فايق جرادة

حين تصبح الدراما فعلَ شهادة.. قراءة نقدية وإنسانية فى مسلسل صحاب الأرض

الأربعاء، 25 فبراير 2026 01:38 م


يثبت مسلسل صحاب الأرض أن الدراما قادرة على التحول من مجرد سرد للأحداث إلى شهادة فنية وإنسانية تقدم تجربة متكاملة تجمع بين المشاهدة والتعايش النفسى مع الواقع.

العمل لا يكتفى بتوثيق المأساة فقط بل يعيد تشكيلها بصريًا وسرديًا ليضع المشاهد فى قلب التجربة الإنسانية تحت ظروف الإبادة والتطهير العرقى اليومى.

يركّز المسلسل على الزوايا الإنسانية لما يحدث فى قطاع غزة من حرب إبادة مستخدمًا لغة بصرية دقيقة ومتواليات مشهدية مدروسة تُظهر الصراع النفسى والاجتماعى للفرد العادى بدلًا من الاقتصار على عرض الكوارث كأرقام أو أخبار بعيدة.

هنا تتجلّى الحياة فى تفاصيلها الصغيرة الأب الذى يكافح لإنقاذ طفله والطبيبة التى تواجه عجز النظام الطبى أمام آلة الحرب والشخصيات الثانوية التى تتحول إلى شهادات حية للتجربة اليومية للمعاناة والصمود.

الحوار فى المسلسل ليس تجميليًا بل يحمل أبعادًا تحليلية عميقة تكشف الطبقات النفسية والاجتماعية للشخصيات (مفتاح بيتنا بيتسلم من جد لجد لحد ما يوصل للحفيد) كلمات تعنى الاستمرارية رغم قسوة الاحتلال ورغم الدمار كلمات تحول  المنزل إلى رمز للهوية والتمسك بالأرض.
و(الشهامة هى الى بتحركنا والدفء مش بس ملابس… الدفء إنسانية) يعكس صراع الإنسان مع القيم الأخلاقية والاجتماعية ويحوّل فكرة البقاء إلى فعل إنسانى يتجاوز البقاء الجسدي، ومشهد الاقتتال من أجل كيس طحين مشهد يقول فى الحرب  تتصارع من أجل البقاء تحليل واقعى لصراع الإنسان مع البيئة المدمرة، حيث يصبح الوجود نفسه فعل مقاومة يومى.

تشاهد المسلسل تشعر بإحساس العجز بتشوف الظلم أمامك ومش قادر تعمل حاجة  تشعر بالصدمة النفسية الناتجة عن الإبادة والتحول النفسى من فعل إلى إدراك عميق للضعف الإنسانى أمام آلة القمع.

من الناحية الفنية يعتمد المسلسل على التوازن بين قسوة الواقع والبعد الإنسانى فالمشاهد الصادمة لا تُوظف للاستعراض أو الصدمة البصرية بل لتكثيف إحساس الحصار النفسى والوجع اليومى ما يمنح العمل عمقًا إنسانيًا متدرجًا ويخلق مساحة للتعاطف والنقد الذاتى لدى المشاهد.

أداء إياد نصار ومنة شلبى وآدم بكرى وكامل الباشا
يبرز الاقتصاد فى التعبير الفنى التفاصيل الصغيرة فى الوجه والصوت والحركة جميعها تحمل ثقلًا نفسيًا أكبر من أى مشهد صاخب وتترك للمشاهد مساحة لإعادة بناء المعنى العاطفى من تجربته الخاصة ما يجعل التفاعل مع العمل أعمق وأكثر شخصية.
من منظور السرد نجح المسلسل فى إعادة الشخصية الفلسطينية إلى مركز الحكاية وأن العلاقة بين الرجل الفلسطينى والطبيبة المصرية لا تُوظف كرومانسية سطحية بل كأداة درامية لربط الإنسان بالمعنى وسط العبث والموت.
لقد طرح العمل سؤالًا فنيًا جوهريًا كيف يمكن إدخال الرومانسية فى سياق الإبادة دون تلطيف العنف؟ والإجابة تكمن فى رؤية المخرج بيتر ميمى الذى وظف التوازن الدقيق بين المأساة الإنسانية واللمسات الصغيرة للحياة اليومية لتشكيل سرد يعكس الواقعية دون إغفال الأمل.

إنتاجيًا نجحت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية فى تقديم رؤية وطنية وقومية جريئة من خلال نقل حقيقة التطهير العرقى والحرب الممنهجة على غزة، مؤكدة أن الدراما ليست فنًا ترفيهيًا فحسب بل أداة موقف ونقل رسالة إنسانية للعالم.

فى النهاية يقدم مسلسل صحاب الأرض نموذجًا للدراما الشهادة تجربة متقنة بصريًا وإيقاعيًا أداء متزن بين الصمت والانفعال وسرد يعيد الإنسان الفلسطينى إلى مركز الحكاية، إنها دراما تجعل المشاهد يعيش الواقع ويحلله لا يكتفى بمجرد مشاهدته وتؤكد أن الدراما الجيدة هى أداة فهم إنسانى ووعى نقدى وتجربة وجدانية متكاملة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة