تفتح دراما رمضان هذا العام، ومن خلال المسلسل الملحمي "مناعة"، ملفاً شائكاً طالما اعتبره الكثيرون الصندوق الأسود لعالم الجريمة المنظمة في مصر.
نحن هنا لا نتحدث عن تاجر الصنف أو المهرب، بل عن "الناضورجي"، ذلك الظل المتحرك الذي يمثل حجر الزاوية في أي عملية ترويج للمواد المخدرة.
هذا الكائن الذي ولد من رحم العشوائية في أزقة "الباطنية" القديمة، تحول بمرور العقود من مجرد صبي يحمل صافرة نحاسية إلى "تقني محترف" يدير شبكات مراقبة رقمية معقدة تتحدى الخيال.
تبدأ الحكاية من قلب القاهرة التاريخية، وتحديداً في حي "الباطنية" الذي جسدت الدراما المصرية ملامحه قديماً وحديثاً كعاصمة عالمية لتجارة الصنف.
في تلك الآونة، كان الناضورجي هو "الترمومتر" الذي يقيس درجة حرارة الشارع. لم تكن وظيفته مجرد المراقبة، بل كان خبيراً في علم النفس الارتجالي؛ يستطيع بلمحة عين واحدة تمييز "المخبر" من "المشتري"، ويعرف ماركات الأحذية التي يرتديها رجال المباحث مهما حاولوا التنكر في زي عمال أو باعة جائلين.
في ذلك العصر، كانت أدوات التواصل بدائية لكنها شديدة الفاعلية؛ كحة مصطنعة، أو مناداة على اسم وهمي مثل "يا حنفي" بصوت جهوري، أو حتى إشعال سيجارة في توقيت محدد، كانت كلها شفرات تعني لتاجر التجزئة داخل "الدولاب" أن الحملة الأمنية على الأبواب، لتبدأ عملية الإخلاء في ثوانٍ معدودة عبر سراديب وممرات سرية لا يعرفها إلا أهل الحي.
ومع تطور الزمان، بدأت شخصية الناضورجي في التمرد على ثوبها القديم. ومع الانتقال من عصر الحشيش التقليدي إلى عصر "المواد الكيميائية" والمخدرات التخليقية، تطورت أيضاً أدوات الحماية.
في مسلسل "مناعة"، نرى كيف يتم توظيف هؤلاء الشباب ليس فقط كحراس، بل كشبكة معلوماتية محلية، انتقلنا من "الصفارة" إلى "جهاز اللاسلكي" الصيني، ثم قفزنا قفزة هائلة مع دخول عصر الهواتف الذكية.
تاريخ تحول الناضورجي
هنا، تحول الناضورجي من شخص يقف على ناصية الشارع إلى "مدير مجموعات" على تطبيقات التواصل الاجتماعي.
اليوم، وفي عام 2026، دخلنا عصر "الناضورجي الرقمي". لم يعد التاجر يحتاج لجيش من البشر يملأ الشوارع، بل أصبح يعتمد على "ناضورجي تكنولوجي" يدير طائرات "الدرون" الصغيرة التي تحلق فوق المداخل الرئيسية للمناطق الوعرة لرصد أي تحرك غريب من مسافات بعيدة.
أصبحت مجموعات "الواتساب" و"تليجرام" المغلقة هي غرف العمليات البديلة، حيث يتم إرسال "لوكيشن" التحركات الغريبة لحظة بلحظة.
المذهل في الأمر هو دخول "الذكاء الاصطناعي" على الخط؛ حيث يتم تركيب كاميرات مراقبة ذكية في أماكن خفية، مبرمجة لترسل تنبيهاً فورياً لهاتف الناضورجي في حال رصد لوحات معدنية لسيارات غير مسجلة في المنطقة، أو رصد وجوه غرباء تكرر ظهورهم بشكل مريب، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الأجهزة الأمنية.
إن الدراما في مسلسل "مناعة" لا تبالغ حين تظهر الناضورجي كشخص ذي نفوذ داخل "الدولاب"، فهو الذي يمنح التاجر "الأمان" ليمارس نشاطه.
جهود الأمن في ملاحقة الناضورجي
لكن في المقابل، يبرز الدور البطولي لأجهزة الأمن التي لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التطور التكنولوجي للجريمة. لقد استبدلت وزارة الداخلية الأساليب التقليدية بـ "الأمن الذكي".
اليوم، يتم تتبع هؤلاء الناضورجية عبر تقنيات الرصد الإلكتروني، ويتم اختراق مجموعاتهم السرية بواسطة وحدات مكافحة جرائم تقنية المعلومات. لم تعد المواجهة "رجل لرجل" فقط، بل أصبحت "خوارزمية ضد خوارزمية".
الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون، وتستعرضها مشاهد المسلسل بعمق، هي الجانب الإنساني المظلم لهؤلاء الناضورجية؛ فهم غالباً ضحايا لظروف اجتماعية قاسية، يتم استقطابهم بفتات المال ليكونوا "كبش فداء" في أي مواجهة أمنية.
الناضورجي هو أول من يسقط في قبضة القانون، وهو آخر من يتذكره التاجر الكبير حين يقع في شر أعماله.
رحلة الناضورجي من "باطنية الثمانينات" إلى "ديجيتال 2026" هي انعكاس لصراع أزلي بين الحق والباطل. ورغم كل التعقيدات التكنولوجية التي يستخدمها هؤلاء العيون الخفية، تظل عقيدة "العين الساهرة" لرجال الشرطة هي الأقدر على اختراق هذه التحصينات الرقمية.
إن ما نراه في "مناعة" ليس مجرد تمثيل، بل هو جرس إنذار لمجتمع يجب أن يتكاتف لمواجهة هذه الآفة التي تحاول دائماً الاختباء خلف ستار التكنولوجيا الحديثة.