بتجربتين أعتقد أنهما من أفضل ما تم إنتاجه هذ الموسم، وهما "عين سحرية" و"حد أقصى"، يخوض السيناريست المخضرم هشام هلال السباق الدرامي الرمضاني. وعلى الرغم من انتماء العملين إلى عالم الإثارة والتشويق الاجتماعي، فإن البناء الدرامي لهما اختلف جذريًا واتخذ مسارات مختلفة سنحاول إظهارها في السطور التالية.
في مسلسل "عين سحرية"، استند هشام هلال إلى فكرة الكاتبة لانا الجندي، وكتب معالجة درامية وسيناريو وحوار، بمشاركة محمد حسن عبد العليم. وأخرج العمل السدير مسعود، وقام ببطولته عصام عمر، باسم سمرة، عمرو عبد الجليل، وسما إبراهيم، إلى جانب چنا الأشقر وفاتن سعيد. وتتلخص الفكرة في شاب يعمل فنيًا لتركيب الكاميرات، يزرع كاميرا مراقبة سرية تقوده بالصدفة إلى توثيق جريمة قتل، وتضعه في مواجهة مباشرة مع شبكة فساد كبرى.
أما مسلسل "حد أقصى" فقد تعاون فيه هشام هلال مع ورشة كتابة قادها الكاتب باسم شرف. وأخرجت العمل مايا أشرف زكي، ولعبت بطولته روجينا، محمد القس، خالد كمال، بسنت أبو باشا، وفدوى عابد. وتتمحور القصة حول موظفة مبيعات تجد ثروة مجهولة في حسابها البنكي، لتكتشف تورط زوجها في منظومة غسيل الأموال وتجد نفسها مجبرة على الدفاع عن حريتها وبراءتها.
في البداية يجب التأكيد على أن جودة البناء الدرامي تكتمل حين تتلاقى الكلمة المكتوبة مع التنفيذ البصري المتقن، وهو ما تحقق بوضوح في كلا العملين. حيث ترجم المخرج السدير مسعود بإتقان شديد تعقيدات النص في "عين سحرية" إلى صورة بصرية دقيقة توظف الإضاءة وحركة الكاميرا وزواياها لتعكس حالة الحصار النفسي والترقب المفروض على الأبطال طوال الوقت. وشكلت المخرجة مايا أشرف زكي في مسلسل "حد أقصى" إحدى مفاجآت الموسم الفنية بتمكنها من قيادة فريق كبير من الممثلين، وأثبتت كفاءتها واحترافيتها في إدارة الدفة، والأهم أنها تجاوزت الاعتبارات العائلية المتمثلة في كون البطلة روجينا هي والدتها، ونجحت في تقديمها في ثوب فني متجدد ومغاير تمامًا لما قدمته سابقًا، لتبرز مساحات أداء مختلفة وعميقة تخدم طبيعة الصراع الدرامي.
دلالة العنوانين
اتبع هشام هلال أسلوبًا متشابهًا في تسمية كلا العملين، فالعنوانان مكونان من كلمتين، "موصوف" متبوع بـ "صفة"، وتمثلان مزيجًا دقيقًا بين الدلالة المادية المباشرة والعمق الفلسفي والرمزي للحبكة. ويقدم كلا العنوانين مفاتيح بصرية ونفسية دقيقة تلخص جوهر الصراع، وتربط بين الأداة المادية وبين الأثر النفسي والاجتماعي العميق للصراع.
يحمل عنوان "عين سحرية" أبعادًا تتجاوز المعنى الحرفي لعدسة الكاميرا أو ثقب الباب الخشبي، ليؤسس لحالة كاملة من التلصص الاجتماعي والأخلاقي. تمثل العين السحرية في جوهرها أداة فاصلة بين عالمين؛ عالم داخلي يبحث عن الأمان، وعالم خارجي يحمل الخطر والغموض. تتجسد هذه الفكرة في رحلة الشاب المطحون الذي يوظف التكنولوجيا كعدسة يطل منها على حيوات الآخرين. ويتحول فعل المراقبة هنا إلى جسر يعبر من خلاله المهمشون نحو العوالم المغلقة للطبقات الفاسدة ومافيا الأدوية، بينما تعمل الكاميرا كأداة لاختراق الخصوصية وكشف المستور، وتضع صاحبها في مواجهة حتميّةً مع مراكز القوى.
ويعكس العنوان مفارقة درامية قوية؛ فالعين التي صُممت لكشف الخطر خارج الباب، أصبحت هي الجالبة للدمار، محولة المراقب إلى فريسة ومطارد، وكاشفة حجم الهوة السحيقة بين الطبقات المجتمعية.
بينما يستعير عنوان "حد أقصى" مصطلحًا ماليًّا مصرفيًّا بحتًا يعبر عن سقف التعاملات اليومية، ويوظفه المؤلف ببراعة للتعبير عن السقف الإنساني والأخلاقي للشخصيات. ينقسم هذا المفهوم إلى شقين متوازيين داخل البناء الدرامي؛ الشق الأول يتجسد في الحد الأقصى للطمع والجشع وانعدام المبادئ، وهو المسار الذي يسلكه الزوج المستعد للتضحية بكل القيم الأسرية، وصولًا إلى استغلال حلم الأمومة لدى زوجته، لتحقيق الثراء غير المشروع.
الشق الثاني والأهم يركز على الحد الأقصى لطاقة التحمل البشرية. حيث يضع المسلسل بطلته أمام سلسلة متصلة من الصدمات والخيبات والضغوط النفسية المتراكمة، بداية من الانهيار الأسري وصولًا إلى التورط الجنائي في شبكات غسيل الأموال. ويمثل العنوان نقطة الذروة والانفجار، اللحظة التي تستنفد فيها الشخصية كل مخزونها من الصبر والمقاومة السلمية، لتتحول إلى المواجهة الشرسة. يبرز هذا التحول حجم التدمير الذي يلحقه الفساد المالي بالبنية النفسية للإنسان، ويدفعه للوصول إلى أقصى طاقاته الدفاعية لحماية وجوده.
المنطلق الدرامي وهندسة الحبكة وإيقاع السرد
تبدأ القصة في "عين سحرية" من تراكمات اجتماعية واقتصادية ضاغطة. فالحاجة المادية تمثل المحرك الأساسي الذي يدفع "عادل" (عصام عمر) لاتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر. التأسيس هنا يتميز بالتدرج المنطقي، حيث تنبع الأزمة من واقع مألوف يعيشه الشاب المصري المكافح. بينما يتخذ مسلسل "حد أقصى" مسارًا مغايرًا يعتمد على "الحادث المحفز" الخارجي والمفاجئ. الأزمة تسقط على شخصية "صباح" فجأة في صورة أموال طائلة مجهولة المصدر، وتجبرها على اتخاذ موقف دفاعي فوري. التأسيس في هذا العمل يعتمد على قوة الصدمة لتحريك المياه الراكدة بسرعة فائقة.
وبينما تعتمد بنية "عين سحرية" على سرد شبكي تتوازى فيه عدة خطوط درامية. مسار البطل يتقاطع مع مسار عائلته المأزومة، ومسار شريكه "زكي" (باسم سمرة) المعقد نفسيًا. هذا التشابك يخلق إيقاعًا متأنيًا يسمح ببناء تراكمي للتوتر. تميل الكتابة في "حد أقصى" إلى السرد الخطي السريع، الأحداث تتوالى بنسق متسارع جدًا، من اكتشاف الأموال إلى محاولة اختراق الحساب، ثم هروب الزوج (خالد كمال) ومحاولات "صباح" (روجينا) تبرئة الساحة عبر التحالف مع مدير البنك (محمد القسي). الإيقاع هنا يخدم طبيعة دراما المطاردات والجرائم المالية، ويركز على تسلسل الأحداث بشكل متلاحق.
بناء الشخصيات وتطورها النفسي وتشكيل العوالم
قام هشام هلال ببناء شخصيات "عين سحرية" بتركيبة نفسية ثرية وقابلة للتطور والتغير الملحوظ، ليمر "عادل" بتحولات تدريجية تختبر منظومته الأخلاقية في صراع فطرته ضد إغراءات المادة، خاضعًا لاختبار تدريجي ومستمر يضع مبادئه في مواجهة مباشرة مع الحاجة الملحة، ومبرزًا التربية الأصيلة للأسرة المصرية كعنصر مقاوم للانهيار الأخلاقي الشامل. في مقابل شخصية المحامي "زكي غانم" الذي تم رسمه كنموذج متقدم للشر الممزوج بالضعف الإنساني المتمثل في حزنه المكتوم وعلاقته المعقدة بابنته.
في المقابل قام هلال وفريق الكتابة وعلى رأسه باسم شرف بتصميم شخصيات "حد أقصى" بملامح واضحة ومباشرة تناسب حدة الصراع المالي، لتمثل "صباح" الضحية التي تتحول إلى مدافعة شرسة عن كيانها، بينما يجسد "أنور" الانتهازية والأنانية المطلقة وسيطرة المادة تمامًا إثر تخليه عن مسؤولياته الأسرية وعواطفه بحثًا عن الثراء غير المشروع، تاركًا زوجته تواجه العواقب الجنائية بمفردها، لتكون الدوافع المحددة هنا محركات قوية وواضحة لدفع عجلة الأحداث للأمام دون تعقيدات نفسية متشابكة.
وبالنسبة للشخصيات الثانوية فقد رسمها هشام هلال ليكون لها دورًا محوريًّا في "عين سحرية"، لزيادة الضغط النفسي على البطل، جاعلًا الأم الكادحة "نوال" والشقيق المضطرب بوصلة أخلاقية وعبئًا اجتماعيًّا يوجهان معًا مسار "عادل" وقراراته المصيرية، رابطًا ذلك بتأثير البيئة الاجتماعية التي تضغط بمتطلباتها القاسية ونظرتها الصارمة على البطل مشكلةً وعيه وقراراته وسعيه المحموم لتحسين وضعه.
بينما في "حد أقصى" كان توظيف الشخصيات الثانوية في أدوار وظيفية تساعد في دفع الحبكة، مثل شقيقة البطلة التي تمثل جهة استماع وداعمة، أو ابن مدير البنك الذي يُستخدم كورقة ضغط قوية في الصراع المباشر مع العصابة، مضيفًا تأثير البيئة المادية الطارئة التي تفرض قوانينها على البطلة، لتجبرها على التكيف السريع مع قواعد عالم إجرامي غامض لم تختر دخوله بإرادتها لتقاتل من أجل إثبات الحقيقة واستعادة حياتها.
صياغة الحوار ومستويات اللغة والتعبير الحركي
قام هشام هلال وشريكه محمد حسن عبد العليم بصياغة الحوار ومستويات اللغة في "عين سحرية" بربطها ارتباطًا وثيقًا بالمفردات اليومية للشارع المصري، مع دمج مساحات لحوارات ذات طابع نفسي وفلسفي تعكس أزمات الشخصيات الداخلية ومحاولاتها لفهم واقعها القاسي. وترك مساحات درامية محسوبة تعتمد على الصمت والتعبير الحركي البسيط ولغة العيون، ليتيحا للمشاهد استيعاب المشاعر المتخبطة والانكسارات التي تعاني منها الشخصيات المأزومة.
بينما في "حد أقصى" قام وفريق الكتابة بتوجيه الحوار نحو الجمل الإجرائية والمواجهات المباشرة الحادة، متخللًا بالمصطلحات المتعلقة بالبنوك والتحويلات وغسيل الأموال، مواكبًا طبيعة الإيقاع السريع للأحداث المكتوبة ولغة الصراع العملي، لتغليب الإيقاع الحركي وإحلال المواجهات اللفظية والأحداث المتلاحقة محل فترات التأمل الصامتة، خدمةً لمسار الإثارة والتشويق المستمر دون توقف.
معالجة قضايا الفساد وتوظيف المفارقة والأزمات الصحية
وعلى الرغم من تعرض العملين لقضايا الفساد المؤسسي والفردي فإن السيناريو في المسلسلين اتخذ مسارات مختلفة، ففي "عين سحرية" قام بتسليط الضوء على ممارسات جهات نافذة في قطاع الأدوية، مبينًا تأثير ذلك على أرواح المواطنين البسطاء.
بينما في "حد أقصى" قام باستعراض الفساد من منظور مالي وفردي، موضحًا اختراق غسيل الأموال بنية الأسرة المستقرة وتدميره علاقات الثقة بين الزوجين وتحويله الشريك إلى عدو.
وبينما وظف هشام هلال المفارقة الدرامية مولدًا للأحداث في "عين سحرية" معتمدًا على تحول الشخص المراقب للآخرين بحكم وظيفته إلى شخص مطارد ومحاصر ومراقب بسبب ما سجلته أجهزته الخاصة، مستخدمًا الأزمات الصحية أدوات للضغط الدرامي كمرض الأم وداء السرقة لدى الشقيق الأوسط وأزمة القلب لدى الطبيبة النفسية، ليضيف عمقًا إنسانيًّا قاسيًا للخلفية الاجتماعية للأبطال. قاد فريق الكتابة لإبراز المفارقة في "حد أقصى" عبر تحول الحساب البنكي، المفترض أن يكون وسيلة لحفظ الأمان المالي، إلى أداة تدمير وابتزاز تجلب الخطر المحدق لصاحبته المخدوعة، مبرزًا الأزمة الطبية عبر تلاعب الزوج بالرغبة الفطرية لزوجته في الإنجاب، واستخدام أدوية تمنع الحمل سريًّا لتحقيق مآربه، مضاعفًا من قسوة الخيانة الزوجية وألمها.
استراتيجيات الهروب والمواجهة وأثر قوالب الكتابة
في "عين سحرية" قام هشام هلال ومحمد حسن عبد العليم برسم استراتيجيات الهروب والمواجهة متخذًا للهروب شكلًا تكتيكيًّا، ليحاول البطل إخفاء الأدلة والمناورة في بيئة شديدة الخطورة لكسب الوقت، وتأتي المواجهة المباشرة مع قوى الفساد خيارًا أخيرًا واضطراريًّا، متيحًا عبر الكتابة الثنائية فرصة كبيرة لتوحيد الرؤية الدرامية وتعميق التفاصيل الدقيقة، ومانحًا النص تماسكًا ملحوظًا في بناء شخصياته المتناقضة وربط مصائرها ببعضها البعض.
بينما قاد فريق الكتابة في "حد أقصى" لتجسيد الهروب فعلًا ماديًّا وجسديًّا يمارسه الزوج بعيدًا عن المشهد، لتجد البطلة نفسها مجبرة على المواجهة الصريحة والمباشرة منذ اللحظات الأولى لاكتشاف الأزمة لحماية نفسها، منتجًا في ورشة الكتابة نصًّا حيويًّا يركز بقوة على تعدد مسارات الإثارة وسرعة الانتقال بين المشاهد للحفاظ على انتباه المشاهد في كل دقيقة وحلقة.