبر الهاتف، ومشاهدتهم عبر الزجاج المقوى، فيما تسمح مصالح السجون الإسرائيلية للأسرى بلقاء أطفالهم وملامستهم في الدقائق الـ10 الأخيرة من الزيارة.

الخلوة الزوجية محظورة على الأسرى، لكن ذلك لم يمنعهم من تهريب نطافهم إلى زوجاتهم لينجبوا وهم شبان أشداء، قبل أن يفوت الأوان حتى الإفراج عنهم، إذا تكاد لا تقل مدة الأحكام المفروضة على معظمهم عن الـ25 عاما، فيما صدرت أحكام بحق بعضهم تصل إلى بضعة مؤبدات.

تهريب السائل المنوي من السجون الإسرائيلية، أعقد بكثير من تهريب الرسائل عبر الكبسولات المضغوطة التي يبتلعها السجين، لاسيما وأن الحيوانات المنوية القادرة على التلقيح، تقدر على العيش لبضع ساعات أو يوم كامل لا أكثر.

الأسرى الراغبين في إيصال نطافهم إلى زوجاتهم، يبعثون بها مع رفاقهم الذين يتم الإفراج عنهم، بعد التنسيق مع الزوجة وذويها وذوي الأسير الأب، لإثبات أبوته لمولوده عرفا وشرعا.

 

- النطفة الأولى

وتجمع معظم المصادر الفلسطينية على أن فكرة "النطفة المحررة الأولى"، تعود للأسير عمار الزبن من الضفة الغربية، الذي رزق بابن لقبه الفلسطينيون بـ"سفير الحرية"، فيما يعود الفضل في زرع "النطفة المحررة الأولى" إلى الدكتور سالم خيزران مدير مركز "رزان لأطفال الأنابيب" في نابلس.

في 2023 رزق الأسير أحمد شمالي من غزة، بأربعة توائم، حملت بهم زوجته عن طريق النطف المهربة، من زوجها المعتقل في سجون الاحتلال منذ شهر أغسطس ، عام 2008.

ومرت زوجة الأسير الفلسطيني منذ اللحظة الأولى لحملها، في شهر أكتوبر 2022 مراحل عديدة بدأت بمحاولة تهريب نطفة زوجها، لتتمكن من إنجاب أربعة أطفال، ثلاثة ذكور عبد الرحيم، وركان، وريان، وأنثى تدعى نجاح.

ويطلق الفلسطينيون على تهريب النطف من الأسرى بـ "سفراء الحرية"، حيث يتم عبرها تهريب النطف بطرق مختلفة، وبمعايير محددة خارج أسوار السجن، لتبدأ رحلة طبية تنتهي في الغالب بإنجاب الأطفال عن طريق الزراعة.

وفي يوليو 2015 رزق الأسير أحمد السكني، المحكوم عليه بالسجن 35 عاما، بتوأم، ولد وبنت وهما معتز وسوار، وذلك أيضا عن طريق عملية تلقيح اصطناعية خضعت لها الزوجة بعد أن تم تهريب نطفة منوية لأحمد السكني.

 

- إصرار على الحياة

ويؤكد إسلام عبده، المتحدث باسم وزارة الأسرى والمحررين بغزة، أن موضوع النطف المهربة داخل السجون الإسرائيلية مهم للغاية وشغل مساحة كبيرة من الاهتمام خلال العشر سنوات الماضية والعقد الماضي، باعتباره كان رسالة تحدي وإصرار على الحياة والبقاء خاصة من الأسرى أصحاب الأحكام العالية والأحكام المؤبدة الذي أراد الاحتلال من خلال هذه السنوات الطويلة القضاء على نسلهم ومعاقبتهم بالحرمان من الذرية والإنجاب، فكانت هذه الوسيلة أو الأسلوب الذي استخدموا الأسرى من خلال النطف المهربة أخذ مساحات كبيرة من النقاش داخل السجون وخارج السجون، وتم استشارة الخبراء والعلماء في هذا الأمر وتم الموافقة والاتفاق على أن يحق للأسير، أو كنوع من مقاومة الاحتلال، أن يهرب النطفة وضمن ضوابط معينة وضمن شروط محددة.

 

- عملية معقدة

ويضيف في تصريحات خاصة لـ اليوم السابع، أن هناك ضوابط تنظم عملية تهريب النطف، خاصة أن تلك العملية ليست سهلة، بل معقدة للغاية حتى تضمن  إخراج النطفة ووصولها والمحافظة عليها ورعايتها، مشيرا إلى أن هذا القرار أخذ سنوات طويلة حتى نجحت أولى عمليات النطف المهربة في عام 2011 من خلال الأسير عمار الزبن الذي استطاع أن ينجب ويضع أول طفل له من خلال النطف المهربة، ثم تلا ذلك العشرات من الأسرى الذين نجحوا في تهريب النطف المهربة من داخل سجون الاحتلال واستطاعوا الإنجاب لتكون حياة جديدة لما أطلق عليهم "سفراء الحرية".

 

- 130 طفل عبر النطفات

ويشير إلى أن أكثر من 130 طفلا ولد عبر النطف المهربة للأسرى لنحو أكثر يعني ما يقارب من 75 أسيرا استطاع أن ينجب، معظمهم كان من الأحكام العالية أو أصحاب المؤبدات الذين أراد الاحتلال من خلال هذه الأحكام قتل الحياة في نفوسهم وقتل معاني الحياة، لافتا إلى أن إصرار الأسرى على مواصلة الطريق والحياة جاء من خلال هذا المشروع الإبداعي والفكرة الإبداعية التي استطاعت أن ترى النور وأن يحقق الأسرى من خلالها يعني أسلوب جديد في مقاومة ومجابهة الاحتلال.

 

-طرق إبداعية

ويؤكد المتحدث باسم وزارة الأسرى والمحررين بغزة، أن عملية تهريب النطفة والوصول إلى مرحلة الإنجاب عملية معقدة من خلال استخدام طرق إبداعية في تهريب النطفة، ورغم أن الاحتلال يحارب هذه العملية بشتى الطرق والوسائل من خلال إجراءات عزل للأسرى المحكومين بالمؤبد أو حتى عمليات النقل، تتم عمليات نقل النطفة بشكل معقد، حتى الأسرى الذين يتم الإفراج عنهم يتم وضعهم وعزلهم في سجون انفرادية مدة 3 أيام أو 4 أيام قبل عملية الإفراج.

 

- النجاح غير مضمون

ويوضح أن كل هذه الإجراءات تتخذها إدارة سجون الاحتلال هي لمنع تهريب النطف، إلا أن الأسرى الذين كانوا أصحاب إبداع داخل معتقلات إسرائيل استطاعوا أن يتغلبوا على تلك السجون وإدارتها بتهريب عدد من النطف، مشيرا إلى أن هناك محاولات نجحت وهناك محاولات أخرى كثيرة فشلت ولم تر النور، ولكن هي معركة، معركة عقلية ومعركة إبداع للعقول داخل السجون من أجل خلق حياة للأسرى ولذويهم ولزوجات الأسرى، كان لها أثر نفسي كبير لعائلات الأسرى

ويقول إسلام عبده إن هذه النطفة التي خرجت من السجون هي اليوم تشكل حياة جديدة لهم وتحمل ريحة الأسير والحياة لابنهم الذي غيبه الاحتلال داخل سجون الاحتلال، وتهريب النطف عملية جاءت ورأت النور بفضل إبداع الأسرى وصمود الحركة الأسيرة، رغم انعدام الأفق التي كانت إدارة سجون الاحتلال تحاول تغييب هؤلاء الأسرى وجعلهم في عالم النسيان داخل المعتقلات، منعزلين عن واقعهم الاجتماعي، وعن واقعهم السياسي، وإلى غير ذلك من هذه الأمور، فهذا ما كان يريده الاحتلال، إلا أن المعتقلين أثبتوا أنهم أصحاب تجارب إبداعية وإرادة حقيقية رغم ما يجري في السجون من عقبات وإجراءات قاسية بحق الأسرى.

ويضيف، أن واقع الأسرى اليوم هو واقع مختلف للغاية عما قبل السابع من أكتوبر، والوضع مختلف كليا، خاصة أن هناك إجراءات شديدة القسوة، وعملية تعذيب ممنهجة، وحرمان للأكل والجوع المستمر والمتواصل، وحرمان من الزيارة والتواصل مع المحامين، خاصة ما يتعرض له أسرى غزة من تغييب وعمليات قتل داخل سجون الاحتلال بشكل ممنهج، متابعا :"كنا بالسابق نتحدث عن أمور مطلبية أو مطالب للأسرى لتحسين حياتهم داخل السجون، ولكن الآن نتحدث عن واقع لا يمكن أن نصفه، ولا يمكن لأحد أن يصدق أن هذا يحدث في زماننا هذا من عمليات وإجراءات يعني يندى لها الجبين ولا يمكن أن توصف".

وبحسب بيان صادر عن مؤسسات الأسرى الفلسطينيين في 16 ديسمبر حول أعداد المعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي لشهر ديسمبر 2025، أوضح أن هذه المعطيات تستند إلى ما ورد عن مؤسسات الأسرى وما أعلنته إدارة سجون إسرائيل، حيث  بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون تل أبيب نحو 9300 أسيرا ومعتقلا، غالبيتهم من الموقوفين والمعتقلين الإداريين، كما أن هذا الرقم لا يشمل المعتقلين المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش إسرائيل.

وأوضح أنه بحسب ما أعلنته إدارة سجون الاحتلال حتى  ديسمبر 2025، بلغ عدد الأسرى المحكومين 1254 أسيرا،  أما عدد الأسيرات فبلغ حتى تاريخه 51 أسيرة، بينهن طفلتان، في حين بلغ عدد الأطفال الأسرى حتى تاريخه 350 طفلًا، محتجزين في سجني عوفر ومجدو، وبلغ عدد المعتقلين الإداريين 3350 معتقلًا.

معاناة الأسرى الفلسطينيين
معاناة الأسرى الفلسطينيين

 

وأشار إلى أن عدد المعتقلين المصنفين "كمقاتلين غير شرعيين" بلغ 1220 معتقلين، علمًا أن هذا الرقم لا يشمل جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال والمصنفين ضمن هذه الفئة، لافتا إلى أن هذا التصنيف يشمل أيضا معتقلين عربا من لبنان وسوريا.

 

- قمع داخل سجون الاحتلال

وأكد مكتب إعلام الأسرى الفلسطيني، خلال بيان له في 24 ديسمبر، أن الاحتلال يصعد القمع داخل عزل سجن جانوت خلال شهر ديسمبر، بعدما - نفذت وحدات الاحتلال داخل السجن 3 حملات قمع متتالية بتاريخ 14 و16 و19 ديسمبر تعدي خلالها على الأسرى بالضرب والتنكيل الجماعي دون استثناء.

وأضاف أن استمرار ظروف العزل القاسية دون أي تحسينات في ظل برد قارس وحرمان من أبسط مقومات الحياة، محملا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن سلامة الأسرى، ومن تداعيات خطيرة لاستمرار سياسة العزل والقمع، ومطالبا بتدخل حقوقي وإنساني عاجل لوقف الجرائم داخل السجون.

بعدها بـ24 ساعة، أكد مكتب إعلام الأسرى في بيان أخر، أن الأسرى الجرحى يواجهون الإهمال الطبي والتنكيل وظروف احتجاز قاسية في سجن الرملة، موضحا أن إدارة السجن تحرم الأسرى الجرحى من العلاج اللازم والأدوية في ظل عدم توفير ملابس شتوية أو وسائل تدفئة ما يزيد آلامهم اليومية.

وأضاف أن ظروف الاحتجاز في سجن الرملة لا تزال قاسية وسيئة دون أي تحسينات تذكر مع تسجيل حالات قمع وضرب بين الحين والآخر وفرض عقوبات جماعية، لافتا إلى أن معاناة أسرى غزة في سجن الرملة وخاصة الجرحى منهم تمثل جريمة مركبة تستوجب تدخلا حقوقيا عاجلا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة