لم تكن مقابلة الإعلامى الأمريكى المحافظ تاكر كارلسون مع سفير أمريكا لدى إسرائيل مايك هاكابى عادية بأى شكل من الأشكال. فقد جاءت المقابلة فى وقت يتصاعد فيه انتقاد كارلسون، أحد أبرز رموز اليمين الأمريكى وحركة ماجا (جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) للدولة العبرية، فيما أثار انقساما داخل الحركة نفسها.
المقابلة، التى أجريت فى مطار بن جوريون الأسبوع الماضى، جاءت لتؤكد، وليس تكشف، آراء ممثل الولايات المتحدة فى إسرائيل. فهاكابى رجل الدين المسيحى المؤمن بالصهيونية إيماناً شديداً، والذى اختاره ترامب سفيراً لدى أقرب حلفاء واشنطن، لا يجد حرجاً فى أن تستولي إسرائيل على أغلب أراضي الشرق الأوسط، مستندا إلى تفسيرات توراتية متداولة داخل التيار القومي المسيحي في الولايات المتحدة.
ماذا قال مايك هاكابى مع تاكر كارلسون؟
خلال الحوار، قال كارلسون إن "نصا من العهد القديم" يتحدث عن وعد إلهي لإبراهيم بمنطقة جغرافية تمتد من وادي النيل إلى نهر الفرات، وهي مساحة قال إنها تشمل أجزاء واسعة من دول الشرق الأوسط، بما فيها الأردن وسوريا ولبنان، إضافة إلى مناطق من السعودية والعراق.
وبينما أبدى هاكابي بعض التحفظ على الامتداد الجغرافي، بحسب ما ذكرت صحيفة الجارديان، فقد أقر بأن الأمر يتعلق "بمساحة كبيرة من الأرض"، زاعماً أن إسرائيل "أرض منحها الله لشعب اختاره"، في إشارة إلى البعد الديني المزعوم الذي يستند إليه في موقفه.
إدانات عربية لتصريحات هاكابى
وأثارت تصريحات هاكابي إدانات قوية من الدول، معتبرينها انتهاكًا للأعراف الدبلوماسيةفقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأردنية، فؤاد المجالي، بأن "التصريحات العبثية والاستفزازية" تُشكل "اعتداءً على سيادة دول المنطقة، وخرقًا صارخًا للقانون الدولي". وقالت وزارة الخارجية المصرية إنها "انتهاك صارخ" للأعراف الدبلوماسية، وتتعارض مع رؤية الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة.
وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، إن هذه التصريحات تتعارض مع سياسات الولايات المتحدة الراسخة، بينما دعا مسؤولون فلسطينيون الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ "موقف واضح وصريح" في أعقاب مزاعم هاكابي.
هاكابى يثير غضب مسئولى إدارة ترامب
وتقول صحيفة واشنطن بوست إن السفير الأمريكى لدى إسرائيل سبق وأثار غضب مسؤولين كبار في إدارة ترامب في مناسبات عديدة، وذلك بتجاوزه حدود ما يرضيهم في دعمه لإسرائيل، وفقًا لمسؤولين اثنين في الإدارة تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما لمناقشة الخلافات الداخلية.
وقد تصاعد التوتر بشكل خاص العام الماضي عندما التقى هاكابي بجوناثان بولارد، وهو أمريكي مسجون منذ 30 عامًا بتهمة التجسس لصالح إسرائيل وخيانة الولايات المتحدة. استضاف هاكابي بولارد في السفارة الأمريكية، وهو ما اعتبره بعض المسؤولين الأمريكيين تصرفًا لا يليق بدبلوماسي يمثل الولايات المتحدة، بحسب المسؤولين.
كما أشار هاكابي أيضاً إلى انفتاحه على بسط إسرائيل سيادتها على الضفة الغربية، وهي منطقة معترف بها دولياً على نطاق واسع كأرض فلسطينية محتلة، وهو ما أثار قلق مسؤولي البيت الأبيض ووزارة الخارجية، بحسب ما أفاد به المسؤولون.
وحتى داخل إسرائيل نفسها، تعالت بعض الأصوات المنتقدة لهاكابى. انتقد جدعون ليفى، الكاتب البارز بصحيفة هآارتس الإسرائيلية، مايك هاكابى، سفير أمريكا لدى إسرائيل، بعد التصريحات التى أدلى بها فى مقابلته مع الإعلامى الأمريكى تاكر كارلسون، والتى كان من بينها حديثه عن حق إسرائيل المزعوم فى أغلب أراضى الشرق الأوسط.
وفى مقاله بالصحيفة، قال ليفى إن السفير الأمريكى لدى تل أبيب، تحدث بجرأة لم يقدر عليها حتى الوزير الإسرائيلى المتطرف إيتمار بن غفير أو الحاخام الإسرائيلى الراحل مائير كاهانا، مشيراً إلى رد هاكابى على سؤال كارلسون بما إذا كان لإسرائيل الحق فى الأرض من النيل إلى الفرات، وقوله "سيكون من الجيد ان تأخذها كلها".
سفير معروف بآرائه المتطرفة
وقال ليفى إن هذه الكلمات لم تأت من ليس من أفواه المتشددين (اليهود) في المسجد الأقصى، ولا من المتطرفين الذين يدعون للعودة إلى غزة، بل من فم السفير الأمريكي لدى إسرائيل - الذي عينه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا، والذي كان على دراية تامة بآراء السفير المتطرفة.
يقول هاكابي، الصديق لإسرائيل: "إنه يزور هذا البلد منذ 53 عامًا - وخاصة المستوطنات التي لم تعترف بها بلاده قط. إنه يعتقد أن الشرق الأوسط بأكمله ملك لليهود، بزعم أنه "وعد الله لإبراهيم". هكذا تكلم السفير الأول في إسرائيل.
إمبريالى مسيحى يعمل لصالح الفكر اليهودى المتطرف
وذهب الكاتب إلى القول بأنه إلى جانب القائمة الطويلة من السفراء والمبعوثين الأمريكيين إلى الشرق الأوسط من اليهود والصهاينة، بمن فيهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، انضم إليهم إمبريالي مسيحي، لا يعمل فقط لصالح إسرائيل، بل لصالح الفكر اليهودى المتطرف.
ولذلك، يتابع ليفى قائلاً إنه لم يكن من قبيل الصدفة أن يقول كارلسون: "هذا الرجل لا يمثل بلدي، بل يمثل إسرائيل".
ويرى الكاتب أن هاكابى لا يمثل إسرائيل أيضا، بل بالكاد يمثل متطرفيها. لكن من الممكن بالتأكيد أنه يمثل أمريكا جديدة في طور التكوين، تلك التي أشاد وزير خارجيتها ماركو روبيو مؤخرًا بـ"التراث المسيحي" للغرب خلال زيارته لميونيخ.
ورأى الكاتب الإسرائيلى ربما كان من الممكن أن تُشكّل هذه القضية برمتها مادةً للفكاهة على هامش أحداثٍ أكبر لولا أنها تمحورت حول سفيرٍ تم اختياره لهذا المنصب ليس بالرغم من آرائه، بل تحديداً بسببها. لم يكن مائير كاهانا (الحاخام الإسرائيلى المتطرف الذى نشأ فى الولايات المتحدة وتم اغتياله فيها) ليجرؤ على التعبير عن نفسه بالطريقة نفسها؛ أما إيتامار بن غفير (الوزير المتطرف فى حكومة بنيامين نتنياهو) فيكتفي بما هو أقل من ذلك بكثير.