ـ شهادات العمال تكشف حجم التجاوزات.. (س.ح) تحطمت أطرافه على جدار العزل لتأمين خبز أطفاله.. ويكمل حياته على "الصدقات"
- (أ.ع) 13 عاما من الكد تنتهي بتنصل المشغل الإسرائيلي من أجره.. ونساء فقدن مصادر رزقهن خلف بوابات الاحتلال المغلقة
- إسرائيل تجمد تصاريح العمل بدلا من تجميدها لمنع العمال الفلسطينيين من الوصول لأموالهم
- تدمير كامل لمقرات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في غزة والنقابيون يعملون من مكاتب مؤقتة
كشفت أطراف نقابية دولية وفلسطينية عن معطيات صادمة تتعلق بالواقع الاقتصادي والقانوني لمئات آلاف العمال الفلسطينيين، معلنة عن تحرك قضائي دولي للمطالبة بتعويضات وأجور محتجزة تقدر بمليار دولار أمريكي، وأزاح ممثلو الاتحاد الدولي للبناء والأخشاب (BWI) والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين الستار عن حجم الانهيار الذي أصاب قطاع العمالة منذ السابع من أكتوبر 2023، مؤكدين أن نحو 200 ألف عامل فلسطيني وجدوا أنفسهم محرومين من النفاذ إلى أجورهم ومناصب عملهم، مما دفع بالاتحاد الدولي لرفع قضية رسمية أمام منظمة العمل الدولية (ILO) في جنيف لانتزاع هذه المستحقات.
وتشير البيانات التي كشفها المسؤولون النقابيون والعمال من قلب الميدان إلى وصول نسبة البطالة في قطاع البناء والتشييد داخل قطاع غزة إلى 100%، في ظل دمار شامل طال ما يزيد عن 85% من المنشآت والبنية التحتية، وسط قيود مشددة تمنع دخول المواد الأساسية للإعمار، وفي الضفة الغربية، كما كشفت عن سياسة "تجميد قانوني" متبعة تهدف إلى حرمان العمال من مدخراتهم المالية لسنوات طويلة، فضلا عن المخاطر الجسدية التي تلاحق العمال الباحثين عن لقمة عيشهم، والتي خلفت مئات الإصابات والضحايا على جدار الفصل العنصري.
وأشاروا إلى قرب صدور قرار مرتقب من منظمة العمل الدولية بنهاية شهر مارس المقبل، حيث تخاض اليوم واحدة من أعقد المعارك النقابية لاستعادة حقوق العمال الفلسطينيين المسلوبة في ظل أزمة إنسانية متفاقمة تجاوزت في تداعياتها كل الأرقام والإحصاءات السابقة.
وقال شاهر سعد، الأمين العام للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، إن كافة مقرات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في قطاع غزة قد تعرضت لتدمير كامل وشامل، مشيرا إلى أن النقابيين في غزة باتوا يعملون من مكاتب مستأجرة مؤقتة، لم تسلم هي الأخرى من الاعتداءات؛ حيث تعرضت بعضها للحرق والتخريب المتعمد، وشدد سعد على أن هذا التدمير المادي للمؤسسات النقابية هو جزء من سياسة أوسع لعزل العامل الفلسطيني ومنعه من إيصال صوته للعالم.
وأوضح النقابي محمد حلس (أبو السعدي)، الواقع الميداني والاقتصادي الذي يعيشه عمال القطاع، مؤكدا أن قطاع غزة يعيش حالة من الشلل التام، حيث بلغت نسبة البطالة في قطاع البناء والتشييد 100%، مؤكدا أن الأرقام المتداولة حول حجم الدمار، رغم ضخامتها، لا تعكس سوى جزء بسيط من الواقع؛ إذ تجاوزت نسبة الدمار الشامل في المنشآت والبنية التحتية حاجز ال 85%، ما حول مساحات واسعة في شرق القطاع وشماله وجنوبه إلى ركام ومناطق ممسوحة بالكامل.
وأضاف: "لا توجد أي حركة لإعادة الإعمار نهائيا، والواقع يتلخص في ضرب وهدم يومي للمباني السكنية، وأشار إلى أن المواد الأساسية للبناء، من إسمنت وحجر وأخشاب، ممنوعة من الدخول بشكل قطعي، حيث تفرض السلطات الإسرائيلية قيودا صارمة تمنع حتى دخول "كيس إسمنت واحد" إلى القطاع، وكشف عن تحول الغالبية العظمى من العمال وأسرهم إلى لاجئين داخل وطنهم، يسكنون خياما متهالكة لا تقي برد الشتاء القارس ولا تحمي من السيول والأمطار، ووصف حلس الأزمة الإغاثية بأنها بلغت مستويات حرجة، حيث يخضع دخول المواد التموينية الأساسية وحليب الأطفال والطحين لرقابة وتحكم كاملين، في حين يسمح أحيانا بدخول مواد استهلاكية غير أساسية في ظل شح شديد في الاحتياجات الضرورية للبقاء.
ووثق العمال الفلسطينيون قصص إنسانية مروا بها، ومن بين هذه الشهادات، برزت قصة العامل (( ش. ف))، الذي عمل في قطاع البناء داخل الخط الأخضر لمدة سبع سنوات متواصلة، يصف حمدان تحول حاله بعد السابع من أكتوبر، قائلا: "كنت أعتمد على هذا العمل لتأمين معيشة أسرتي، والآن توقف كل شيء، نحن نعيش في وضع يزداد سوءا يوما بعد يوم؛ فلا توجد فرص عمل بديلة، ولدينا التزامات تجاه أبنائنا في المدارس والجامعات، ولا نجد أحدا يقف معنا في هذه الظروف الصعبة".
وفي سياق متصل، قدم العامل (أ. ع) شهادة تعكس معاناة العمال كبار السن الذين تقطعت بهم السبل بعد سنوات طويلة من الكد، يقول عثمان: "عملت لمدة 13 عاما في قطاع الزراعة داخل الأراضي المحتلة، وكانت الأمور مستقرة وتكفي لسد احتياجاتنا، ومنذ انقطاع العمل، لم أتقاض مستحقاتي عن آخر 20 يوما عملت بها قبل الإغلاق، والمشغل الإسرائيلي يرفض الرد على اتصالاتي الهاتفية حتى الآن".
ويضيف عثمان موضحا اليأس الذي أصاب العمال من المسارات القانونية المحلية: "لدي مستحقات مالية ومدخرات تقدر بنحو 30 ألف شيكل، لكن المحامين يطلقون وعودا لا تتحقق، ولم نحصل على شيء، وبصفتي رجلا مسنا، لا أستطيع المجازفة بالدخول للعمل عبر طرق التهريب أو تسلق الجدار كما يفعل الشبان؛ لأن في ذلك خطرا حقيقيا على حياتي، والآن نعتمد في طعامنا وشرابنا على الصدقات وأموال الزكاة".
أما العامل (س. ح)، الذي تحول إلى ضحية جسدية أثناء محاولته تأمين لقمة العيش لعائلته، يروي تفاصيل إصابته قائلا: "أنا مثال حي لما يواجهه العامل الفلسطيني؛ فبعد السابع من أكتوبر وإغلاق المعابر، سدت في وجوهنا كل الطرق، فاضطررت لمحاولة الدخول للعمل بطريقة غير رسمية عبر جدار الفصل العنصري، وأثناء نزولي عن الجدار، أطلق جنود الاحتلال النار علي بشكل مباشر، ما أدى إلى إصابتي بكسور مضاعفة في كعوب قدمي الاثنتين، وكسر في مفصل يدي".
ويتابع: "تجاوزت تكاليف علاجي والعمليات التي أجريتها 50 ألف شيكل، تحملتها وحدي دون أي تعويض من أي جهة، وحالتي ليست فردية؛ ففي مدينة يطا وحدها، هناك أكثر من 100 عامل تعرضوا لإصابات مماثلة على الجدار، الاحتلال لا يكتفي بمنعنا من العمل، بل يلاحقنا بالرصاص ويعاملنا كأننا مخربون، بينما نحن لا نبحث إلا عن توفير مستلزمات بيوتنا وخبز أطفالنا".
وكشف العامل (م. ع) عن أزمة "تواصل الأجيال" في المهن الحرفية بقطاع غزة، مشيرا إلى أن الحصار الطويل منع العمال الجدد من اكتساب الخبرات، بينما فقد العمال القدامى أدواتهم وورشهم، ووصف الوضع القانوني للعمال الذين ينجحون في الدخول للعمل بطريقة "غير شرعية" بأنه استغلال بشع؛ حيث يتم تشغيلهم لفترات طويلة ثم التنكر لحقوقهم المالية، وفي حال ضبطهم من قبل السلطات الإسرائيلية، يواجهون أحكاما بالسجن لعدة أشهر وغرامات مالية باهظة تضاف إلى أعبائهم المعيشية.
فيما كشف دانيال باراغان، نائب رئيس الاتحاد الدولي للبناء والأخشاب (BWI)، عن تفاصيل الحراك القانوني الدولي لانتزاع حقوق العمال الفلسطينيين، وأكد أن الاتحاد اتخذ خطوة رسمية برفع قضية وشكوى قانونية أمام منظمة العمل الدولية (ILO) ضد السلطات الإسرائيلية، ردا على انتهاك المعايير المهنية الدولية واحتجاز أجور العمال منذ السابع من أكتوبر2023، وأوضح أن المحور الأساسي للقضية هو المطالبة بدفع تعويضات وأجور محتجزة تقدر بمليار دولار أمريكي، كحق مالي أدنى لنحو 200 ألف عامل فلسطيني توقفوا عن العمل قسرا ومنعوا من الوصول إلى أماكن عملهم، ووصف هذا المبلغ بأنه يمثل الأجور غير المدفوعة والمدخرات التي تراكمت للعمال، والتي يرفض النظام الإسرائيلي الإفراج عنها.
وكشف نائب رئيس الاتحاد الدولي عن كواليس مفاوضات جرت عبر وسطاء، حيث حاولت إسرائيل الضغط لوقف المسار القضائي مقابل "تسوية ودية" غير واضحة المعالم، وهو ما رفضه الاتحاد والنقابات الفلسطينية، وأشار باراغان إلى أن الرفض جاء بسبب اشتراط إسرائيل حضور العمال بأنفسهم لاستلام الأموال، معتبرا ذلك استحالة واقعية وفخا أمنيا وبدلا من ذلك، قدم باراغان مقترحا يقضي بإيداع مبلغ المليار دولار لدى طرف ثالث دولي يتولى إدارته وتوزيعه بعدالة على العمال المستحقين، بعيدا عن النظام الإسرائيلي الذي وصفه بأنه "نظام لا يعمل" (The system doesn't work) فيما يخص الحقوق الفلسطينية.
وشدد باراغان على أن منظمة العمل الدولية بصدد اتخاذ قرارها النهائي بنهاية شهر مارس المقبل، مؤكدا: "أملنا أن يفرض هذا القرار على إسرائيل دفع التعويضات، ورغم أن التنفيذ سيكون معركة صعبة، إلا أننا سننتزع هذا الحق القانوني للفلسطينيين.
قدمت نسرين شتاية، مسؤولة الدائرة القانونية لعمال الخط الأخضر في نقابة البناء والأخشاب، تحليلا دقيقا للعقبات القانونية التي وضعت أمام العامل الفلسطيني في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، وأوضحت أن الأزمة لم تتوقف عند حدود فقدان العمل، بل امتدت لتشمل "قرصنة قانونية" على مدخرات العمال.
وكشفت شتاية أن السلطات الإسرائيلية عمدت إلى تجميد تصاريح العمال بدلا من إلغائها، بهدف منع العامل من سحب مستحقاته المالية وأتعابه التقاعدية الموجودة في "مكتب العمل الإسرائيلي"؛ إذ يشترط القانون الإسرائيلي أن يكون التصريح "ملغى" بطلب من صاحب العمل أو مسددا بالكامل حتى يتمكن العامل من الوصول إلى مدخراته، ومن خلال إبقاء التصاريح مجمدة، يظل مئات آلاف العمال محرومين من أموالهم التي تراكمت عبر سنوات من الكد، ما حولهم إلى ضحايا لسياسة الخنق المالي.
كما تطرقت شتاية إلى ظاهرة سماسرة التصاريح الذين استغلوا حاجة العمال، حيث يتم إصدار تصاريح تعرف ب "صفر-صفر" (00)، وهي تصاريح غير مسجلة رسميا في سجلات مكتب العمل الإسرائيلي، ما يعني أن العامل الذي يستخدمها يفقد كافة حقوقه القانونية والطبية في حال تعرضه لإصابة عمل أو فصل تعسفي، وأكدت أن العمال الذين يضطرون للمخاطرة والدخول للعمل بطرق غير رسمية يواجهون استهدافا مباشرا بالضرب والاعتقال، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من شهداء لقمة العيش.
وفي سياق متصل، سلطت النقابية عفاف الإصبع الضوء على جرح "المرأة العاملة" في فلسطين، مؤكدة أن النساء العاملات يواجهن نفس الظروف القاسية التي يواجهها الرجال، بل وبصورة أعقد أحيانا، وأوضحت أن إغلاق الطرق والحواجز العسكرية منع آلاف النساء من الوصول إلى مناصبهن، مما أدى إلى فقدان مصدر دخل حيوي لآلاف الأسر التي تعيلها نساء.
وطالبت عفاف بضرورة تحرك الاتحاد الدولي لدعم "المشاريع الصغيرة" الموجهة للمرأة العاملة والنقابية كبديل اضطراري لمواجهة الانهيار الاقتصادي الحالي، كما سلطت الضوء على أزمة "التأمين الصحي"، مشيرة إلى أن الكثير من العمال والعاملات باتوا عاجزين عن تجديد تأميناتهم الصحية نتيجة الديون السابقة وتوقف الدخل، مما يحرم عائلاتهم من الرعاية الطبية الأساسية، مطالبة بضغط دولي على الجهات المعنية لتسهيل إجراءات التأمين الصحي للعمال في هذه المرحلة الطارئة.
من جانبه، شدد سعيد درباجي، عضو اللجنة التنفيذية لنقابة البناء والأخشاب، على الجاهزية المهنية للكوادر النقابية والعمالية للمشاركة في معركة إعادة الإعمار، مشددا على أن أي خطة للإعمار يجب أن تكون بيد الفلسطينيين وللفلسطينيين، محذرا من تهميش العامل المحلي لصالح الشركات متعددة الجنسيات التي قد تفرض شروطا لا تتناسب مع واقع العامل الفلسطيني.
وقال درباجي بصيغة مباشرة: نحن نتمسك بالارتباط مع وزارة العمل الفلسطينية والعمل بموجب قانون العمل الفلسطيني لعام 2000، لن نسمح بأن يكون الإعمار فرصة لاستغلال العمال بعيدا عن حمايتهم النقابية والقانونية، وطالب الاتحاد الدولي للبناء والأخشاب بالضغط لضمان أن تكون الأولوية في التشغيل للعمال الفلسطينيين الذين فقدوا أعمالهم، وأن يتم توقيع اتفاقيات عمل ملائمة توفر بيئة آمنة للعمال، بعيدا عن مخاطر الألغام والمتفجرات التي خلفتها الحرب تحت ركام المنازل، مؤكدا ضرورة إنشاء قاعدة بيانات شاملة لكل عمال قطاع البناء، وتنفيذ برامج إعادة تأهيل مهني سريعة (من 3 إلى 6 أشهر) لتعويض النقص في الكوادر الحرفية التي استشهد أفرادها أو أصيبوا، لضمان انطلاقة قوية لعملية البناء فور توفر المناخ السياسي والمواد الإنشائية اللازمة.