عندما يُعثر على جثة مجهولة الهوية في منطقة نائية أو داخل جدران مغلقة، يقف رجال البحث الجنائي أمام أحد أصعب الاختبارات الميدانية.
الضحية لا تتكلم، والجاني ظن أنه بتجريد الجثة من أوراقها الثبوتية وإخفاء معالمها قد طمس الحقيقة للأبد، لكن في عالم التحريات الجنائية، تشكل الجثة المجهولة نقطة الانطلاق لرحلة علمية واستقصائية لا تتوقف إلا عند فك الشفرة الكاملة للجريمة.
مسح مسرح الحادث وتقنيات التحديد
يقول خبير علوم مسارح الجريمة اللواء خالد الشاذلي في تصريحات لجريدة اليوم السابع: تبدأ الخطوة الأولى من النقطة صفر؛ حيث يضرب ضباط المباحث برفقة خبراء المعمل الجنائي سياقاً أمنياً حول موقع العثور.
يُفحص الجثمان ظاهرياً لدراسة طبيعة الإصابات وتحديد التوقيت التقريبي للوفاة، بالتوازي مع ذلك، يُرفع ملف كامل للبصمات، وتُسحب عينات الحمض النووي "DNA"، كما يُستعان بخبراء الطب الشرعي لرسم صورة تقريبية لشكل الضحية، وفحص العلامات المميزة كالجروح القديمة، والوشوم، وطبيعة العلاجات السنية، والتي تمثل مفاتيح رئيسية للتعرف على هوية صاحب الجثمان.
تتحول غرفة العمليات إلى خلية نحل تعمل على مسارين متوازيين، الأول ينصب على مطابقة البيانات الفنية للحمض النووي والبصمات مع قواعد البيانات الوطنية وقوائم المفقودين المحررة في المحافظات خلال الفترات الأخيرة.
أما المسار الثاني فيعتمد على الفحص الميداني وتفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بموقع العثور ومسارات الطرق المؤدية إليه، لتحديد المركبات أو الأشخاص الذين ترددوا على المنطقة في وقت مقاربة لارتكاب الحادث.
كشف المستور وإسقاط الجاني
بمجرد تحديد هوية الضحية، تتكشف أولى خيوط اللغز؛ إذ يبدأ الفريق في سير أغوار حياتها الشخصية، وتتبع دائرة علاقاتها، وخلافاتها الأخيرة، والأنشطة المالية أو الاجتماعية التي سبقت اختفاءها.
هنا تضيق دائرة الاشتباه تدريجياً حول الجاني الذي ظن أن الجثة المجهولة ستظل طي الكتمان، وبمواجهة المشتبه به بالدلاائل والأدلة القطعية، تنهار رواياته الفاسدة ويعترف بتفاصيل جرمه.
انتصار العدالة وشمولية الفحص
تؤكد قضايا الجثث المجهولة أن التطور التقني والمهارة الميدانية لدى أجهزة وزارة الداخلية يشكلان حائط صد منيعاً ضد محاولات الإفلات من العقاب.
إن فك شفرة هذه الجرائم المعقدة يبرهن دائماً على أنه لا يوجد أثر يضيع في العدالة، وأن جهود البحث الجنائي قادرة على تحويل بقايا الدلائل الصامتة إلى شهادة إثبات دامغة تقتص للضحايا وتضع الجناة خلف الأسوار.