بينما كانت مآذن العريش تستعد لرفع تكبيرات العيد، كان الملازم أول عمر القاضي يرفع نداءً من نوع آخر؛ نداءً خطه بدمائه الطاهرة فوق رمال سيناء، ليصعد إلى السماء محمولاً على أجنحة الفداء في لحظة تجلى فيها أسمى معاني التضحية.
عمر، صاحب الابتسامة التي لم تغادر الوجوه ونظرة الطموح التي لم تنكسر أمام رصاص الغدر، اختار أن يكون هو "العيدية" التي يقدمها الوطن لأبنائه، فصار اسمه أنشودة فخر تتردد في كل بيت مصري.
تكريم رئيس الجمهورية لوالدة الشهيد
جاء تكريم رئيس الجمهورية لوالدة الشهيد ليضع اللمسة الأخيرة في لوحة العزة، حيث صاغ الرئيس بكلماته الإنسانية بلسماً لجراح قلب الأم المكلومة. تقول والدة البطل بنبرة يمتزج فيها الشجن بالفخر: "لقد شرفني ابني حياً وميتاً، وكلام الرئيس طمأن قلبي بأن دماء عمر لم تذهب سدى"، مؤكدة أن تلك اللفتة الرسمية لم تكن مجرد بروتوكول، بل كانت رسالة تقدير لكل قطرة دم سُفكت على مذبح الحرية، وتأكيداً على أن الدولة لا تنسى أبداً من وقفوا في خندق الدفاع عنها.
لقد أصبح عمر القاضي، الذي واجه الإرهاب بقلب جسور وصوت لم يرتجف وهو يطلب الدعم لأبطاله، رمزاً لجيل كامل يرفض الانكسار. وفي الوقت الذي تخوض فيه الدولة معركتها للبناء ومواجهة الشائعات، تظل روح "القاضي" محلقة في سماء البطولة، ترسم خريطة العزيمة وتؤكد أن التفاني في سبيل الوطن ليس مجرد شعار، بل هو حياة أبدية تبدأ حين يظن الغادرون أنها انتهت. إن قصة عمر هي حكاية وطن لا يموت، وأم لا تنحني، وبطل سيظل اسمه منقوشاً بنور في سجلات الشرف العسكري.
الوطن لا ينسى أبناءه
في قلب هذا الوطن الذي لا ينسى أبنائه، يظل شهداء الشرطة رمزًا للتضحية والفداء، ويختصرون في أرواحهم أسمى معاني البذل والإيثار، رغم غيابهم عن أحضان أسرهم في شهر رمضان، يبقى عطاؤهم حاضرًا في قلوب المصريين، فالوطن لا ينسى من بذل روحه في سبيل أمنه واستقراره.
هم الذين أفنوا حياتهم في حماية الشعب، وسطروا بدمائهم صفحات من الشجاعة والإصرار على مواجهة الإرهاب، هم الذين لم يترددوا لحظة في الوقوف أمام كل من يهدد وطنهم، وواجهوا الموت بابتسامة، مع العلم أن حياتهم ليست سوى جزء صغير من معركة أكبر ضد الظلام.
في رمضان، حين يلتف الجميع حول موائد الإفطار في دفء الأسرة، كان شهداء الشرطة يجلسون في مكان أسمى، مكان لا تدركه أعيننا، ولكنه مكان لا يعادل في قيمته كل الدنيا؛ فإفطارهم اليوم سيكون مع النبين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.
مع غيابهم عن المائدة الرمضانية في بيوتهم، يظل الشعب المصري يذكرهم في صلواته ودعواته، تظل أسماؤهم محفورة في ذاكرة الوطن، وتظل أرواحهم تسكن بيننا، تعطينا الأمل والقوة لنستمر في مواجهة التحديات.
إن الشهداء هم الذين حفظوا لنا الأمان في عز الشدائد، وهم الذين سيظلون نجومًا مضيئة في سماء وطننا، فلهم منا الدعاء في كل لحظة، وأن يظل الوطن في حفظ الله وأمانه.