أسامة أيوب: التدريب يمنح الأطفال شعورًا بالسيطرة وسط الظروف الصعبة.. والملاكمة ليست مجرد رياضة إنها وسيلة للبقاء والصمود
«عودة»: الرياضة تمنحنى القوة والطاقة الإيجابية رغم الحرب
فى قطاع غزة، حيث تتكدس البيوت المهدمة فوق ذاكرة مثقلة بالفقد، لا تبدو الحرب حدثًا عابرًا فى نشرات الأخبار، بل واقع يومى يعيد تشكيل تفاصيل الحياة الصغيرة قبل الكبيرة. فى هذه الأماكن يكبر الأطفال أسرع مما ينبغى، وتتحول ألعابهم إلى حكايات نجاة، وتصبح الليالى الطويلة اختبارًا جديدًا لقدرة العائلات على الصمود.
فى أحياء خان يونس ووسط القطاع، لم تترك المواجهات الأخيرة أثرًا على الحجر فقط، بل امتدت لتصيب الروح، مخلفة جراحًا نفسية عميقة لدى جيل كامل يعيش بين الخوف والحرمان وانعدام اليقين.
فى هذا المشهد الإنسانى المعقد، لا تقتصر التحديات على نقص الغذاء أو الدواء أو المأوى، بل تتجاوزها إلى سؤال أكثر إلحاحًا.. كيف يمكن حماية الأطفال والشباب من الانهيار النفسى فى بيئة تتكرر فيها الصدمات؟ وكيف يمكن إعادة بناء الإحساس بالأمان فى واقع لا يوفر الحد الأدنى من الاستقرار؟
-copy.jpg)
تقارير منظمات الإغاثة تشير إلى تصاعد معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة بين الصغار، فى ظل محدودية الخدمات النفسية المتاحة، وانشغال المؤسسات الصحية بإنقاذ الأرواح من الإصابات الجسدية المباشرة.
وسط هذا الواقع القاسى، برزت مبادرات شبابية من أهالى القطاع تحاول سد فجوة الدعم النفسى والاجتماعى، مستندة إلى أدوات بسيطة وإرادة صلبة، ومن بين هذه المحاولات ظهرت فكرة توظيف الرياضة، وتحديدًا الملاكمة، كمساحة آمنة لتفريغ الغضب المكبوت واستعادة الإحساس بالقوة والسيطرة على الذات، لم تكن المبادرة ترفًا رياضيًا فى زمن الحرب، بل محاولة إنسانية لإعادة تعريف مفهوم «القوة» بعيدًا عن صوت السلاح، وتحويل الطاقة السلبية إلى انضباط وثقة بالنفس.
يقول عامر سعود، المدرب فى الملاكمة والحاصل على شهادة تدريب دولية ومن أبناء قطاع غزة: «إن الحكاية لم تبدأ من تحت الخيام، بل من حلبة كانت تضج بالحياة فى مدينة غزة. قبل السابع من أكتوبر 2023 كنت أدير أحد الأندية الرياضية فى غزة وأشرف على تدريب عشرات الأطفال والشباب، أراقب تطورهم يومًا بعد يوم، وأغرس فيهم قيم الانضباط والثقة بالنفس، وأحلم معهم بمشاركات وبطولات تحمل اسم فلسطين إلى الخارج».
ويضيف فى تصريحاته لـ«اليوم السابع»: «الحرب قلبت المشهد بالكامل، والقصف الإسرائيلى لم يترك النادى قائمًا، بل حوله إلى ركام، كما دمر منزلى أيضًا، وفى أيام قليلة انتقلت من مدرب يدير مؤسسة رياضية إلى نازح أبحث عن مأوى لعائلتى وسط عشرات الآلاف من الأسر التى تكدست فى خيام مهترئة، فى ظروف إنسانية صعبة ونقص حاد فى الماء والدواء والطعام».
ويتابع: «أكثر ما كان يثقل قلبى هو حال الأطفال. كنت أرى آثار الخوف واضحة على وجوههم، وأستمع إلى أحاديثهم التى لم تعد عن المدرسة أو اللعب، بل عن الغارات وأصوات الانفجارات. فى تلك اللحظة شعرت بأن مسؤوليتى لم تنتهِ بتدمير النادى، بل بدأت بشكل مختلف، وأدركت أن دورى الحقيقى هو أن أكون قريبًا منهم فى هذه المرحلة».
ويؤكد: «قررت أن أسخر خبرتى الرياضية لخدمة الأطفال والشباب فى مناطق النزوح، وأن أحول ما تبقى من إمكانات بسيطة إلى مساحة تدريب تمنحهم متنفسًا نفسيًا، رسالتنا واضحة.. الاحتلال دمر الحجر، لكنه لن يدمر الإرادة.. لا نزال مستمرين، وفلسطين أينما نكون موجودين سنبقى مستمرين».
.jpg)
ويشرح: إن المبادرة لا تركز فقط على تعليم أساسيات الملاكمة، بل تمتد إلى دعم الطفل نفسيًا ومعنويًا، موضحًا: «الطفل يحتاج إلى دعم حقيقى فى هذه الظروف، ولدى الأطفال أحلام يجب الحفاظ عليها مهما اشتدت الحرب، التدريب يساعدهم على تفريغ الطاقة السلبية، ويعلمهم الانضباط والتحكم فى النفس، ويمنحهم شعورًا بالقوة فى وقت يشعرون فيه بالعجز».
ويقول بحزن: «لدينا العديد من المدربين واللاعبين الذين فقدناهم فى الحرب على غزة، ما بين شهداء ومصابين ونازحين، هذه الخسائر كانت صدمة كبيرة لنا جميعًا، لكنها فى الوقت نفسه زادتنا إصرارًا على الاستمرار، لأن التوقف يعنى أن نترك الأطفال وحدهم فى مواجهة آثار الحرب».
ويضيف: «الأدوات بسيطة للغاية نتيجة ما دمرته الحرب، قمنا بجمع معدات من بين الركام، وكانت معظمها ممزقة ومتضررة، لكن هدفنا كان استمرار الفكرة مهما كانت الصعوبات، أنشأنا حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد، فى ظل معاناة القطاع من نقص فى كل شىء، حتى مواد البناء».
يختتم «سعود» حديثه قائلًا: «فقدت النادى والمنزل، لكننى لم أفقد رسالتى، استمرارنا فى التدريب وسط هذا الدمار هو رسالة أمل لكل طفل فى غزة، ودليل على أن الرياضة يمكن أن تكون وسيلة للبقاء والصمود، وأن الحلم يمكن أن يولد من بين الركام مهما كان الواقع قاسيًا».
على حلبة ملاكمة بسيطة أُقيمت على الرمال بين خيام النازحين فى جنوب قطاع غزة، تمارس الفتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية، تحت إشراف مدربهن أسامة أيوب، الذى يرى أن الرياضة هنا أكثر من مجرد تدريب، بل وسيلة لإعادة الأمل وإشعال روح القوة وسط الدمار.
أسامة أيوب، المدرب الدولى فى الملاكمة، يقول فى تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»: إن الأطفال والفتيات بحاجة إلى متنفس نفسى بعد سنوات من الحرب والصدمات، مؤكدًا أن التدريب يمنحهم شعورًا بالسيطرة والطمأنينة وسط الظروف الصعبة.
.jpg)
ويلفت إلى أن حياته قبل الحرب كانت مختلفة تمامًا: «كنت أدير نادى ملاكمة فى قطاع غزة قبل الحرب، أتابع الأطفال والفتيات يوميًا وأساعدهم على اكتشاف مهاراتهم، ونخطط معًا للمشاركة فى بطولات تمثل فلسطين، النادى كان مكانًا مفعمًا بالحياة والطاقة، ولم أتصور أبدًا أن كل هذا سيختفى بين ليلة وضحاها». القصف لم يدمر النادى فقط، بل دمر بيتى وكل ما بنيته طوال سنوات».
ويتابع: «أنا أدرب نحو 50 فتاة فى الحلبة المرتجلة على الرمال أمام المخيمات هنا فى جنوب غزة، نلتقى ثلاث مرات فى الأسبوع، ونبدأ التدريب بأغانٍ تشجعهن وتحفزهن، رغم كل الصعوبات التى تحيط بهن، رغم أن الأوضاع مأساوية».
ويضيف «أيوب»: «التدريب ليس مجرد تعليم الملاكمة، بل محاولة لمنحهن مساحة صغيرة للفرح والحرية وسط المعاناة اليومية، أرى فى كل لكمة يوجهنها قوة الإرادة والعزيمة، وألاحظ كيف يتحسن شعورهن النفسى تدريجيًا، وكيف يخف الخوف والقلق المتراكم من أصوات القصف والدمار من حولهن». ويشير إلى أنه لا يقتصر على تدريب مجموعة واحدة، بل يدرب أيضًا ابنتيه ميار وريماس، البالغتين من العمر 15 و13 عامًا، ويقول: «أريد أن أريهن كيف يمكن تحويل الخوف والطاقة السلبية إلى قوة، أرى فيهن الأمل المستمر، وأشعر بأن التدريب يعلمهن الصبر والانضباط، ويمنحهن شعورًا بالقدرة على مواجهة الحياة رغم كل الظروف الصعبة، وأن كل يوم تدريب هو رسالة أمل لنا جميعًا، للأطفال والفتيات والشباب».
يستعيد «أيوب» بدايات الحرب قائلًا: «فجأة وجدت نفسى أبحث عن مأوى لعائلتى وسط آلاف الأسر فى خيام متهالكة، بلا ماء أو طعام أو دواء، المشهد كان صعبًا للغاية، لكن أكثر ما أصابنى بالحزن هو رؤية الأطفال والفتيات يعيشون الخوف كل يوم»، ويضيف: «كنت أسمعهم يتحدثون عن أصوات الانفجارات بدلًا من المدرسة أو اللعب، وعندها شعرت بأن مسؤوليتى الحقيقية بدأت الآن بطريقة مختلفة تمامًا عن كونى مدربًا فى نادٍ».
يؤكد «أيوب» أنه قرر استخدام خبرته لمساعدة هؤلاء الأطفال والفتيات فى مناطق النزوح، موضحًا: «جمعنا بعض المواد البسيطة من الخشب والركام، وأنشأنا حلبة صغيرة على الرمال بين الخيام، لم تكن مثالية، ولم تتوفر فيها وسائل السلامة الكاملة، لكن الفتيات سعيدات ومتحمسات، وكل يوم يبدأن بابتسامة رغم كل الظروف، الهدف ليس تعليم الملاكمة فقط، بل تعليم الانضباط وتحويل الغضب والخوف إلى طاقة إيجابية، ومنح الأطفال شعورًا بالقوة وسط اليأس».
.jpg)
يقول «أيوب»: «الطفل يحتاج إلى دعم مستمر، والأحلام لا تتوقف لأن الحرب جاءت، والتدريب يمنحهم شعورًا بأنهم لا يزالون قادرين على الحلم والمثابرة رغم كل ما يحدث حولهم»، نعمل على أن يشعر كل طفل وفتاة بأن لديه مساحة خاصة يمكنه التعبير عن نفسه فيها، وأن الرياضة ليست رفاهية، بل وسيلة للبقاء والصمود». كما يشير إلى أن المعدات بسيطة جدًا، ومعظمها من التبرعات أو الأدوات القديمة المستعملة، موضحًا: «القفازات وأكياس التدريب ليست جديدة، لكننا نحاول جعلها صالحة للاستخدام، الأهم هو استمرار الفكرة، لأن كل يوم تدريب يعنى رسالة أمل جديدة للأطفال والفتيات».
ويضيف: «فقدنا عددًا من المدربين واللاعبين خلال الحرب، بعضهم استشهد، وبعضهم أُصيب، وآخرون نزحوا، هذه الخسائر كانت صعبة جدًا، لكنها زادتنا تصميمًا على الاستمرار، وكل طفل نستمر فى تدريبه هو انتصار صغير فى مواجهة كل ما يحدث حولنا».
وأوضح «أيوب» أن المبادرة لاقت استجابة كبيرة، خاصة من الفتيات اللاتى وجدن فى التدريب متنفسًا لمشاعر الغضب والحزن والقلق.
تقول غزل رضوان، البالغة من العمر 14 عامًا: «الشعور لا يوصف وأنا أفرغ طاقتى فى الحلبة، كل لكمة أوجهها تمنحنى إحساسًا بالقوة والثقة، ولم أعد أخاف من كل شىء حولى»، وتضيف: «فى البداية كنت أخاف من الركام والدمار، وأصوات الانفجارات كانت تجعلنى أرتجف، وأحيانًا لم أكن أستطيع النوم من الخوف، لكن هنا، بين الركام، يمنحنى التدريب شعورًا بالطمأنينة، وأشعر بأننى أتحكم فى نفسى وفى مشاعرى».
وتتابع فى تصريحاتها لـ«اليوم السابع»: «كل يوم أتمرن أشعر بأننى أتغلب على الخوف وأكتسب قوة داخلية، حلمى أن أسافر وأشارك فى البطولات الدولية وأمثل فلسطين، وأظهر للعالم أن الأطفال هنا قادرون على الصمود رغم كل الصعوبات، التدريب مع الكابتن أسامة أيوب يساعدنى ليس فقط على تعلم الملاكمة، بل أيضًا على مواجهة الصعاب والتفكير بطريقة إيجابية، أشعر الآن أننى أقوى، وأن لدى هدفًا أعمل من أجله، وأن الحلم لم يمت رغم الحرب، أشعر بأن الرياضة هنا أعادت لى الأمل، وأن كل يوم تمرين خطوة أقرب لتحقيق حلمى بأن أكون بطلة فلسطينية تمثل بلادى فى المحافل الدولية».
تقول ديما عودة، البالغة من العمر 19 عامًا: «الملاكمة ليست مجرد رياضة بالنسبة لى. إنها شغف وحب كبير»، وذلك أثناء ممارسة تدريباتها اليومية بين خيام النزوح، وتضيف: «قبل الحرب، كنت أحلم بتمثيل فلسطين فى البطولات الدولية، وكانت حياتى كلها تدور حول النادى والتمارين والتحديات، لكن الحرب دمرت كل شىء، النادى الذى كنت أتدرب فيه اختفى، وكل ما حولنا تحول إلى ركام، ورغم ذلك فإن التدريب هنا يمنحنى شعورًا بالقوة والطاقة الإيجابية».
وتتابع فى حديثها لـ«اليوم السابع»: «كل يوم أتعلم الانضباط وأتحكم فى غضبى وخوفى، الرياضة تمنحنى فرصة للتنفيس عن مشاعر القلق والحزن التى تراكمت خلال الحرب، وأشعر بأن التدريب يساعدنى على تجاوز الصعوبات ويعطينى ثقة بالنفس، حلمى الآن أن أستمر فى الملاكمة، وأن أشارك فى البطولات، وأن أكون مثالًا للشباب الفلسطينى على أن الحرب لن توقف أحلامنا، وأن الرياضة يمكن أن تكون وسيلة للبقاء والصمود.
.jpg)
يقول محمد العشى، 18 عامًا: «أتمنى أن أستمر فى ممارسة الملاكمة رغم كل الظروف»، وذلك خلال تدريبه فى الحلبة المرتجلة على الرمال بين الخيام، ويضيف: «التدريب هنا يمنحنى شعورًا بالقوة والقدرة على مواجهة كل ما يحدث حولى، ليس فقط لأننى أتعلم الملاكمة، بل لأن الرياضة تساعدنى على تصريف الطاقة السلبية الناتجة عن الحرب، وتجعلنى أشعر بالتحكم فى نفسى وفى حياتى».
ويضيف: «الملاكمة تعلمنى الصبر والتحكم فى الغضب والخوف، وتجعلنى أستشعر قيمة العمل الجماعى والدعم المتبادل، أحلم بأن أشارك فى البطولات وأمثل فلسطين، وأن أكون قدوة للشباب الآخرين هنا على الصمود وعدم الاستسلام، التدريب هنا ليس مجرد هواية، بل طريقة للتغلب على الخوف والاحتفاظ بالأمل، وتحويل الصعوبات إلى قوة داخلية تساعدنا على مواصلة حياتنا رغم كل شىء».
