أحمد إبراهيم الشريف

الله المعز المذل

السبت، 28 فبراير 2026 11:02 ص


الواحد منّا كل يوم فى حال، حينًا يعلو شأنه فيلتف حوله الناس ويصفقون له ويتمنون رضاه، وحينًا يهبط أمره فيتحاشاه من كانوا بالأمس يهتفون له ويحتفون به، وينفض عنه الجميع، وهكذا حال الإنسان بين الرفعة والهوان، يتقلب كما تتقلب الدنيا، ومن هنا يأتي اسما الله "المعز" و"المذل"، اللذان يضعان الكرامة في موضعها الصحيح، فلا تكون حكرًا على أصحاب القوة ولا حكرًا على من يملك المال والسلطان، بل هى عطية إلهية يمنحها الله لمن يشاء، ويسلبها عمّن يشاء، بمقتضى حكمته وعلمه.

الله المعز والمذل فى القرآن الكريم، ورد أصل الاسمين في قوله تعالى: "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آل عمران: 26)، وقد أجمع أهل التفسير والعقيدة على أن هذين الفعلين أصلان ثابتان لاسمي المعز والمذل، فالعزة تنسب إلى الله وحده، وكذلك الذل، فلا يملك أحد أن يرفع أحدًا أو يخفضه إلا بإذن الله، ولا يستطيع بشر أن يسلب كرامة بشر إلا إذا نزعت عنه ولاية الله وحرمانه من مقام العزة الحقيقي.

الله المعز والمذل في اللغة، في لسان العرب لابن منظور، مادة (ع ز ز)، "العزّ: القوة والغلبة، والشرف والمنَعة… وأعزّه الله: رفع قدره، وقوّاه، وجعله غالبًا غير مغلوب، ومن هذا الأصل جاءت صيغة "المعِزّ، الذي يمنح عزة حقيقية لا تُستمد من البشر، بل من علاقة العبد بربه، وفي المقابل، مادة (ذ ل ل) في اللغة تدل على الخضوع والانكسار، وفيها، "أذله الله: وضعه، وحرمه العز، وصيره إلى الهوان، ولذلك كان اسم الله "المذل" ليس إذلال ظلم، بل إذلال عدل: أي أن الله يضع من ظلم، ويهين من بغى، ويكشف حقيقة من تجبر على خلقه، فيظهر ضعفهم مهما أُعطوا من أسباب القوة الظاهرية.

الله المعز المذل عند المفسرين، يقول الطبري في تفسير الآية السابقة، "تعز من تشاء بطاعتك، وتذل من تشاء بمعصيتك"، أي أن العزة ليست رتبة اجتماعية فقط، بل نتيجة علاقة العبد بالله، فإذا كان قريبًا من الله أعزه، وإذا ابتعد عنه أذله، ويقول ابن كثير، "تعز من تشاء، بمنح الهداية والنصر والتمكين، وتذل من تشاء: بتركه وهواه، وببعده عن طريق الحق"، ويرى السعدي أن العزة نوعان، عزة ظاهرة: كالنصر والقوة والتمكين، عزة باطنة: وهي عزة النفس والطمأنينة والقرب من الله، والذل كذلك نوعان: ظاهري وباطني، وأكمل الذلّ ذلّ القلب حين يبتعد عن الله.

المعز والمذل في كتب العقيدة والتصوف، يقول الغزالي في المقصد الأسنى، "المعز: هو الذي يرفع أولياءه بطاعته، ويشرفهم بنور معرفته، ولو فقدت منهم مظاهر العز الظاهرة، والمذل: هو الذي يسلب الكرامة عمن ترك بابه، وأعرض عن هداه، ولو ملك ظاهر الدنيا، ويقول ابن القيم في بدائع الفوائد، "من أراد العز فليطع الله، فإن العز كله له، ومن تعزز بغير الله أذله الله، وهي عبارة تلخص التجربة الإنسانية في جملة واحدة، العزة تطلب من مصدر واحد، فإذا طلبت من سواه انقلبت إلى ذل.

الإنسان إذا أعزّه الله شعر بأن ما وصل إليه ليس بمهارته وحدها، بل بتوفيق سبق السبب، فيتواضع، ولا يغتر، ولا يحتقر أحدًا، وإذا أذله الله علم أن هذا الذل ليس نهاية القصة، بل دعوة للرجوع، وتنبيه إلى أن العزة تطلب من باب آخر، لا من باب الناس.

بهذا المعنى يصبح العز في الإسلام حالة روحية قبل أن يكون حالة اجتماعية، ويصبح الذل امتحانًا قد يرفع صاحبه إن أدرك رسالته، وقد يهوي به إن جهل مصدره.

اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تُذلنا بمعصيتك".


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة