تعيش أوروبا لحظة فارقة فى تاريخها ، حيث لم تعد التهديدات الأمنية أو الاقتصادية هي الشاغل الوحيد بل برز الصمت فى أروقة المستشفيات الولادة كأكبر خطر وجودى ، حيث تعانى القارة مما يصفه علماء الاجتماع بـ الشتاء الديموجرافى، حيث انخفضت معدلات الخصوبة إلى مستويات حرجة تحت 1.5 طفلا لكل امرأة وهو رقم بعيد تماما عن المستوى المطلب لاستمرار الأجيال 2.1 ، وهذا التراجع يعتبر قنبلة موقوتة تهد بإنهيار أنظمة التقاعد ، ونقص الأيدى العاملة.
فرنسا والـ 29 عاماً: اهلا بك فى ذروة خصوبتك
هزت الحكومة الفرنسية الرأي العام بمبادرة غير مسبوقة تحت شعار "إعادة التسلح الديموجرافي، حيث أن كل مواطن فرنسي يتم هذا العمر، يجد في بريده رسالة رسمية من الدولة تقول: "أهلاً بك في ذروة خصوبتك، الساعة البيولوجية لا تنتظر".تتضمن هذه المبادرة، التي أطلق عليها الرئيس ماكرون "إعادة التسلح الديموجرافي"، فحوصات مجانية وشاملة للخصوبة، في محاولة لكسر حاجز التأجيل الذي يمارسه جيل الشباب
هذه المبادرة جاءت بعد أن سجلت فرنسا، التي كانت تاريخياً "محرك الولادات" في أوروبا، انخفاضاً بنسبة 24% في المواليد خلال العقد ونصف الأخير. الرسالة الفرنسية لا تكتفي بالنصيحة، بل تتضمن حزمة من التسهيلات الطبية، وتخفيضات في تكاليف تجميد البويضات، وتوسيع نطاق المساعدة الطبية على الإنجاب (PMA)، في محاولة لكسر حاجز الخوف والقلق الاقتصادي لدى الشباب.
صفر ضرائب فى إيطاليا والمجر
بينما تلجأ فرنسا للرسائل، تتبنى دول مثل المجر وبولندا استراتيجيات أكثر حدة، حيث أنه في المجر، يُعفى النساء اللواتي ينجبن أربعة أطفال أو أكثر من ضريبة الدخل مدى الحياة، وتمنح الدولة قروضاً ميسرة للأزواج تُشطب بمجرد إنجاب الطفل الثالث.
أما في إيطاليا، التي تسجل أدنى معدلات ولادة في تاريخها الحديث، فقد أعلنت حكومة جورجيا ميلوني عن خطة صفر ضرائب للأسر الكبيرة، معتبرة أن بقاء الأمة الإيطالية مرهون بعودة صرخات الأطفال إلى البيوت.
صيدليات الأمل فى إسبانيا والبرتغال
ويبرز مصطلح صيدليات الأمل فى إسبانيا والبرتغال ، حيث تحولت الصيدليات والمراكز الصحية إلى "حصون للخصوبة"، لم تعد العلاجات المعقدة مثل الحقن المجهري وتجميد البويضات حكراً على الأثرياء؛ ففي عام 2026، أصبحت هذه الخدمات حقاً دستورياً مجانياً، حيث تمولها الحكومات بالكامل لضمان ألا يكون المال عائقاً أمام صرخة طفل جديد
ضريبة العزوبية: هل يدفع "السناجل" ثمن شيخوخة القارة؟
خلف الأبواب المغلقة في بروكسل، تدرس المفوضية الأوروبية فى الوقت الحالي مقترحاً وُصف بـ "القاسي"، وهو فرض "ضريبة تضامن ديموجرافي" غير مباشرة على العازبين والشركاء الذين اختاروا عدم الإنجاب. تنطلق الدراسة من مبدأ اقتصادي بحت: بما أن العازبين لا يساهمون في إنجاب "دافعي الضرائب المستقبليين" الذين سيتحملون عبء نظام التقاعد والرعاية الصحية، فعليهم المساهمة "الآن" بمبالغ إضافية لتمويل صناديق الطفولة ودعم الأسر الكبيرة.
ورغم أن المصطلح لم يُعلن صراحة كـ "ضريبة عزوبية" لتجنب الصدام مع قوانين الحريات الفردية، إلا أن المقترح يتضمن تقليصاً كبيراً في الإعفاءات الضريبية لمن يتجاوزون سن الـ 35 دون أطفال، وتحويل تلك الموارد لتمويل "ميثاق الخصوبة الأوروبي".
وأثار هذا التوجه موجة غضب عارمة بين حركات "Childfree" والشباب في عواصم مثل برلين ومدريد، الذين اعتبروا المقترح "عقاباً مادياً" على خيارات شخصية، وتحويل الرحم البشري إلى وحدة إنتاج اقتصادية تابعة للدولة.
لماذا يرفض الأوروبيون الإنجاب؟
أزمة الخصوبة في أوروبا ليست مجرد مشكلة بيولوجية، بل هي "مركب معقد" من الأزمات، والتي من بينها الأزمة السكانية ، وذلك نتيجة ارتفاع جنونى فى إيجارات الشقق فى عواصم مثل باريس وبرلين وبرشلونة وهو ما يجعل من الصعب على الزوجين تخصيص غرفة لأطفال، بالإضافة إلى الاستقرار المهنى حيث تعانى الأجيال الشابة من عقود العمل الهشة مما يدفعهم لتأجيل فكرة الإنجاب حتى سن الثلاثين أو الأربعين، بالإضافة إلى ذلك العقم البيئي ، حيث تشير الدراسات في 2026 إلى أن التلوث الجزيئي ونمط الحياة السريع أدى إلى تراجع جودة النطاف لدى الرجال في أوروبا بنسبة 50% مقارنة بالسبعينات.