دندراوى الهوارى

كهنة القيم فى معابد المصالح.. فضيحة إبستين وكيف يحكم العالم عصابة الوعاظ الكاذبين!

الثلاثاء، 03 فبراير 2026 12:00 م


زلزال، إعصار، تسونامى، أو بركان، صِف تسريبات وثائق قضية «جيفرى إبستين» كيفما تشاء، فما تحمله الوثائق من معلومات، حدث جلل، يفوق قدرات العقل على الاستيعاب والتعاطى مع هذه الفضيحة؛ وإذا طُلب من مؤلف عبقرى يتمتع بخيال خصب لكتابة سيناريو خيالى يسرد مثل هذه «القصة اللعينة» سيفشل، فالواقع أكثر إبهارا فى تدشين لعنة الشر، وهدم القيم، وهتك الشرف، واحتقار الإنسانية!

جيفرى إبستين، لم يكن مجرد رجل أعمال، ولكن شيطان، استطاع أن يشكل شبكة علاقات قوية مع نجوم السياسة والمال والفن والثقافة فى العالم، وتمكن من أن يشترى جزيرة «ملعونة» لممارسة طقوسه الشيطانية، مستخدما الكاميرا لتصوير المتورطين فى استغلال الفتيات القاصرات فى أنشطة منافية للأخلاق، مقدما لنخبة من الدوائر المؤثرة وصاحبة النفوذ الواسع، تلك الفتيات «عربونا» أو «رشوة» لتوثيق علاقاته بهم.

القضية عاد زخمها وتجاوزت حدود كونها خبر متداول فى وسائل الإعلام، وانتحار «إبستين» فى السجن، إلى تسريب أوراق القضية من تحقيقات ووثائق وصور وفيديوهات، تكشف علاقات «جيفرى إبستين» بصناع القرار العالمى، وربما كان مشاركا فى طبخ بعض القرارات المصيرية فى مطبخ «البيت الأبيض» وغيره من مقرات الحكم فى أوروبا وعدد كبير من دول العالم.

أعتقد فضيحة وثائق قضية «جيفرى إبستين» ستتفوق فى صداها وصدمتها للرأى العام الدولى، كل القضايا والفضائح قديمها وحديثها، ولا يضاهيها فضيحة أخرى سواء سياسية وعسكرية أو اقتصادية وفنية وثقافية، ويظل السؤال المحير والمربك مفتوحا تتوارثه الأجيال لمعرفة الحقيقة، ومفاده كيف لشبكة استغلال القاصرات والأطفال أن تعمل تحت ظلال العلاقات الاجتماعية مع أصحاب النفوذ فى عالم السياسة والبيزنس والنفوذ الدولى؟ وبأى وجه يطل أبطال الفضيحة على العالم فى خطب رنانة ليتحكموا فى مصير العباد؟ وكيف يثق المجتمع الدولى فى قرارات المتورطين وأن يستمروا فى تصدر المشهد العام ويتحكمون فى مفاتيح مطابخ صنع القرار سياسيا واقتصاديا وثقافيا؟

تكتسب أهمية الوثائق من كونها صادرة من جهات قضائية، ويمكن الاطلاع عليها من مواقع المحاكم الفيدرالية الأمريكية، وهى مصادر رسمية غير قابلة للتشكيك، فى ظل أن الوثائق دسمة بالصوت والصورة، بل إن المحكمة أكدت أن الملفات المحفوظة والتى لم يُفرج عنها، محشوة بتفاصيل يشيب لها شعر الأجنة فى بطون أمهاتهم، من هول التفاصيل الدقيقة والمعلومات الخطيرة، متجاوزة كونها اتهامات رئيسية!

هنا يتأكد أن التخلص من «إبستين» كان ضرورة، لإسكات صوت الحقيقة، وبالفعل وجد إبستين ميتا فى زنزانته بالسجن فى ظروف أثارت الجدل والشبهات، خاصة أن الوفاة حدثت قبل أن يمثل أمام المحكمة رسميا، ورغم أن التحقيقات فى الوفاة خلُصت إلى أن الوفاة كانت انتحارا، وفق تقرير الطب الشرعى الأمريكى، إلا أن التسريبات ومئات الوثائق تفتح باب الشك على مصراعيه، أمام افتراضية أنه تم التخلص من «إبستين» لإخراسه، وخشية أن يتحدث بالحقيقة العارية المورطة لشخصيات نافذة، وربما يكشف أسرارا خافية يمكن أن تحدث زلزالا عالميا من أقصاها إلى أقصاها‍!  

ما يهمنا هنا، ليس إبراز القضية والمتورطين فيها، بقدر إبراز وفضح ازدواج المعايير فى التعامل مع الجرائم الأخلاقية، والتجارة باسم قضايا حقوق الإنسان، وعقاب دول وشعوب تحت هذا الشعار المطاط، بينما من يدشن لهذه الشعارات نهارا، مجرد واعظ فى معابد ذبح الإنسانية ليلا؛ هذا بالإضافة إلى طرح سؤال جوهرى آخر، كيف يمكن أن تكون ثقافة حقوق الإنسان والعدالة مجرد، شعارات، وانتقائية وفق من هو المتهم، جنسيته، ديانته، ولغته؟

فى كل الأحوال فإن قضية «إبستين» وضعت حدا لمفهوم قضايا حقوق الإنسان والعدالة، وإنها مجرد سلعة سياسية تستخدم للضغط على خصوم، بينما تغض الطرف عندما يمس مصالح حلفاء وأصدقاء!

وبعيدا عن الشق القانونى، فإن المحاكمات الشعبية واتساع دائرتها متجاوزة حدود القارات، أكثر صعوبة وتعقيدا، وأحكامها ضد كل المتورطين، أكثر قسوة من المحاكم القضائية القانونية، فقد كشفت فضيحة «إبستين» عن الوجوه السافرة، وصدمة تخفى كهنة القيم فى معابد المصالح، وكيف يحكم العالم عصابة الوعاظ الكاذبين!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة