يطل على الشاشات في الشهر الفضيل عمل درامي يحمل وجع الأرض وكرامة الإنسان ويعد فعلًا ثقافيًا مقاومًا، وخطابًا إنسانيًا يعيد ترتيب الأولويات في وعي المشاهد؛ مسلسل صحاب الأرض، عملًا ينهض بوظيفة الشهادة الفنية، ويستحضر ذاكرة فلسطين الوطن الجريح، عملًا يعيد فتح الجرح ليقظة وتذكير الضمير الإنساني، ويكشف في الوقت ذاته ممارسات الاحتلال وسياساته التي طالت الحجر والبشر، فدمرت الأرض، وأبادت وحاصرت الإنسان، وحاولت طمس الهوية، فالمسلسل يتعامل مع كحكاية إنسانية نابضة، ترى فيها التفاصيل الصغيرة التي تصنع المأساة اليومية بيت مهدد، أم تنتظر، طفل يكبر على صوت الخوف، وأحلام مؤجلة تحت سماء مثقلة بالقهر.
تحيةٌ صادقة لشركة المتحدة تحية إعزاز وتقدير على هذا العمل المتميز؛ تحية تنطلق من تقديرٍ واعٍ لجودة الإنتاج المتجلية في الصورة المتقنة، والإخراج المحكم، والأداء الصادق، كما تنبع من الإعجاب بجرأة الطرح ونبل الرسالة، فحين تختار الدراما أن تنحاز إلى القضايا العادلة، وتتحرر من السطحية والاستهلاك، فإنها ترتقي لتصبح منبر مسؤول، وقوة ناعمة تسهم في تنمية الوعي، وصون الذاكرة الجماعية من التآكل والنسيان، إن مسلسل صحاب الأرض يعد وثيقة فنية تذكر بأن خلف العناوين السياسية وجوهًا بشرية نابضة بالحياة، وقصصًا من الصبر والصمود، وأحلامًا تصارع القهر لتبقى، وهذا يؤكد أن العدالة حق مغتصب يسكن تفاصيل الحياة اليومية، ويظهر في ملامح الناس، وفي بيوتهم، وفي صمتهم وصمودهم، وهكذا تثبت الدراما، حين تسمو برسالتها وتخلص لقيمها، أن الفن شاهد على الحقيقة، وضميرًا حيًا للأمة، وصوتًا صادقًا لأصحاب الحق.
لقد عالج مسلسل صحاب الأرض المأساة الإنسانية المركبة في فلسطين، حيث تتشابك المعاناة اليومية مع التمسك بالأرض والهوية، فجاءت مشاهده نابضة بتفاصيل الواقع بيوت مهدمة، وقرى محاصرة، وحواجز تقطع أوصال الحياة، فتجعل الانتقال معركة، والعمل تحديًا، والعيش ذاته فعل مقاومة، ومن خلال هذه التفاصيل نلمس كيف تتحول أبسط الحقوق الإنسانية إلى معركة بقاء، وكيف يختبر الإنسان كل يوم في كرامته وأمنه وحقه الطبيعي في الحياة، ومع ذلك، لا يغرق العمل في استدرار العاطفة ولكن يوازن بوعيٍ فني بين الألم والقهر والأمل والمقاومة، فيقدم صورة لشعب يتألم لكنه لا ينكسر، ويحاصر لكنه لا يتخلى عن أرضه وجذوره، ويواجه القسوة بثبات يستمده من إيمانه بعدالة قضيته وعمق انتمائه.
ومن أبرز ما يميّز صحاب الأرض قدرته على فضح ممارسات الاحتلال بأسلوب درامي رصين، فالاحتلال الإسرائيلي يقدم سياساته من خلال أفعال وإجراءات تمس تفاصيل الحياة اليومية من مصادرة الأراضي، والاعتقالات، والاقتحامات، والتضييق الاقتصادي، والتلاعب بالقوانين بما يخدم واقع الهيمنة، وحين تجسد هذه السياسات دراميًا عبر حكايات أشخاص بسطاء عزل، تصبح أبلغ من آلاف التقارير السياسية؛ لأنها تنقل المعاناة من خانة الأرقام إلى مساحة الوجوه والقصص، وتضع المشاهد وجهًا لوجه أمام حقيقة إنسانية مجردة من التحيز، فيرى بعيني الضحية، ويشعر بوطأة الواقع كما هو، لا كما يعاد تشكيله عبر وسائط منحازة، وهكذا ينجح العمل في أن يكون شهادة فنية واعية، لا تكتفي بسرد الألم، بل توثقه، وتؤطره، وتمنحه بعدًا إنسانيًا يرسخ في الوعي أن القضية حكاية شعب صامد يتمسك بحقه في الأرض والكرامة والحياة.
وتكتسب هذه الرسالة بعدًا روحيًا مضاعفًا في الشهر الفضيل؛ فرمضان شهر مراجعة الضمير، واستحضار قيم العدل، ونصرة المظلوم، وتجديد الانحياز الأخلاقي للحق، وحين يعرض عمل درامي بهذه المضامين في هذا التوقيت، فإنه يوقظ في المتلقي حس المسؤولية، ويستنهض داخله وعيًا أخلاقيًا يرفض الظلم، ويتضامن مع من حرموا أبسط مقومات الحياة، ويعيد ترتيب سلم الأولويات في ضميره، وقد أحسن صناع المسلسل في بناء شخصياته، فجاءت نابضة بالحياة، متعددة الأبعاد، بعيدة عن النمطية والتسطيح، فنرى شخصيات إنسانية كاملة تتصارع داخلها مشاعر الخوف والرجاء، الضعف والقوة، الحزن والإصرار، نشاهد الأب الذي يحاول حماية أسرته رغم شعوره بالعجز أمام واقع قاسٍ، والأم التي تجمع بين الحنان والصلابة، فتكون سندًا وملاذًا، والشاب الذي يقف بين حلم المستقبل وجدار القهر، والطفل الذي يطرح أسئلةً أكبر من عمره، فيختزل ببراءته مأساة جيلٍ بأكمله.
فهذه الشخصيات تقدم صورة لشعب صامد يحمل أحلامًا بسيطة وطموحات مشروعة في الأمن والكرامة والاستقرار، ما يجعل التعاطف معها تلقائيًا وصادقًا؛ لأن المشاهد لا يرى أمامه أبطالًا يشبهونه في تطلعاتهم ومخاوفهم، فيشعر أن القضية تمس إنسانيته، ومن ثم تتجلى قوة الدراما الحقيقية، حين تجعل الآخر مرآةً للذات، وتحول التضامن من فكرة ذهنية إلى إحساسٍ معاش، ويحسب للعمل كذلك عنايته الدقيقة بالتفاصيل البصرية واللغوية، بما يعكس وعيًا مهنيًا ناضجًا، فجاءت الصورة معبرة، موظفة للضوء والظل واللون في خدمة الحالة الشعورية، بينما بدا الإخراج متماسكًا في إيقاعه، قادرًا على الانتقال بين المشاهد دون ارتباك أو افتعال، أما الموسيقى التصويرية، فقد استخدمت بعناية لتعزيز الإحساس بالمشهد، دون أن تطغى عليه، وفي ما يتعلق بالحوار، فقد حمل نبرة تمنح كل شخصية صوتها الخاص، وتعكس بيئتها وتكوينها النفسي، وهذا التكامل بين الصورة والكلمة والإيقاع عكس جهدًا احترافيًا واضحًا يحسب لشركة المتحدة، ويؤكد أن الالتزام بالقضية يتسق مع الجودة الفنية، وإن صدق الرسالة يزداد تأثيرًا كلما استند إلى صناعةٍ متقنة ورؤية واعية.
ويسهم هذا المسلسل في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، ولا سيما لدى الأجيال الشابة التي قد تتلقى معرفتها بالقضية عبر وسائل الإعلام المختزِلة أو السرديات المجتزأة، فالعمل الدرامي يمنح سياقًا إنسانيًا وتاريخيًا يربط الحدث بجذوره، ويعيد وصل الحاضر بالماضي، بعيدًا عن التضليل أو التزييف، ومن خلال هذا الامتداد السردي، تفتح أمام المشاهد نافذة للتساؤل، ويحفز على البحث والتأمل، ويستعاد الاعتبار للقضية، فالدراما تعرض المعاناة، وتعيد بناء الذاكرة، وترسخ وعيًا نقديًا يجعل المتلقي أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتزييف، وبين الرواية الإنسانية الصادقة والخطاب المنحاز.
ويتطلب تقديم عمل كهذا شجاعةً مؤسسية ورؤيةً واضحة المعالم؛ فالقضايا العادلة كثيرًا ما تحاط بحساسيات سياسية وإعلامية، وتثقلها حسابات الربح والخسارة، وتتعرض لضغوطٍ مباشرة وغير مباشرة، غير أن الانحياز للحق يظل خيارًا أخلاقيًا يسبق كونه قرارًا إنتاجيًا، وموقفًا قيميًا يتقدم على الاعتبارات الآنية، ومن ثم فإن تحية شركة المتحدة للإشادة بعمل ناجح فنيًا، وتقديرًا لوعيها بدور الفن في صناعة الوعي العام، وإيمانها بأن الدراما تمتد لتكون ساحة للنضال الرمزي، ومنبر لتثبيت تأكيد الحق في مواجهة محاولات الطمس والتزييف، فالفن قوة ناعمة، يعكس الواقع ويسهم في تشكيله وإعادة تأويله، ويوجه البوصلة الأخلاقية للمجتمع، وبالتالي يصبح شريكًا في معركة الوعي، وحارسًا للذاكرة الجماعية، وصوتًا للحق.
ويترك مسلسل صحاب الأرض أثرًا يمتد إلى النقاشات في البيوت، والحوارات بين الأصدقاء، والتأملات الفردية في معنى العدالة والانتماء، ويوقظ وعيًا يعيد التفكير في موقع الإنسان من قضيته، وفي مسؤوليته تجاهها، ويذكرنا العمل بأن الأرض وطن وهوية وذاكرة ومستقبل؛ وأن التمسك بالأرض هو تمسك بالكرامة وحق أصيل في الوجود، ومن خلال هذا المعنى قدم المسلسل شهادة دراميةً على مأساة فلسطين، وفضح ممارسات الاحتلال بلغة الفن الرفيع، بعيدًا عن المباشرة أو الادعاء، مستندًا إلى قوة الصورة وصدق السرد، كما أعاد إلى الشاشة روح الالتزام بالقضايا العادلة، مثبتًا أن الدراما قادرة على أن تكون أكثر من مساحة ترفيه؛ قادرة على أن تكون صوتًا للحق، ومرآة للمعاناة، وجسرًا نحو وعي أكثر إنصافًا وعدلًا، ومن ثم فإن صحاب الأرض علامةً فارقة في مسار الدراما الجادة، عملًا جمع بين القيمة الفنية والرسالة الإنسانية، لتبقى التحية مستحقة لكل القائمين عليه، الذين أثبتوا أن الإبداع حين يقترن بالموقف، يصنع أثرًا باقياً في الوجدان والذاكرة.
___
أستاذ أصول التربية
كلية التربية بنات بالقاهرة - جامعة الأزهر