وسط أزقة القاهرة التاريخية وحواري القرى المصرية، لم يكن فانوس الورق يوماً مجرد وسيلة للزينة، بل كان تعبيراً عن فلسفة البقاء وإعادة التدوير قبل أن تعرفها المختبرات الدولية، اليوم ومع تزايد الوعي البيئي، يعود الفانوس الورقي والزينة المصنوعة يدوياً ليتصدرا المشهد كبديل أخضر ومستدام أمام طوفان الفوانيس البلاستيكية المستوردة.

زينة رمضان بالخيامية
ثورة الورق ضد "العدو البلاستيكي"
لسنوات طويلة، استسلمت الأسواق للفانوس البلاستيكي المصمت الذي ينتهي به المطاف في مكبات النفايات كعبء بيئي ثقيل، لكن التحول الأخير نحو الاستدامة أعاد الاعتبار للورق المقوى والمناديل الملونة، ويقول خبراء البيئة إن الفانوس الورقي يمثل "صفر نفايات"، فهو قابل للتحلل، وغالباً ما يُصنع من مخلفات الورق أو الكرتون المعاد تدويره، مما يقلل من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن صناعة البلاستيك التقليدية.

شباب يشاركون فى الفكرة

تعليم الاطفال صناعة زينة رمضان من الورق
أنامل ناعمة تصبغ رمضان بالأخضر
في غرف منزلية بسيطة وورش حرفية صغيرة، تقود النساء اليوم ثورة خضراء في صناعة زينة رمضان، لم يعد التصنيع مجرد هواية، بل تحول إلى فرص عمل خضراء بامتياز، ومئات السيدات تعلن أسرهم من خلال قص وتشكيل ورق "الكريب" و"الكانسون"، وإبداع مستدام لاستبدال الغراء الكيميائية بمواد لاصقة طبيعية، واستخدام بقايا القماش الخيامية لتطعيم الورق، مما يخلق منتجاً فريداً لا يشبه القوالب المصبوبة آليا، حيث ان الفانوس الورقي يحمل روح صانعه، أما البلاستيك فهو مجرد قطعة باردة من المصنع"، هكذا تصف إحدى السيدات العاملات في مبادرة زينة مستدامة بالمؤسسة الخضراء لأصدقاء البيئة والتنمية المستدامة عملها الذي يجمع بين التراث وحماية كوكب الأرض.

زينة رمضان
الزينة الورقية اقتصاد "دوار"
لا يتوقف الأمر عند الفانوس، بل يمتد إلى حبال الزينة التي تشق سماء الشوارع المصرية. التحول من الزينة البلاستيكية (التي تتطاير وتتسبب في انسداد المجاري المائية) إلى الزينة الورقية أو القماشية المنسوجة يدوياً، يمثل تطبيقاً عملياً لـ "الاقتصاد الدوار". هذه الزينة يمكن تخزينها واستخدامها لسنوات، أو التخلص منها دون إلحاق الضرر بالتربة.

قطعة فنية من الكارتون
مستقبل صناعة فوانيس رمضان
مستقبل هذه الصناعة في مصر يبدو واعداً لعدة أسباب، منها التكلفة فالورق يظل خياراً اقتصادياً للعائلات في ظل ارتفاع أسعار المواد الخام البتروكيميائية، والهوية المصرية، حيث ان هناك حنين متزايد للأصالة المصرية التي يمثلها الفانوس الورقي التقليدي، إضافة الى الاستثمار في البشر، حيث توفر هذه الصناعة ملاذأ آمناً للمرأة المعيلة والشباب للعمل من المنزل بمدخلات بسيطة ونتائج مبهرة.

ورش العمل لتعليم الاطفال عمل زينة رمضان من الكارتون والورق

بعد الانتهاء من التصنيع
غرس بذور الاستدامة في وجدان الأطفال
لا يكتمل التحول نحو "البيئة الخضراء" دون تمرير الشعلة إلى الجيل القادم؛ لذا بدأت العديد من الجمعيات الأهلية والمبادرات الشبابية في تنظيم ورش عمل تحت شعار "اصنع فانوسك بيدك.. واحمهِ بيئتك". هذه الورش لا تعلم الأطفال فنون القص واللصق فحسب، بل تغرس فيهم مفاهيم عميقة لقيمة الموارد، حيث انه يتعلم الطفل كيف يحول علبة كرتون فارغة أو مجلة قديمة إلى تحفة فنية تضيء ليالي رمضان، مما يغير مفهومه عن "النفايات" لتصبح "موارد مهدرة"، إضافة الى الارتباط العاطفي، فالفانوس الذي يصنعه الطفل بيده وبمساعدة والدته أو معلمته، يخلق لديه ارتباطاً وجدانياً بالمنتج المستدام، مما يجعله ينفر من استهلاك المنتجات البلاستيكية "سريعة التلف"، ويعمل على تنمية المهارات الخضراء، اذ تساهم هذه الأنشطة في اكتشاف مواهب فنية بين الصغار، قد تتحول مستقبلاً إلىمشروعات ريادية صغيرة في مجال إعادة التدوير الفني.

الوعى البيئى فكرة تنمو مع الطفل

فانوس رمضان بالخيامية
عودة الفانوس الورقي ليست مجرد "نوستالجيا" للماضي
إن عودة الفانوس الورقي ليست مجرد "نوستالجيا" للماضي، بل هي خطوة واعية نحو "مستقبل أخضر"، ففي كل مرة نختار فيها فانوساً ورقياً أو زينة يدوية، نحن لا نحتفل برمضان فقط، بل نمنح قبلة الحياة لبيئتنا ونفتح باب رزق لسيدة مصرية اختارت أن تبدع بيديها، حيث إن ورشة الفانوس هي في حقيقتها فصل دراسي بيئي مفتوح، حيث يتعلم الطفل أن البهجة لا تتطلب بالضرورة استهلاك موارد الكوكب، بل تتطلب فقط قليلاً من الخيال، وورقة ملونة، وكثيراً من الحب للبيئة.