ليست الدبلوماسية براعةَ تعبيرٍ ولا حُسنَ انتقاء كلماتٍ فحسب، بل هي في جوهرها ميزانُ اتزانٍ حين تضطرب الموازين، وضابطُ إيقاعٍ حين تتسارع النبضات في إقليمٍ مأزوم.
فإذا اختلّ الميزان، لم يعد الخلل لفظيًا عابرًا، بل مسّ جوهر المعنى، وأربك حسابات السياسة، وألقى بظلاله على خرائط معقّدة لا تحتمل مزيدًا من الارتباك.
في هذا السياق، جاءت تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، لا باعتبارها رأيًا شخصيًا على هامش مشهدٍ صاخب، بل خطابًا سياسيًا يصدر عن ممثل دولةٍ كبرى، في منطقةٍ تتقاطع فيها المصالح وتتزاحم فيها الروايات.
الكلمة في هذا المقام ليست صوتًا في فراغ، وإنما إشارةٌ تُقرأ بعناية، وموقفٌ يُبنى عليه تقدير، ورسالةٌ تُرتّب آثارًا تتجاوز حدود قائلها.
حين يُمسّ بحقوق الشعب الفلسطيني، أو يُهوَّن من شأن مرجعياتٍ قانونيةٍ استقرّ عليها المجتمع الدولي عبر عقود، فإن الأمر لا يُختزل في تباين وجهات النظر، بل يلامس أساسًا قانونيًا شكّل ركيزةً للنظام الدولي الحديث.
فالشرعية الدولية ليست نصوصًا مؤجَّلة الاستدعاء، ولا عناوينَ تُستعمل في المناسبات، بل منظومةٌ متكاملة تحفظ التوازن، وتضبط العلاقات، وتحتكم إليها الأطراف عند النزاع.
لقد أكدت قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة عدم مشروعية الاحتلال، ورفض الاستيطان، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وعندما تصدر تصريحات تُلقي بظلال الشك على هذه الثوابت، أو تمنح غطاءً سياسيًا لما يناقضها، فإنها لا تعبّر عن اجتهادٍ عابر، بل تُحدث شرخًا في جدارٍ قانونيٍّ شُيّد بتوافقٍ دوليٍّ طويل.
وهنا مكمن الخطورة أن تتحول الكلمة من جسرٍ للحلول إلى معبرٍ للأزمات، ومن أداة تقريبٍ إلى سبب توتير.
فأن المنطقة اليوم لا تحتمل مزيدًا من الاحتقان، ولا تحتاج إلى خطابٍ يُعمّق الاصطفاف، أو يُربك مسارات الوساطة، أو يُضعف فرص التهدئة.
إن السياسة الرشيدة تقتضي أن يكون الخطاب جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة؛ وأن تُصاغ العبارات بروحٍ مسؤولة، لا بمنطق الغلبة.
الحقوق الوطنية لا تُنشئها التصريحات، ولا تُعدمها الإنكارات؛ فالحق الفلسطيني ثابتٌ بنص القانون، وشاهدُه التاريخ، وأكده إجماعٌ دوليٌّ لم تُلغِه تبدلات الإدارات ولا تبدّل الأولويات.
وكل محاولةٍ لإعادة تعريف هذا الحق وفق ميزان القوة وحده، تصطدم بحدود القانون، وتتعثر أمام صلابة الواقع؛ فالأرض ليست موضوعًا لتأويلٍ اعتباطي، والسيادة ليست تقديرًا شخصيًا، والعدالة ليست وجهة نظرٍ قابلةً للمساومة.
في مقابل هذا الاضطراب الخطابي، يظل الموقف المصري ثابتًا في منطقه، منضبطًا في لغته، واضحًا في مرجعيته؛ إذ يؤكد أن السلام العادل هو الخيار الوحيد القابل للاستمرار، وأن حل الدولتين هو المسار الواقعي الذي يصون الحقوق ويحفظ الأمن. هذا الثبات ليس انفعالًا عاطفيًا، بل قراءةٌ سياسيةٌ عميقة تُدرك أن تجاهل الحقوق لا يُنتج استقرارًا، وأن فرض الأمر الواقع لا يُنهي صراعًا، بل يُراكم أسبابه.
إن الدبلوماسية، إذا فقدت اتزانها، فقدت قدرتها على الإقناع؛ وإذا غاب عنها ميزان العدل، غاب عنها جوهر رسالتها.
والكلمة التي لا تستند إلى حقٍّ راسخ تبقى عابرةً مهما علا صوتها، بينما يظل الحق ثابتًا وإن خفتت منابر الدفاع عنه؛ فالتصريحات قد تمرّ في نشرات الأخبار، لكنها تبقى في سجلّ المواقف، وتحيا في ذاكرة الشعوب.
السياسة الحكيمة لا تُقاس بحدّة العبارات، بل بقدرتها على بناء الثقة وصناعة المساحات المشتركة.
أما العدالة، فإنها وإن تأخرت لا تسقط، وإن حوصرت لا تموت؛ لأنها ليست شعارًا يُرفع، بل مبدأٌ يُصان، وميزانٌ يُقام، وتاريخٌ لا يقبل التزوير.