نيران كاشفة لواقع معقد لم يكن حريق مخزن الوقود البديل RDF بمنطقة منشأة ناصر مجرد حادث عابر، بل كان جرس إنذار كشف عن عمق الأزمة في واحدة من أكبر بؤر التدوير غير الرسمي في العالم، بين أكوام المخلفات التي تمثل مصدراً للرزق لآلاف الأسر، وبين تهديدات الاشتعال الذاتي والسموم البيئية، تقف الحكومة اليوم أمام تحدي العبور الآمن، وبحث كيف نحمي المنطقة من الاحتراق دون أن نحرق مصدر دخل قاطنيها؟
مكمن الخطر والمشكلة الحقيقة وسيناريو الحل
الوقود البديل في حضن الوحدات السكنية، حيث تكمن الأزمة الحقيقية في تداخل الأنشطة الصناعية الخطرة مع الكتلة السكنية المزدحمة، وأن وجود أنشطة مثل تخريز البلاستيك وإنتاج الوقود البديل داخل مناطق غير مجهزة، يحول المنازل إلى مخازن للمواد القابلة للاشتعال، بالتوازى مع غياب التنظيم الرسمي الذى يجعل من الصعب تطبيق اشتراطات الحماية المدنية، ما يحول أي شرارة صغيرة إلى كارثة بيئية وإنسانية.
سيناريو الحل.. الحصر والتصنيف والدمج الآمن
ترسم وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة الدكتورة منال عوض ملامح الخروج من النفق عبر استراتيجية الحلول الجذرية، وهى الفصل الجغرافي للأنشطة الخطرة، واصدار قرار حاسم بمنع إنتاج (RDF) داخل الحيز السكني ونقله فوراً للمصانع الرسمية المجهزة بيئياً.
خريطة الحرف البيئية
ويأتي البدء في حصر شامل وتصنيف لكل ورشة ومخزن بمنشأة ناصر، ليس بهدف الإغلاق، بل لـ "تقنين الوضع" وضبط المعايير، وتفعيل الرقابة الردعية من خلال تطبيق القانون وتحرير محاضر ضد المخالفين لمنع عودة الأنشطة الخطرة إلى المناطق المأهولة.
ثقافة المنبع مفتاح السر في يد المواطن
وفى هذا السياق تطرح الدكتورة ليلى إسكندر وزيرة البيئة الأسبق رؤية حل الاستدامة الاجتماعية، وأن الحل ليس فقط في ترحيل المخلفات، بل في الفصل من المنبع، بهدف القضاء على فرز المخلفات العضوية يدوياً داخل منشأة ناصر، من خلال الآلية الخاصة بتوجيه المخلفات العضوية مباشرة من البيوت إلى أماكن المعالجة والسماد، ما يقلل الحمل البيئي على العاملين ويحمي صحتهم.
صوت الميدان: لا ضرر ولا ضرار
وعلى لسان شحاته المقدس نقيب الزبالين بمنشاة ناصر وممثل العاملين بالمنطقة، تأتي الاستجابة واضحة، بإعادة التخطيط الشامل هي المطلب، مؤكدا أن العمال هناك يدركون أن غياب التنظيم يهدد أرواحهم وممتلكاتهم قبل أي شيء آخر، والحل يكمن في تطوير الأنشطة الحرفية لتتطابق مع اشتراطات السلامة، مع الحفاظ على "اقتصاد التدوير" الذي تعيش عليه المنطقة.
إن تحويل منشأة ناصر من منطقة عشوائية للفرز إلى منطقة حرفية خضراء" منظمة هو السيناريو القادم، حيث أن الدولة لا تبحث عن مسكنات، بل عن مخطط كامل يضمن استدامة التشغيل ومضاعفة العمل، مع ضمان ألا تشتعل النيران مجدداً في قلوب أو بيوت سكان المنطقة.