هبت علينا نسمات ليلة النصف من شعبان، حاملة معها عبير الإيمان ونور الطاعة، لتكون بمثابة المحطة الروحانية الأهم في طريقنا نحو شهر رمضان المبارك، هذه الليلة التي لم تكن مجرد موعد زمني في تقويم المسلمين، بل كانت وما زالت رمزاً إلهياً يتجسد فيه أسمى معاني الوفاء الرباني والرحمة المحمدية، فهي الليلة التي شهدت معجزة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء، يرجو بصمت المحب ودعاء المخلص أن يتوجه إلى قبلة أبيه إبراهيم، فجاءه الرد الإلهي الذي يدرس للأجيال في أدب "جبر الخواطر"، حين نزل الوحي بقوله تعالى: "فلنولينك قبلة ترضاها".
هنا نتأمل كيف أن الله عز وجل لم يقل "قبلة نرضاها"، بل قال "ترضاها"؛ إعلاءً لشأن المصطفى وتطييباً لقلبه الشريف، ليكون هذا الحدث مدرسة خالدة في تعظيم شعائر الله وفي فن جبر خاطر المؤمنين.
وفي هذه الأيام القليلة المتبقية من شهر شعبان، يبرز التساؤل الجوهري حول كيفية الاستعداد لاستقبال شهر القرآن.
إن تعظيم شعائر الله يبدأ من تهيئة القلب، وتطهير النفس من الشحناء والبغضاء، فليلة النصف هي الليلة التي يطلع الله فيها على خلقه فيغفر للجميع إلا لمشرك أو مشاحن.
لذا، فإن أعظم استعداد لرمضان ليس في تجهيز الموائد، بل في "تخلية" القلب من الضغينة و"تحليته" بالصفاء والمحبة، وجعل جبر خاطر المحتاجين والمنكسرين وسيلة للتقرب إلى الله.
إننا مدعوون اليوم إلى استثمار ما تبقى من نفحات هذا الشهر الكريم، لنجعل من شعبان جسراً حقيقياً يربطنا بروحانية رمضان، فمن عظم شعائر الله في شعبان، أدرك حلاوة الصيام والقيام في رمضان.
فليكن شعارنا هو التسامح وجبر الخواطر، اقتداءً برب العزة الذي جَبَر خاطر نبيه، آملين أن نكون من عتقائه ومن المقبولين، لنستقبل شهر الصوم بقلوب عامرة باليقين وأرواح متعطشة للعبادة.