46 سنة والفرحة مكملة فى البراجيل.. الأهالى يحييون رمضان بأكبر مجسم مسجد مضىء.. عادة قديمة بدأت بفانوس صغير ومسيرة تجوب الشوارع.. احتفالية تتجدد كل عام بتصاميم من التراث.. وفرحة مستمرة يشاركها الكبار والصغار

الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
46 سنة والفرحة مكملة فى البراجيل.. الأهالى يحييون رمضان بأكبر مجسم مسجد مضىء.. عادة قديمة بدأت بفانوس صغير ومسيرة تجوب الشوارع.. احتفالية تتجدد كل عام بتصاميم من التراث.. وفرحة مستمرة يشاركها الكبار والصغار البراجل تستقبل رمضان بأكبر مجسم مسجد

كتبت - مرام محمد

مع أول نسيم في شهر رمضان، تستيقظ قرية البراجيل لتستقبل لياليها المضيئة، حيث يعتلي الشارع مجسم لمسجد صنعه الأهالي بأيديهم منذ 46 عامًا، وحُفرت تفاصيله في ذاكرة كل جيل، وتتمايل الأنوار فوق المآذن والقِباب، بينما يمتد عبير الكنافة الساخنة والسوبيا والعرقسوس في كل زاوية، فتختلط روائح الحلوى والبهجة بصوت ضحكات الأطفال وهم يجوبون الشارع بين عربات اللبن البلدي، فيما تطل وجوه الأهالي من الشرفات مبتسمة، لتتحول كل زاوية إلى لوحة حية تُسرد قصص رمضان وتخلد فرحته بين البيوت والأزقة منذ أكثر من أربعة عقود.

 

تصميم مجسم لمسجد في قرية البراجيل
تصميم مجسم لمسجد في قرية البراجيل

 

صورة جماعية لشباب البراجيل
صورة جماعية لشباب البراجيل

تتجدد في الذاكرة صور الاحتفال بالجامع قبل أن يُعلَّق في الشارع، حيث كان يجوب أرجاء القرية ويملأ كل زاوية فرحًا وحركة، فتتحول الزفة إلى حدث يُحكى عبر الأجيال.

قال سمير شحاتة وهو يستحضر تلك الأيام بحنين: "هذا الجامع، قبل أن نعلقه في الشارع، كان يجوب أرجاء القرية كلها، وكانت القرية بأكملها في فرح، إذ نجوب كل الحواري والشوارع بزفة تستمر نحو ثلاث ساعات".

أهالي البراجيل يستقبلون رمضان بأكبر مجسم لمسجد
أهالي البراجيل يستقبلون رمضان بأكبر مجسم لمسجد

 

أهالي البراجيل يصممون مجسم مسجد للسنة الـ46
أهالي البراجيل يصممون مجسم مسجد للسنة الـ46

وأكمل حديثه، وكأن أصوات الضحك والأهازيج تعود للحياة: "كان الجامع يُوضع على عربة، وترافقه فرقة الذكر على عربةٍ أخرى، بينما كانت كاميرا الفيديو توثق كل لحظة من الزفة، ويسير الجميع خلف الزفة، كبارًا وصغارًا، لتتحول تلك اللحظات إلى يوم عيدٍ يعم القرية بأسرها".

8a8128d7-b142-4c70-b97c-08792dee23f5 (1)
صورة تذكارية لأهالي البراجيل أمام المسجد عام 1996

قبل 46 عامًا، دار صراع بريء بين طفلين على فانوس صغير، إذ أراد هو الاحتفاظ به لنفسه، بينما كانت هي ترغب في امتلاكه، وكانت تلك اللحظة الشرارة الأولى لذكرى امتدت عبر الأجيال، حتى تحولت لاحقًا إلى مجسم الجامع الذي يضيء ليالي رمضان في البراجيل.

أطفال البراجيل يلتقطون صورًا تذكارية أمام مجسم المسجد
أطفال البراجيل يلتقطون صورًا تذكارية أمام مجسم المسجد

 

فرحة أطفال البراجيل بمجسم المسجد
فرحة أطفال البراجيل بمجسم المسجد

يسترجع محمد ناجي هذه البداية بابتسامة: "بدأت الفكرة منذ 46 عامًا حين جلب جدي فانوسًا لعمي، فأعجبت به عمتي كثيرًا، ولم يعرف جدي كيف يرضيها أو يرضي عمي، فاستشار الأستاذ عادل رضوان، صانع الفانوس، وطلب منه فانوسًا آخر لجليلة".

ثم ارتفعت لهجته بحماس وهو يروي كيف تحولت لحظة بسيطة إلى فكرة أكبر: "قال الأستاذ عادل حينها: لن أصنع فانوسًا في كل مرة، بل سأصنع فانوسًا كبيرًا لهم جميعًا، ويكون للقرية كلها، ومن هنا جاءت فكرة مجسم المسجد".

البراجيل تستقبل رمضان بأكبر مجسم مسجد
البراجيل تستقبل رمضان بأكبر مجسم مسجد

 

مسجد البراجيل
مسجد البراجيل

ومع شعور واضح بالمسؤولية تجاه الأجيال، أكمل: "هذه العادة نحافظ عليها بعناية كل عام، ونصر على توريثها للأجيال، فالفرحة التي نراها في عيون الأهالي تجعلنا نستمر مهما تعِبنا أو واجهنا أي ظرف".

وتابع، وكأن الحكاية تعود للحياة: "أجواء رمضان لا نشعر بها إلا بوجود الجامع والكنافة، كما أن الليلة التي نجهز فيها المجسم قبل رمضان تتجمع فيها القرية كلها، فنشهد فرحة الناس وبهجتهم، فتنسينا أي تعب أو مشقة".

تتجلى في الذاكرة صور الجهد والإبداع الذي سبقه صبر وعناية، حيث بدأت فكرة مجسم المسجد بلمسة صغيرة لكنها تركت أثرًا كبيرًا في القرية.

مسجد أهالي البراجيل (2)
مسجد أهالي البراجيل

 

مسجد أهالي البراجيل
مسجد أهالي البراجيل

يستذكر محمد سيف بدايات العادة قائلاً: "والدي هو أول من صنع هذا المسجد، إذ بدأ بفانوس صغير لطفل، وعندما أعجب الناس، طلبوا منه أن يصنع فانوسًا آخر، فابتكر مسجدًا كبيرًا يعلق في المنطقة لجميع الأطفال".

وأضاف وهو يروي مسيرة التطوير والإبداع عبر السنوات: "كل عام أصبحنا نطوّر من تصميمه ونغيّر فيه، وكان والدي مسؤولًا عن جزء التصميم لأنه مصمم ديكور، فكان يبتكر أشكالًا مختلفة وجميلة، ولو عدنا بالزمن إلى الثمانينات والتسعينات، لوجدنا أن تصميمات المساجد القديمة كانت أكثر جمالًا، فقد كانت تُصمم على هيئة المسجد الأقصى والكعبة المشرفة، وكان العمل يتم بصبر ووقت كافٍ، فكان الجميع يبتكرون كل سنة دون استعجال، والشوارع آنذاك لم تكن مزدحمة كالآن، فكان العمل يُنجز بهدوء وتمعّن".

WhatsApp Image 2026-02-23 at 09.21.11
فرحة الأطفال بمجسم المسجد

 

فرحة طفل بمجسم المسجد
فرحة طفل بمجسم المسجد

وتابع حديثه، مستحضرًا روح التعاون بين أبناء المنطقة: "الآن، يتعاون الجميع على إنجاز المسجد، ونغيّر التصميم كل سنة؛ ففي إحدى السنوات صممنا المسجد وزيّناه بشخصية بكار، وفي أخرى كان التصميم خاص بهوية النوبة، وفي مرة أخرى المسجد الفاطمي، وكل ذلك بالجهود الذاتية، والعادة مستمرة، ونسعى للحفاظ عليها للأجيال القادمة".

تتجسد في ذهن كل أهالي البراجيل صورة العمل الجماعي الذي يحيي العادة ويجعل المسجد أكثر من مجرد مجسم، بل رمزًا للفرحة والتعاون في شهر رمضان.

يقول محمد المنشاوي وهو يستحضر أجواء التحضير: "المسجد هذا لا يُصنع إلا بمشاركة الكثيرين؛ النقاش والكهربائي ومن يقومون بأعمال التجميل والتزيين، كل الأهالي يجتمعون ليساهموا في إنجازه ويشعروا بفرحة الشهر الكريم".

أهالي البراجيل يصممون أكبر مجسم مسجد
أهالي البراجيل يصممون أكبر مجسم مسجد

 

فرحة شباب البراجيل بأجواء رمضان
فرحة شباب البراجيل بأجواء رمضان

وتابع حديثه وهو يصف دوره الخاص: "دوري في تجهيز المسجد يتمثل في أعمال الكهرباء، فالمسجد ليس مجرد مجسم معلق، بل نختار له تصميمًا محددًا بألوان معينة وإضاءة مميزة تضفي عليه بهجة خلال فترات الليل، وهذا يتطلب مجهودًا ووقتًا كبيرًا ليتم تنفيذه كل عام".

وأضاف مشيرًا إلى روح الجماعة وأهمية العادة: "المسجد ليس مجرد مجسم معلق، بل ذكرى تنبض بالفرحة في كل بيت من بيوت البراجيل، ورمز لتعاون الأهالي وحبهم للشهر الكريم، فإذا لم يُصنع، لما شعرنا بجمال وروح رمضان كما نعيشها كل عام، ولما لمسنا دفء هذا التراث الذي نحافظ عليه لأجيالنا".

أم طارق صانعة القطايف في البراجيل
أم طارق صانعة القطايف في البراجيل

 

أهالي البراجيل وفرحتهم بشهر رمضان
أهالي البراجيل وفرحتهم بشهر رمضان

في شوارع البراجيل، يصبح رمضان حيًّا بوجود مجسم الجامع المعلق، الذي يضيء الطريق ويجمع الأهالي حوله، ومعه تنبض الحياة في كل زاوية؛ رائحة الكنافة والقطايف تعطر الهواء، والأطفال يقفون أمام الأفران القديمة بعيون متلهفة، بينما الأهالي يتبادلون الابتسامات والحديث عن فرحة الشهر الكريم.. هنا يكتمل المشهد، فتتلاشى المسافات بين المنازل، ويصبح الشارع كله حكاية من الفرح والعمل والمحبة التي تتوارثها الأجيال.

وبينما تقف أم طارق وابنها متناغمين في عملهما، والأطفال حولهم ينتظرون الكنافة والقطايف بعيون متلهفة، قالت: "أنا وابني نشارك سنويًا في إعداد حلويات رمضان، فأنا أعد القطايف، وابني يُحضّر الكنافة البلدي، لقد قضيت 46 سنة في هذه المهنة، تعلمتها من حماتي، ولم أفارقها منذ ذلك الوقت، فرمضان لا يكتمل بدون الكنافة، والناس تنتظرها من سنة لأخرى".

أكبر مجسم مسجد في البراجيل
أكبر مجسم مسجد في البراجيل

 

فرحة طفل بأجواء الشهر الكريم
فرحة طفل بأجواء الشهر الكريم

وسط هذا الحنين لأجواء رمضان، أضافت: "الأجمل أننا ما زلنا نستخدم أفران الزمن القديم، فأنا أشغل فرن القطايف البلدي القديم، وابني يقف على فرن الكنافة المصنوع من الطوب والطين، ويقف الأطفال حولنا والأهالي يلتفون لشراء الحلويات، ومع وجود الجامع المعلق في الشارع، تتضاعف فرحتنا جميعًا، وهذه أجواء اعتدنا عليها ولم نتصور رمضان من دونها".

وبينما كان يوزع عجين الكنافة على صينية الفرن الساخنة، قال طارق المنشاوي: "كل عام أحرص على إعداد الكنافة والقطايف، فهذا عملنا وهوايتنا، ووالدتي تشاركنا كذلك، الكنافة البلدي تختلف تمامًا عن الكنافة الآلية، فهي تحمل مذاقًا خاصًا، ويأتي الناس لتناولها كوجبة سريعة تُشوح بالسمن البلدي ويُرش عليها السكر مباشرة".

أجزاء المجسم قبل تجميعها وتركيبها
أجزاء المجسم قبل تجميعها وتركيبها

 

تجهيز مجسم مسجد البراجيل قبل رمضان
تجهيز مجسم مسجد البراجيل قبل رمضان

وأضاف وهو يؤكد حفاظهم على عبق الزمن وطرقه التقليدية التي تشكل جزءًا من بهجة رمضان في البراجيل: "الفرن البلدي الذي نعمل عليه نعدّه بالطريقة القديمة من الطين، وهو نادر اليوم إذ غلبت الأفران الآلية، والكنافة البلدي، إلى جانب الجامع المعلق، أصبحت رمزًا للمنطقة، ويأتي الناس منذ شهر شعبان يسألون متى يُجهز الجامع ومتى تُحضّر الكنافة، ليعيشوا طقس رمضان المميز في البراجيل".

قبل أيام من رمضان، تمتلئ منطقة شرق البلد بالتحضيرات للمجسم الرمضاني؛ كبار القرية وصغارها يلتقون حوله، كلٌ يساهم بما يستطيع من خبرة أو حماس، فيصبح العمل على الجامع فرصة لتجديد الروابط الاجتماعية.

تجهيز المسجد قبل رمضان
تجهيز المسجد قبل رمضان

 

تعليق مجسم مسجد في البراجيل
تعليق مجسم مسجد في البراجيل

يقول جمال أحمد: "أجمل ما في الموضوع أن جميع أهالي القرية، كبارًا وصغارًا، يشاركون في تجهيز المجسم، بيننا طلاب وموظفون، وجميعنا نوفّق بين أعمالنا وحياتنا ووقت تجهيز المسجد، فكنت أنا، كمدرس، أعود من عملي لأشاركهم وأساعد في التحضيرات، والكل يسعد بالعمل في تجهيز المجسم، فهي لحظات نقدرها وتُدخل البهجة في قلوبنا".

قبل أسابيع من رمضان، تتحرك القرية كلها استعدادًا لتعليق مجسم الجامع، فتتلاحم أيادٍ صغيرة وكبيرة على جمع أجزائه وتجهيزه، وتجوب الذاكرة ذكريات الأجيال السابقة التي حرصت على استمرار هذه العادة.

WhatsApp Image 2026-02-23 at 09.21.11 (1)
صورة تذكارية لطفلة أمام المسجد

 

صورة تذكارية للأطفال أمام المجسم
صورة تذكارية للأطفال أمام المجسم

يقول محمد درويش: "كل عام نجد هذه العادة أمامنا كما وُلدنا عليها، فآباؤنا وأجدادنا كانوا يحيون هذه العادة، ونحن نواصل المسيرة من بعدهم، بالنسبة لنا، هذا هو رمضان، جميعنا نشارك في تجهيز المسجد قبل رمضان بحوالي شهرين، نبدأ بجمع أجزائه التي احتفظنا بها من السنة السابقة، ونراجع ما يحتاج إلى تعديل أو صيانة، ونختار التصميم والألوان.

ثم نستعد لليلة تعليق المسجد، التي تصاحبها احتفالية كبيرة يشارك فيها فرق الذكر والفرق الشعبية، وهكذا، يدخل المسجد الفرحة إلى قلوبنا في رمضان، كما كُتب على المجسم: "رمضان في البراجيل شكل تاني".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة