لم تكن مجرد جريمة عابرة، بل كانت زلزالاً ضرب قيم المروءة في قلب قرية ميت عاصم التابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية، حيث تحولت علاقة عاطفية كان الشاب يظن أنها ستنتهي بـ "عش الزوجية" إلى كابوس مرعب، واحتجاز وتعذيب وكي بالأجساد، وانتهت بمشهد سريالي تقشعر له الأبدان، بعدما أجبرت مجموعة من الأشخاص الشاب "إسلام" على ارتداء ملابس نسائية "بدلة رقص" وطافوا به في الشوارع وسط استعراض للقوة وترهيب للأهالي، في واقعة وثقتها الهواتف المحمولة لتتحول إلى "تريند" حزين ومطالب بالقصاص على منصات التواصل الاجتماعي.
"اليوم السابع" انتقلت إلى موقع الحادث، وبالتحديد إلى منزل أسرة الشاب الضحية، حيث خيمت سحب الحزن والانكسار على جنبات المكان، والتقت بوالدة إسلام التي لم تتوقف دموعها وهي تروي تفاصيل "ليلة الغدر".
تقول الأم بنبرة يملؤها القهر إنها فوجئت في الصباح الباكر بهجوم مباغت على منزلهم من قبل المتهمين، والذين دخلوا يسألون عن ابنها بلهجة وعيد، وكان إسلام في ذلك التوقيت يتواجد في منزل شقيقته برفقة ابنتهم، وهي الفتاة التي تربطه بها علاقة عاطفية وكان ينوي التقدم لخطبتها رسمياً، وبالفعل قامت شقيقته بإحضاره للمنزل مع الفتاة، ظناً منها أن الأزمة في طريقها للحل الودي، لكن ما حدث كان أبعد ما يكون عن الخيال.
وتتابع الأم المكلومة حديثها قائلة إن المتهمين بمجرد رؤية إسلام انقضوا عليه كالذئاب البشرية، واختطفوه عنوة من داخل المنزل بعد أن اعتدوا عليها وعلى والده المسن بالضرب المبرح، ووصل بهم الفجر في الخصومة إلى تهديد الأسرة بإشعال النيران في المنزل بمن فيه حال اعتراضهم على أخذ ابنهم.
وتضيف بصرخة مكتومة: "قلبي محروق على ابني، افتروا علينا واستعرضوا قوتهم على ناس غلابة، ملوش ذنب غير إنه حب بنتهم وعايز يسترها ويجوزها، يقوموا يلبسوه بدلة رقص ويصوروه ويذلوه قدام البلد كلها؟!".
أما والد الشاب، وهو رجل مسن أنهكه المرض، فقد بدا عاجزاً عن استيعاب حجم المأساة التي لحقت بسمعة ابنه، موضحاً لليوم السابع أنه فوجئ في تمام الساعة الثامنة صباحاً بنحو 15 شخصاً مدججين بالأسلحة البيضاء يقتحمون خصوصية منزله، وعندما أخبرهم أن ابنه ليس موجوداً، تظاهروا بأنهم يريدون إنهاء الأمر بالزواج وطلبوا عودته، وهو ما جعل الأب يطمئن ويطلب من ابنته إحضار شقيقها "إسلام" لمقابلة أهل الفتاة.
ويستكمل الأب حديثه بمرارة قائلاً إنه بمجرد وصول إسلام، كشف المتهمون عن وجههم القبيح، حيث أشهروا الأسلحة البيضاء في وجه الجميع، واعتدوا على الشاب بالضرب المبرح الذي خلف إصابات بالغة في جميع أنحاء جسده، ولم يكتفوا بذلك، بل وصل بهم السادية إلى إشعال السجائر في جسد ابنه وكي جلده وهو صامت لا يقوى على الحركة، مؤكداً أنه كان يشاهد ابنه يُذبح أمام عينيه وهو عاجز تماماً عن الدفاع عنه بسبب حالته الصحية المتردية ومرضه الذي أقعده عن الحركة، ليشاهد فلذة كبده وهو يُساق كالشاة إلى الشارع ليواجه مصيراً أسود من الإذلال والمهانة.
في تلك الأثناء، سادت حالة من الارتياح والسكينة شوارع قرية ميت عاصم ببنها، عقب التحرك السريع والناجز لرجال الشرطة بمديرية أمن القليوبية، والذين نجحوا في وقت قياسي في تحديد هوية الجناة وإلقاء القبض عليهم، وتطهير القرية من هؤلاء الذين حاولوا فرض "قانون الغابة" وترهيب المواطنين الآمنين، حيث أثنى الأهالي على دور وزارة الداخلية في إعادة الحق لأصحابه ومنع تفاقم الفتنة في القرية.
وأصدرت وزارة الداخلية بياناً رسمياً كشفت فيه ملابسات مقطع الفيديو المتداول، مؤكدة أن الفحص الأمني الدقيق مكن الأجهزة من تحديد وضبط مرتكبي الواقعة وهم 9 أشخاص، من ضمنهم سيدتان، جميعهم مقيمون بدائرة مركز شرطة بنها. وأكد البيان أن المتهمين أقروا في اعترافاتهم أمام جهات التحقيق بقيامهم بالتعدي بالضرب على المجني عليه "عامل" وإحداث ما به من كدمات وسحجات، ثم إجباره على ارتداء ملابس نسائية وتصويره في الشارع محل سكنه، وذلك بسبب الخلافات الناتجة عن علاقته العاطفية بنجلة إحدى المتهمات.
ومن الناحية القانونية، يواجه المتهمون في هذه الواقعة حزمة من العقوبات الرادعة التي نص عليها قانون العقوبات المصري، حيث تندرج أفعالهم تحت بنود "البلطجة واستعراض القوة" وفقاً للمادة 375 مكرر، والتي تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة تصل إلى مئات الآلاف، وتصل العقوبة إلى السجن المشدد إذا وقع الفعل من شخصين أو أكثر أو باستخدام أسلحة.
كما يواجهون اتهامات "الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة" عبر تصوير المجني عليه في وضع مهين ونشر ذلك عبر وسائل التواصل، وهي الجريمة التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة، بالإضافة إلى اتهامات "هتك العرض والقذف" و"الاحتجاز بدون وجه حق"، وتصل العقوبات في مجموعها إلى السجن لسنوات طويلة نظراً لتعدد الجرائم ووحشيتها، وهو ما ستفصل فيه جهات التحقيق والنيابة العامة التي تسلمت ملف القضية بالكامل.
تبقى واقعة ميت عاصم درساً في أهمية سيادة القانون، ورسالة واضحة بأن الدولة بجهوزيتها الأمنية لن تسمح بأي محاولة للنيل من كرامة المواطن أو ترويع الآمنين، وأن القضاء سيكون بالمرصاد لكل من سولت له نفسه أن يتجاوز حدود الشرع والقانون بدافع الانتقام الشخصي، لتبقى "هيبة الدولة" هي الحصن المنيع لكل المظلومين.