نواصل معكم في هذه السلسلة كشف المستور من ملفات "أفعى الإخوان" وعقلها المدبر، القيادي محمود عزت، الذي ظل لعقود طويلة اللغز الأكبر داخل أروقة الجماعة.
وبينما كانت مصر في عام 2010 تعيش حالة من الغليان السياسي تحت وطأة التوريث وانسداد الأفق، كان قطار الزمان يحمل "عزت" نحو مرحلة مفصلية، لم تعد فيها الجماعة مجرد فصيل معارض، بل تحولت في كواليسها إلى "ثكنة" مغلقة يديرها رجل الظل بصرامة حديدية لا تعرف الليونة.
في ذلك العام، كانت الجماعة تمر بمخاض عسير، حيث شهدت تحولات داخلية حادة تجسدت في الصراع المكتوم بين "تيار الإصلاحيين" الذي كان ينادي بمزيد من الانفتاح السياسي، وبين "تيار القطبيين" أو الجناح المحافظ الذي يتزعمه محمود عزت. لقد نجح عزت، بخبثه المعهود وقدرته الفائقة على المناورة، في إقصاء الأصوات التي كانت تنادي بالمرونة، ليحكم قبضة "السمع والطاعة" على مفاصل التنظيم، محولاً الجماعة من العمل العام إلى منطق "العمل السري" الخالص، وهو المنهج الذي استقاه من مدرسة سيد قطب في الانعزال الشعوري والمواجهة الحتمية.
كان محمود عزت يدرك أن نظام مبارك في عامه الأخير كان يترنح، لكنه بدلاً من الالتحام مع القوى الوطنية بصدق، فضل البقاء في ظلال الغرف المغلقة، يدير "التمكين الداخلي" ويحصن بنية الجماعة ضد الاختراق الأمني الذي طال القيادات الوسيطة في تلك الفترة.
لم يكن عزت مجرد قيادي، بل كان المهندس الذي أعاد صياغة إستراتيجية الجماعة لتميل نحو "الصدام الصامت"، معتمداً على تهميش الرموز التي تمتلك قبولاً شعبياً لصالح كوادر تنظيمية تدين بالولاء المطلق لشخصه ولفكره المتشدد.
لقد شهد عام 2010 محطات درامية فاقت كل التوقعات، حيث اندلعت تظاهرات الغضب عقب مقتل الشاب خالد سعيد، وهي اللحظة التي شكلت شرارة الانفجار الشعبي الأولى.
في تلك اللحظات، كان "عقل التنظيم السري" يراقب المشهد بحذر، لم يكن يهمه الشارع بقدر ما كان يهمه استغلال الزخم الشعبي لصالح مشروعه الخاص. ومع اقتراب انتخابات نوفمبر 2010، دفع عزت بالجماعة نحو المشاركة ثم الانسحاب الدرامي بعد الجولة الأولى التي شهدت انتهاكات واسعة، وهو القرار الذي لم يكن مجرد رد فعل سياسي، بل كان اعترافاً ضمنياً بأن اللعبة السياسية التقليدية قد انتهت، وأن مرحلة "القفز على السلطة" قد بدأت ملامحها تتبلور في عقله.
إن المتأمل في شخصية محمود عزت يدرك لماذا لقب بـ "الأفعى"؛ فهو الرجل الذي لا يتحرك إلا في اللحظة الحاسمة، ولا يظهر إلا حين تكتمل خيوط الشباك. في عام 2010، كان يعمل على "رص الصفوف" وتجهيز القواعد الإخوانية لسيناريوهات غير متوقعة، بعيداً عن أعين الأمن وعيون الرفاق في المعارضة. كان يرى في الانسداد السياسي فرصة ذهبية لتقديم الجماعة كبديل وحيد ومنظم وسط فوضى محتملة، وهو ما تجلى بوضوح مع إرهاصات ثورة يناير 2011.
إن الصدام الذي وقع في ذلك العام بين نظام مبارك المتآكل وجماعة الإخوان بقيادة رجال الظل، لم يكن صراعاً على برامج انتخابية أو مقاعد برلمانية تحت القبة، بل كان "صراع بقاء" وجودي.
محمود عزت بذكائه التنظيمي البارد، استطاع تحويل الجماعة من فصيل دعوي وسياسي إلى أداة ضغط قوية، مستخدماً إرثه في "التنظيم الخاص" لفرض أجندته على الجميع. لقد كان عام 2010 هو العام الذي وضع فيه عزت اللمسات الأخيرة على خطة السيطرة، مستغلاً كل ثغرة في جدار الدولة المصرية التي كانت تتهيأ لزلزال سياسي سيغير وجه المنطقة بأكملها.
إن قراءة مواقف محمود عزت في عام 2010 بعيون اليوم، تكشف لنا كيف كان يدير هذا الرجل المشهد بالرموت كنترول من مخبئه، وكيف كانت الجماعة تساق نحو مصير مظلم بقرار من رجل واحد فضل أن يظل شبحاً يحرك الدمى، بدلاً من أن يكون سياسياً يعمل في وضح النهار. إنها قصة الرجل الذي جعل من الجماعة رهينة لأفكاره القطبية، ومن الوطن ساحة لتجاربه التنظيمية الخطرة، في واحدة من أدق فترات التاريخ المصري الحديث.