يأتي شهر رمضان لا كضيفٍ عابر، بل كزمنٍ مختلف، كحالةٍ روحية تُربك المألوف وتُعيد ترتيب الداخل، يأتيك وأنت غارق في تفاصيل الأيام، مثقل بالعادة، محاط بضجيج لا ينتهي، فيطرق باب القلب طرقًا خفيفًا لكنه نافذ، كأنه لا يريد أن يوقظك بقدر ما يريد أن يذكّرك أنك كنت يومًا أقرب مما أنت عليه الآن، وأن في القلب مساحة لم تُغلق بعد، وأن في العمر فرصة لم تُسحب من بين يديك بعد، ولهذا كان بلوغ رمضان في ذاته نعمة، لا يُدرك ثقلها إلا من فهم معنى أن يُمدّ له في الأجل ليُتاح له موسم إصلاح، وقد قال ابن رجب رحمه الله: «بلوغُ شهر رمضان وصيامُه، نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه»، ثم ساق حديث الثلاثة الذين استُشهد اثنان منهم ثم مات الثالث على فراشه بعدهما، فرُئي في النوم سابقًا لهما، فقال رسول الله ﷺ: «أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاةً، وأدرك رمضان فصامه، فوالذي نفسي بيده، إن بينهما لأبعدَ مما بين السماء والأرض»، وهنا يقف القلب طويلًا لا ليقارن بين الموتين، ولكن ليتأمل في معنى الفرصة، في معنى أن يُعطى الإنسان زمنًا إضافيًا ليعبد الله على مهل، ليصلي صلاة بعد صلاة، ويصوم رمضان بعد رمضان، فيُبنى إيمانه لبنة لبنة، دون اندفاع اللحظة الأخيرة، وكأن رمضان ليس بطولة عاطفية سريعة، بل مشروع تربية عميق، وحين تُفهم النعمة بهذا المعنى، يصبح الشكر واجبًا لا ترفًا، سلوكًا لا عبارة، وقد قال النووي رحمه الله: «اعلم أنه يستحب لمن تجددت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة، أن يسجد شكرًا لله تعالى، وأن يحمد الله تعالى، أو يُثني عليه بما هو أهله»
ورمضان نعمة تتجدد، لا لكل أحد، ولا في كل عام بنفس الأثر، فإذا دخل عليك ولم تشعر بثقله في قلبك فاعلم أن الإشكال في الاستقبال لا في الشهر، ثم يبدأ رمضان عمله الحقيقي في النفس، لا كصيام عن الطعام فقط، بل كتدريب طويل على كبح الرغبة، وإدارة الشهوة، وإعادة ضبط العلاقة مع الجسد، ولهذا كان الصيام عند الصحابة الكرام - رضي الله عنهم- بابًا واسعًا للأجر، فقد سمعوا رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»، فكان رمضان مدرسة لتعويد النفس على الصيام، لا ليُترك بانتهائه، بل ليبقى أثره بعده، ثم يأتي الليل ليكشف ما صنعه النهار، فالقيام ليس زيادة أعمال، بل تعميق أثر، نور يتسلل إلى الوجه قبل أن يظهر في السلوك، وقد قال سعيد بن المسيب رحمه الله: «إن الرجل ليصلي بالليل، فيجعل الله في وجه نورًا يحبه عليه كل مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إني لأحب هذا الرجل»، وحين سُئل الحسن البصري رحمه الله عن سرّ حسن وجوه المتهجدين قال: «لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسهم من نوره»، وكأن الليل هو لحظة الخلوة التي تُسقِط الأقنعة، وتعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى، ثم يتقدم رمضان إلى قلبه النابض: القرآن، لا بوصفه وردًا شكليًا، بل باعتباره روح الشهر ومعناه، فقد كانوا يعتبرون رمضان مدرسة للقرآن تلاوة واستماعًا وفهمًا وتدبرًا وعملًا، حتى إن سفيان الثوري رحمه الله كان إذا دخل رمضان ترك جميع الأعمال وأقبل على قراءة القرآن، وكان محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة، لا استعراضًا ولا مبالغة، بل لأنهم أدركوا أن هذا الشهر لا يُعاش على الهامش، ثم يختم رمضان أثره في النفس بإذابة الشح، وكسر قيد التعلق، وتحويل العبادة إلى رحمة تمشي على الأرض، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة»، وعند أحمد زاد: «لا يُسأل عن شيء إلا أعطاه»، ثم ترى هذا الفهم متجسدًا في حياة العلماء، كما قال الإمام الذهبي: «وبلغنا أن حماد بن أبي سليمان كان ذا دنيا متسعة، وأنه كان يُفطِّر في شهر رمضان خمس مائة إنسان، وأنه كان يعطيهم بعد العيد لكل واحد مائة درهم»، وهكذا يخرج رمضان في صورته الحقيقية، ليس شهر عزلة عن الناس، ولا شهر انقطاع عن الحياة، بل شهر إعادة تعريف، شهر يُخرجك أقل تعلقًا، أكثر وعيًا، أصفى قلبًا، فإن دخل عليك رمضان ولم يترك أثرًا، فالمشكلة لم تكن في قِصر الشهر، بل في غياب القلب، أما من استقبله بصدق، فسيغادره وهو يعلم أن شيئًا ما في داخله قد تغيّر، وإن لم يستطع تسميته.