يحتفل العالم اليوم بعيد الحب بوصفه مناسبة مرتبطة بالقديس فالنتين، لكن الحب والتعبير عنه قديم،وتكشف النصوص المصرية القديمة أن التعبير عن المحبة كان حاضرًا، بكثافة ووعي، في وجدان المصريين، واللافت أن هذا الأدب العاطفي لم يصلنا في شكل "فكرة عامة" فقط، بل في وثائق محددة ومحفوظة، برديات، وشقافات (أوستراكا)، ونصوص أدبية ذات تراجم علمية معتمدة.
الأهمية يكمن في دلالته الحضارية وهي أن: المصري القديم لم يفصل بين الحب والحياة اليومية، فمزج العاطفة بالطبيعة (النهر، الحديقة، الطيور)، وربط الشوق بالجسد والوجدان معًا، وصاغ ذلك بلغة أدبية دقيقة تؤكد أن الحب كان جزءًا من الثقافة المكتوبة، لا مجرد إحساس عابر.
بردية "هاريس 500" / BM EA10060: المصدر الأشهر لأغاني الحب
أبرز شاهد أرشيفي على أدب الحب المصري القديم هو البردية المحفوظة في المتحف البريطاني برقم EA10060. وصف المتحف نفسه يذكر بوضوح أن وجه البردية (Recto) يضم سلاسل من أغاني الحب، إلى جانب نصوص أخرى معروفة مثل "نشيد العازف"؛ وهو توثيق مؤسسي مباشر لا لبس فيه.
وتظهر في هذه الأغاني سمات متكررة منها، صوت أنثوي وصوت ذكوري يتبادلان التعبير.، حضور الطبيعة كمرآة للعاطفة، لغة وجدانية تمزج الرغبة بالحياء والانتظار.
ولهذا تعد البردية حجر الأساس لأي معالجة موثقة عن "الحب في مصر القديمة".
وبحسب بيانات المتحف البريطاني، توجد بردية EA10060 ضمن قسم مصر والسودان القديمين في لندن، وهي موصوفة كوثيقة أدبية مكتوبة بالهيراطيقية، مع فقد في البداية والنهاية، لكن المتن الباقي كافٍ لإثبات بنية "دورات أغاني الحب".
بردية هاريس
"الحب خارج البردية": الأوستراكا وشعر الحياة اليومية
لا تتوقف مادة الحب عند البرديات الكبرى، فالثقافة الكتابية في مصر القديمة استخدمت أيضًا الأوستراكا (قطع فخارية/حجرية للكتابة السريعة)، خصوصًا في بيئات مثل دير المدينة المرتبطة بعصر الرعامسة، وجود الكتابة الأدبية واليومية على هذه الوسائط يؤكد أن التعبير عن المشاعر لم يكن حكرًا على "نصوص النخبة"، بل تسرب إلى أدوات أقرب للحياة العملية.
صحيح أن كثيرًا من أوستراكا دير المدينة إداري أو تدريبي، لكن البيئة نفسها التي حفظت سجلات العمل هي التي حفظت أشكالًا أدبية وفنية موازية، ما يدعم فكرة انتشار الحس الشعري في المجال الاجتماعي الأوسع.
أوستراكون
ثيمات الحب في النص المصري القديم
قراءة الترجمات الأكاديمية المعتمدة (مثل أعمال ميريام ليختهايم، ومايكل فوكس، وجون فوستر) تكشف أن نصوص الحب المصرية تدور حول ثيمات واضحة:
الاشتياق بوصفه حالة جسدية، الحب يصاغ أحيانًا كوجع أو اضطراب داخلي، واللقاء يأتي في صورة "الشفاء"، الطبيعة بوصفها شريكًا في المعنى (الحديقة، اللوتس، الماء، الطيور: ليست ديكورًا بل لغة رمزية للعاطفة)، النداء الحميمي بين الحبيبين، تظهر صيغ خطاب محبة خاصة في الأدب المصري القديم، تحمل قربًا وجدانيًا قويًا، الموعد والانتظار (الزمن عنصر درامي: الفجر، المساء، الطريق، ضفة النهر).
هذه الثيمات لا تأتي من اقتباس واحد، بل من "كوربس" أدبي متكامل يبرهن أن المصري القديم أنتج خطابًا عاطفيًا متطورًا ومتماسكًا.