لم تعد السياسة حبيسة القاعات المغلقة ولا رهينة البيانات الرسمية المطولة. في زمن الشاشات الصغيرة صار الخبر يولد على هاتف محمول ويتحول في دقائق إلى قضية رأي عام وقد ينتهي في الساعات نفسها إلى اتهام أو شائعة أو حملة تشويه. السوشيال ميديا لم تغير فقط طريقة تلقي السياسة بل أعادت صياغة الخطاب السياسي نفسه شكلا ومضمونا وتأثيرا .. قبل سنوات قليلة كان السياسي يخاطب جمهوره عبر خطاب محسوب الكلمات يراجع أكثر من مرة وتقاس ردود الفعل عليه ببطء. اليوم كلمة واحدة قد تكتب على فيسبوك أو إكس أو تقال في مقطع فيديو قصير قادرة على إشعال جدل واسع أو قلب اتجاه رأي عام أو فتح باب أزمة لا يمكن إغلاقه بسهولة. السرعة هنا ليست ميزة فقط بل خطر أيضا .. السوشيال ميديا منحت السياسة ديمقراطية غير مسبوقة في الوصول. المواطن العادي صار قادرا على التعليق والنقد والسخرية والدعم وأحيانا على صناعة الترند نفسه. هذه المساحة الواسعة من التعبير كسرت احتكار المنصات التقليدية للخطاب العام وجعلت السياسي تحت ضغط دائم: ضغط التفاعل وضغط الصورة وضغط اللايك والترند. في هذا المناخ لم يعد المهم فقط ماذا تقول بل كيف يستقبل ما تقول وكيف يعاد تدويره وكيف يقص ويمنتج ليخدم سرديات مختلفة .. لكن الوجه الآخر لهذه الديمقراطية الرقمية هو الفوضى. فكما أن المعلومة تنتشر بسرعة تنتشر الشائعة بسرعة أكبر. وكما أن التحليل الرصين يجد طريقه إلى الجمهور يجد التضليل طريقه أسرع وأسهل. هنا تبدأ معركة التأثير والتشويه. فالتأثير لم يعد حكرا على أصحاب الرؤى العميقة بل أصبح متاحا لمن يملك مهارة العنوان الصادم أو الفيديو المقتطع بذكاء أو الجملة القابلة للاجتزاء من سياقها .. في هذا السياق تغير شكل الخطاب السياسي نفسه. كثير من السياسيين صاروا يميلون إلى الجمل القصيرة والشعارات المباشرة والرسائل السهلة الهضم. ليس لأن القضايا أصبحت أبسط بل لأن طبيعة المنصات تفرض إيقاعها. منشور من ثلاث فقرات قد لا يقرأ بينما جملة واحدة مصحوبة بصورة قد تحقق انتشارا أوسع. النتيجة أن السياسة في كثير من الأحيان تختزل في عناوين وتختصر في مشاهد وتدار بمعايير المشاهدة والمشاركة أكثر مما تدار بمعايير العمق والتفكير طويل المدى.
الأخطر من ذلك أن السوشيال ميديا كسرت الحدود بين الرأي والمعلومة. كثير من المستخدمين يتعاملون مع ما يظهر على شاشاتهم باعتباره حقيقة لمجرد أنه حصد تفاعلا واسعا أو تداوله عدد كبير من الناس. هنا يصبح التشويه جزءا من المشهد اليومي ليس بالضرورة بنية سيئة دائما بل أحيانا نتيجة الجهل أو التسرع أو الرغبة في السبق والانتشار.
ولا يمكن تجاهل دور اقتصاد الانتباه في هذا كله. المنصات لا تكافئ بالضرورة المحتوى الأكثر دقة بل تكافئ المحتوى الأكثر إثارة. الغضب، السخرية، الصدمة، كلها مشاعر ترفع نسب التفاعل. ومع الوقت يتعلم بعض الفاعلين في المجال السياسي كيف يصيغون رسائلهم لتناسب هذا المزاج العام: تصريح مستفز أو اتهام مباشر أو وعود كبيرة بلا تفاصيل. المهم أن تبقى في دائرة الضوء .. في المقابل لا يمكن إنكار أن السوشيال ميديا فتحت بابا مهما للمحاسبة والشفافية. لم يعد من السهل إخفاء تناقضات التصريحات أو التراجع عن الوعود من دون أن يذكرك بها الجمهور. الأرشيف الرقمي حاضر واللقطات القديمة تعود للظهور في أي لحظة. هذا الجانب الإيجابي يعيد بعض التوازن ويجعل السياسي أكثر حذرا وأكثر وعيا بأن كل كلمة قد تستدعى لاحقا.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في وجود السوشيال ميديا بل في كيفية التعامل معها. هل نترك الخطاب السياسي أسيرا للترند؟ أم نحاول استعادة بعض العمق والعقلانية في النقاش العام؟ المسؤولية هنا مشتركة: على السياسي أن يقاوم إغراء الاختزال المخل وعلى الإعلام أن يلعب دورا أكثر مهنية في التحقق والتفسير وعلى الجمهور أن يتعلم التفرقة بين الرأي والمعلومة وبين النقد المشروع وحملات التشويه.. في النهاية السياسة على الشاشات الصغيرة واقع لا يمكن الهروب منه. لكنها إما أن تكون أداة لرفع الوعي وتوسيع دائرة المشاركة أو تتحول إلى ساحة ضجيج تدار فيها المعارك بالانطباعات لا بالحقائق. الفارق بين الطريقين تصنعه طريقة الاستخدام ودرجة الوعي وقدرتنا على الدفاع عن فكرة بسيطة لكنها جوهرية: أن الكلمة ما زالت مسؤولية حتى لو كتبت في منشور من سطرين.