<< 1500 نداء استغاثة في ليلة واحدة.. الدفاع المدني بغزة: مخيمات كاملة غرقت والنازحون يواجهون الموت بردا
<< اللجنة المصرية تكشف تدخلاتها الميدانية في مختلف محافظات
<< منسوب المياه بلغ مترا ونصفا في بعض المناطق داخل القطاع
<< 1.98 مليون فلسطيني بحاجة إلى مساعدات الإيواء
<< وزير الصحة الفلسطيني: غزة تواجه تهديدا متصاعدا للصحة العامة وليس مجرد أزمة شتوية عابرة
<< الدفاع المدني: لا نستطيع مواجهة الكارثة وحدنا ونقص المعدات والوقود يعطل إنقاذ آلاف النازحين
لم تعد الأمطار في غزة بشارة خير، بل تحولت إلى كابوس جديد يطارد آلاف العائلات التي أنهكتها الحرب، بعدما غمرت مياه السيول خيام النازحين، وحولت أماكن إيوائهم إلى برك من المياه والوحل، لتجد الأسر الفلسطينية نفسها في مواجهة قسوة الشتاء بلا مأوى يحميها ولا غطاء يقي أطفالها البرد.
وفي مشهد تختصر فيه المأساة كل معاني العجز الإنساني، يحاول الآباء إنقاذ ما تبقى من أمتعتهم، بينما تحتضن الأمهات أطفالهن بحثا عن بعض الدفء وسط خيام غارقة وفرش مبتلة وملابس أتلفتها المياه، حيث أعلن المكتب الإعلامي الحكومى بالقطاع خلال بيان له، أمس عن غرق 70,000 خيمة تؤوي عشرات الآلاف من النازحين، إلى جانب انهيار عشرات الجدران مما تسبب بوقوع إصابات مختلفة، بينها إصابات خطيرة في مختلف محافظات القطاع.
وحذر خلال بيانه من انهيار عشرات المباني المتصدعة والآيلة للسقوط والمعرضة لخطر الانهيار بسبب تعرضها للقصف خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة المستمرة منذ 3 سنوات متواصلة، مشيرا إلى بلوغ التقديرات الأولية للخسائر المباشرة لبداية هذا المنخفض نحو 3 ملايين دولار حتى الآن.
وحمل، الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن هذه التداعيات الكارثية، جراء استمراره في إغلاق المعابر ومنع إدخال مواد الإيواء ومواد الإعمار الأساسية التي يحتاجها أبناء الشعب الفلسطيني بشكل عاجل، مطالبا المجتمع الدولي، والمنظمات الأممية والدولية كافة، بالتدخل الفوري والوقوف أمام مسؤولياتهم الإنسانية والقانونية والأخلاقية والتاريخية لإنقاذ حياة النازحين وتوفير مقومات الصمود والحماية لهم.
لمن يسأل عنا الآن.. نحن نغرق
في غزة، لم تعد المعاناة تتوقف عند حدود الحرب والدمار والنزوح، فحتى السماء التي ينتظر منها الناس المطر والخير، أصبحت تحمل للنازحين مأساة جديدة، بعدما اجتاحت الأمطار الغزيرة مخيمات الإيواء، وأغرقت الخيام المتهالكة، واقتلعت بعضها، لتجد آلاف الأسر نفسها في مواجهة البرد والمياه دون سقف يحميها أو فراش جاف يأوي أطفالها.
وبكلمات تختصر وجع مدينة بأكملها، نقلت الصحفية الفلسطينية يافا أبو عكر جانبا من هذه المأساة الإنسانية، في شهادة مؤثرة من قلب المعاناة، قائلة: "لمن يسأل عنا الآن.. أمطار قوية تغرق الخيام وتقتلعها، وبرد يغزو أجساد الصغار، والماء يتسرب إلى الفراش، وأطفال ببطانيات مبللة يرتجفون، يلتصقون بأجساد أمهاتهم بحثًا عن بعض الدفء".
وأضافت :" لا شيء جاف هنا، وبحر هائج بجوار خيامنا، وصرخات توجع القلب مع كل قطرة مطر تسقط علينا، تسقط دموعنا مثل النهر".

غرق خيام في غزة
ليست هذه الكلمات مجرد وصف لحالة الطقس، بل شهادة إنسانية تختزل مأساة آلاف العائلات التي وجدت نفسها محاصرة بين مياه الأمطار وبرودة الشتاء، بعدما فقدت منازلها ومصادر الأمان، ولم يعد لديها سوى خيام لا تقوى على مواجهة الرياح أو صد المياه.
وفي مشهد أكثر قسوة، تتحول الخيمة التي يفترض أن تكون ملاذا أخيرا للنازحين إلى مساحة غارقة بالمياه، ويصبح الفراش المبتل مكانا لنوم الأطفال، فيما تحاول الأمهات احتضان صغارهن بأجسادهن، بحثًا عن دفء لم تعد توفره البطانيات التي غمرتها الأمطار.
وتتضاعف المأساة مع وجود مخيمات النزوح بالقرب من شاطئ البحر، حيث تتداخل مياه الأمطار مع اضطراب البحر وارتفاع الأمواج، وسط نقص الإمكانات وغياب وسائل الحماية والتدفئة، لتصبح كل ليلة باردة اختبارًا جديدًا لقدرة هذه الأسر على الصمود.
صرخة يافا أبو عكر ليست مجرد نداء عابر، بل رسالة من قلب غزة إلى العالم، تقول إن هناك أطفالا يرتجفون من البرد، وأمهات لا يجدن ما يحمين به أبناءهن، وعائلات لا تطلب سوى خيمة لا تغرق، وفراش جاف، وليلة تمر دون خوف أو استغاثة.
أطفال داخل خيام غارقة
وأعلن الدفاع المدني بغزة، أن كافة المناطق في القطاع تواجه ظروفا كارثية في ظل المنخفض الجوى، مشيرا إلى انهيار 3 منازل في مناطق عدة بالقطاع منذ صباح أمس دون إصابات.
1500 نداء استغاثة
وقال خلال بيان له :" تلقينا منذ بدء المنخفض الجوي أكثر من 1500 نداء استغاثة من مواطنين تضررت خيامهم ومراكز إيوائهم في جميع محافظات قطاع غزة"، مناشدا ول العالم عدم التغافل عن الحالة الإنسانية القاسية التي يواجهها أهالي القطاع
وأضاف :"️سجلنا غرق مخيمات بأكملها في جميع مناطق ومدن قطاع غزة منذ فجر أمس"، موضحا أن ️المواطنين النازحين بأطفالهم ونسائهم يغرقون الآن وتجرف الأمطار خيامهم رغم المناشدات والنداءات الإنسانية العديدة التي أطلقناها لإنقاذهم قبل أن نرى هذه المشاهد المأساوية في المخيمات.

خيمة المواطن نضال حماد بعد غرقها بسبب المطر
وأكد أن ️الدفاع المدني وحده لا يستطيع مواجهة تداعيات هذا المنخفض في ظل حجم الكارثة ونقص الإمكانات ومعدات سحب المياره من المناطق التي تتجمع فيها مياه الامطار ، بل إن المسؤولية تتطلب تكاتف جميع المؤسسات المحلية والدولية، وتوفير الدعم العاجل من معدات وآليات ووقود ومواد إغاثية.
وأشار إلى أن الأولوية اليوم هي حماية أرواح المواطنين وخاصة الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى ومنع تحول المنخفض الجوي إلى كارثة إنسانية جديدة تضاف إلى معاناة أهلنا في قطاع غزة.
كما أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أن مخزون إمدادات الطوارئ بغزة لا يكفي لتلبية احتياجات متضرري الأمطار، مشيرا في بيان له، أنه يجب السماح بدخول الإمدادات الشتوية فورا.
شتاء لا يرحم النازحين
لا يأتي الشتاء محملا بالمطر وحده داخل غزة، بل يحمل معه فصولا جديدة من المعاناة، حيث تتحول الخيام إلى برك من المياه، والبطانيات إلى أغطية مبللة، ويصبح البحث عن مكان جاف يحتمي فيه الأطفال حلما يوميا بعيد المنال.
بعد ثلاث سنوات من الحرب، ومع الدخول في عامها الرابع، يتكرر المشهد الإنساني القاسي في القطاع، مع كل منخفض جوي، خيام تغرق، وأخرى تقتلعها الرياح، وأسر تحاول إنقاذ ما تبقى من أمتعتها، وأطفال يرتجفون من البرد، وسط تساؤلات تتكرر كل شتاء: لماذا لا يستعد أهل غزة للأمطار؟ ولماذا تتكرر مأساتهم مع كل موسم شتوي؟
الكاتبة الفلسطينية نجيا محمود تطرح سؤالا أكثر عمقا ووجعا: ومن قال إن الغزيين لا يستعدون للمطر؟ فهؤلاء يفعلون كل ما يستطيعون، ويدفعون كل ما يملكون استعدادا لمواجهة الشتاء، إلا أن مفاجآت الطبيعة تأتي دائمًا أكبر من إمكاناتهم، وأقسى من قدرتهم على الاحتمال.

غرق خيمة في منطقة المواصى
وتوضح نجيا محمود أن سكان غزة لا يتركون وسيلة إلا ويلجأون إليها؛ يجمعون ما تيسر من أكياس الرمل، ويرقعون قطع النايلون، ويحاولون رفع الخيام عن مستوى الأرض، ويبحثون عن أي وسيلة تحول دون تسرب المياه إلى أماكن نومهم، لكن المشكلة أن الاستعداد وحده لا يكفي حين تكون الإمكانات شبه معدومة، وحين يصبح النازح محاصرا بين خيمة متهالكة وأرض لا تمتص مياه الأمطار.
وتكشف الكاتبة عن تفاصيل قاسية قد لا يدركها كثيرون ممن يشاهدون مشاهد الغرق من بعيد، أبرزها فقدان أبسط مواد العزل والحماية، ففي الظروف الطبيعية، يعتمد النازحون على النايلون السميك والشوادر القوية لحماية أسقف الخيام، لكن بعد سنوات من النزوح والاستهلاك، لم تعد هذه المواد متاحة كما كانت، وأصبح البعض يضطر إلى استخدام قطع قماش ممزقة وأكياس دقيق فارغة لترقيع الخيام، وهي وسائل لا تصمد أمام الأمطار الغزيرة ولا تمنع تسرب البرد.
أما الكارثة الأكبر فتبدأ عندما تتشبع الأرض بالمياه، حيث تتحول الخيمة من مأوى مؤقت إلى مساحة محاصرة بالسيول والرطوبة، فلا يملك النازحون رفاهية استبدال الفرش المبتل، ولا تتوافر لهم دائما الشمس اللازمة لتجفيفه، بينما يصبح الحطب مبللا والبطانيات القليلة التي يمتلكونها مثقلة بالمياه، فيجد الأطفال أنفسهم مضطرين إلى قضاء الليل فوق أرض رطبة وباردة، دون الحد الأدنى من مقومات الحماية.
سقوط سقف من بناية في غزة بسبب المنخفض الجوي
وتلفت نجيا محمود إلى أن أماكن النزوح ليست مخيمات مجهزة ببنية تحتية وشبكات لتصريف مياه الأمطار، وإنما مساحات من الأراضي الرملية والطينية والطرقات العامة، تفتقر إلى وسائل التصريف المناسبة، ما يجعل تجمع المياه حول الخيام أمرا بالغ الخطورة، ويحاصر العائلات داخل مساحات ضيقة يصعب الخروج منها أو الوصول إليها.
وتضيف أن تشبع التربة بالمياه يجعلها عاجزة عن امتصاص المزيد من الأمطار، فتبدأ المياه في الارتفاع والتسرب من أسفل الخيام، لتغمر الفرش والأغطية وما تبقى من ممتلكات الأسر خلال وقت قصير، فكيف يمكن لخيمة مصنوعة من القماش والنايلون المهترئ أن تصمد أمام طوفان من المياه، أو أن توفر الحماية لعائلة فقدت منزلها وكل ما كانت تملكه؟
الشتاء في غزة، كما تصفه الكاتبة، لا يأتي بالمطر وحده، إنه يأتي محملا بأصوات ومشاهد تعيد فتح جراح الحرب، فصوت المطر وهو يضرب أسقف النايلون يشبه في وقعه صوت الرصاص، والرعد الذي يهز السماء يعيد إلى الذاكرة أصوات الانفجارات والغارات.
وتصف نجيا محمود تلك اللحظات التي يستيقظ فيها النازحون على ومضات البرق التي تضيء الخيام في منتصف الليل، فتتكشف أمام أعينهم تفاصيل المكان الغارق بالمياه، بينما يختلط صوت الرعد بالخوف القديم، ويجد الإنسان نفسه عاجزا عن التمييز بين عاصفة شتوية وخطر القصف الذي عاشه طويلا.
تضرر 350 ألف نازح
وقال الدفاع المدني بغزة، إنه أعلن منذ يوم الجمعة حالة الطوارئ القصوى للتعامل مع تداعيات المنخفض الجوي الماطر ولتلبية ما تستطيع من نداءات الاستغاثة التي تتلقاها من الأسر المنكوبة بفعل المنخفض الجوي.
وأضاف أن كافة مناطق قطاع غزة تواجه الآن كارثة إنسانية جديدة مع دخول قطاع غزة أول منخفض جوي ماطر، لافتا إلى عشرات المخيمات بما فيها من خيام ومراكز إيواء بل إن مناطق سكنية بأكملها تشهد غرقا بفعل مياه الأمطار الغزيرة، فقد بلغ منسوب المياه في بعض المناطق المتر والنصف.
وأوضح أن غرف الاستغاثة التابعة للدفاع المدني تلقت منذ بدء المنخفض الجوي 2166 نداء استغاثة من المواطنين ومن إدارات مخيمات النازحين ومراكز الإيواء ومن الأسر التي كانت قد تأثرت منازلها من القصف الإسرائيلي.
وقال إن طواقم الإنقاذ تمكنت بالتعاون مع البلديات والجهات المختصة في محافظات القطاع من تلبية 218 نداء فقط من اجمالي نداءات الاستعاثة، بينما اعتمدت في باقيها على توجيه ارشادات للأسر التي تواجه الغرق لعدم استطاعتنا الاستجابة للكم الهائل من النداءات.

محاولات شفط المياه في غزة
وأوضح أن تداعيات أول منخفض جوي كشف عظم الكوارث الإنسانية التي يواجهها المواطنون في غزة ويعد بمثابة نذير خطر بأننا أمام كوارث أخرى مالم يتحرك الجميع لاسيما مع تحذيرات الأرصاد الجوية بأن موسم الشتاء هذا العام سيكون غزيرا بالأمطار والعواصف.
وجدد ندائه الإنساني لكافة دول العالم بأنه لا مجال للتغافل عن الحالة الإنسانية القاسية التي يعانيها المواطنون في غزة وأنه يجب الضغط الفعلي على الاحتلال للسماح بإدخال معدات وآليات الانقاذ الخاصة بحوادث الشتاء.
كما طالب مجددا بالعمل الفعلي والعاجل لادخال الخيام والشوادر البلاستيكية والبيوت المتنقلة "الكرفانات" لإغاثة وايواء النازحين، مطالبا بالسماح لدعم عمل الدفاع المدني بالوقود اللازم لتمكين كواقمنا من الاستجابة للتدخلات الإنسانية والتي تتضاعف نسبتها خلال موسم الشتاء.
كما كشف عن تضرر 350 ألف نازح تضرروا بسبب المنخفض الجوي الذي ضرب القطاع، محذرا من كارثة إنسانية مع دخول فصل الشتاء، جراء تضرر خيام ومراكز إيواء في مختلف محافظات القطاع، خاصة مع تسجيل غرق مخيمات بأكملها في مناطق ومدن قطاع غزة، وسط غرق عائلات نازحة بأطفالها ونسائها وجرف الأمطار لخيامهم.
وقال :" تشير تقديراتنا إلى غرق وتضرر جميع مراكز الإيواء بفعل الأمطار والرياح، في ظل كارثة إنسانية جديدة تشهدها غزة، و طواقمنا عاجزة عن التعامل مع آلاف نداءات الاستغاثة بسبب شح الإمكانيات، حيث يحتاج القطاع بصورة عاجلة إلى 300 ألف خيمة لإيواء النازحين".

خيام غارقة في غزة
كما حذرت وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، من تداعيات كارثية غير مسبوقة جراء غرق آلاف خيام النازحين ومراكز الإيواء، وتهديد حياة العائلات والأطفال، وخاصة الأيتام والأسر التي فقدت معيلها.
وطالبت الوزارة، خلال بيان لها، الجهات الدولية والمؤسسات الأممية بالبدء الفوري في مشاريع البنية التحتية، وإدخال المعدات اللازمة لإصلاح الشبكات والحد من الغرق المتكرر، داعية إلى إدخال البيوت المتنقلة "الكرفانات" فورا، وإنهاء حقبة الخيام القماشية التي لم تعد صالحة لمواجهة المنخفضات الجوية.
وأشارت إلى أن تحريك الاحتلال ما يسمى بالخط الأصفر ضاعف أزمة الإيواء، وقلص مساحات النزوح وزاد اكتظاظ الخيام، محملة الهيئات الأممية والمنظمات الإغاثية والدولية المسؤولية الكاملة عن حياة النازحين والأطفال، ونطالب بفتح المعابر وإنشاء مراكز إيواء آمنة ومجهزة.
سيدة تصرخ بسبب غرق خيمتها
فيما أكدت وزارة شئون المرأة الفلسطينية، خلال بيان لها، إلى نزوح نحو مليون امرأة وفتاة، ووجود 950 ألف نازح في مواقع معرضة للفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف في مناطق عالية الخطورة، لافتة إلى أن 867 ألف نازح يقيمون في خيام متهالكة، ونحو 162 ألف خيمة بحاجة إلى الاستبدال الفوري.
وأشارت إلى غزة تضم 64,413 أرملة و86,290 أسرة تعيلها نساء، فيما تعاني 702 ألف امرأة وفتاة من انعدام حاد في الأمن الغذائي، محذرة من تفاقم معاناة النساء النازحات في ظل نقص المأوى الآمن والأغطية والغذاء والأدوية والمرافق الصحية.
وناشدت، الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية التدخل الفوري لتوفير خيام مقاومة للأمطار ووحدات إيواء آمنة ومستلزمات الشتاء والرعاية الصحية، محملة المجتمع الدولي والمؤسسات المعنية مسؤولية حماية النساء والأطفال، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل عاجل ومنتظم.
يا وجع النساء في غزة
لا تتوقف المأساة عند غرق الخيام أو تلف الأغطية والفرش، فهناك وجع آخر لا تلتقطه عدسات الكاميرات بسهولة، وهو وجع النساء والأمهات اللاتي يجدن أنفسهن في مواجهة معاناة جديدة مع كل موجة أمطار، يحاولن إنقاذ ما تبقى من ملابس أطفالهن، وحماية صغارهن من البرد، وإخفاء دموعهن حتى لا تتسلل مشاعر الخوف والانكسار إلى قلوب أبنائهن.
ومن قلب هذه المعاناة الإنسانية، يرصد سعيد أبو غازي، استشاري التنمية البشرية في غزة، جانبا بالغ القسوة من مأساة النساء الفلسطينيات، بكلمات تحمل الكثير من الألم، قائلا: "يا وجع النساء حين يغرق ما تبقى لهن من حياة في خيمة لا تقي مطرا ولا تحفظ كرامة، يا حسرة الأمهات وهن يجمعن ثياب أطفالهن المبتلة، ويحاولن إنقاذ ما تبقى من دفء وستر وأمان".
ويضيف :" كم مرة على المرأة في غزة أن تبدأ من الصفر؟ وكم مرة عليها أن تخفي انكسارها لتطمئن أطفالها؟ يا وجع النساء الممتد حتى ارتجافة الروح الأخيرة، حتى المطر صار عبئا آخر على قلوب أنهكتها الحياة".

سيدة غمرت مياه الأمطار خيمتها
هذه الكلمات تختصر جانبا من مأساة المرأة الفلسطينية التي لم تعد تواجه فقط تبعات الحرب والنزوح وفقدان المنزل، بل أصبحت مطالبة يوميًا بخوض معركة جديدة من أجل البقاء، معركة تبدأ من محاولة حماية أطفالها من البرد، ولا تنتهي عند البحث عن قطعة ملابس جافة أو مكان لا تتسرب إليه مياه الأمطار.
المرأة التي فقدت بيتها وذكرياتها وأمانها، تجد نفسها اليوم داخل خيمة متهالكة، تحاول أن تصنع لأطفالها شعورا زائفا بالاستقرار، تجمع الملابس المبتلة، وتعيد ترتيب الأغطية، وتحتضن الصغار المرتجفين، بينما تخفي خلف صمتها خوفًا أكبر من أن تستطيع الكلمات التعبير عنه.
ولا تتوقف معاناتها عند الأعباء المادية والجسدية، بل تمتد إلى ضغوط نفسية متراكمة، فالأم التي تعيش تحت وطأة النزوح والخوف والحرمان، مطالبة في الوقت نفسه بأن تظل مصدر الطمأنينة لأطفالها، حتى في اللحظات التي تكون فيها هي نفسها في أشد الحاجة إلى من يطمئنها ويحتوي وجعها.
ومع كل منخفض جوي، تتجدد الأسئلة المؤلمة: كم مرة ستضطر الأم الفلسطينية إلى البدء من جديد؟ وكم مرة ستجمع ما تبقى من ملابس أطفالها بعد أن تغمر المياه فراشهم؟ وكم ليلة أخرى ستقضيها في محاولة حماية صغارها من البرد، بينما لا تجد لنفسها ولهم مأوى آمنًا؟
وأكدت لجنة الطوارئ العليا في قطاع غزة، أن آلاف البلاغات والمناشدات تصلنا عن غرق آلاف الخيام وتضرر العشرات منها بشكل بليغ والمواطنون يستنجدون بجميع المؤسسات واللجان الفاعلة بالقطاع للتحرك لإنقاذهم مع استمرار غزارة الأمطار.
فيما أعلنت بلدية غزة، كمية الأمطار التي هطلت على المدينة بلغت نحو 60 ملم حتى الآن ما يقارب 15% من المعدل السنوي، مناشدة المؤسسات الدولية ضرورة التدخل العاجل للحد من آثار الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع.
خيام أمام البحر
لا أعرف أين سأنام
لم تعد مأساة النزوح تقتصر على فقدان المنازل والابتعاد عن الذكريات، بل امتدت لتسلب النازحين أبسط حقوقهم الإنسانية، حتى أصبح العثور على مكان جاف وآمن للنوم حلما بعيد المنال، بعدما أغرقت مياه الأمطار خيامهم، وأتلفت ملابسهم وأغطيتهم، وتركتهم في مواجهة ليلة جديدة من البرد والتشرد.
وبكلمات يملؤها الوجع والعجز، تختصر سيناء سعيد، وهي نازحة فلسطينية تقيم في مدينة دير البلح وسط غزة، جانبا من المأساة التي يعيشها آلاف النازحين، قائلة: "لا أعرف أين سأنام هذه الليلة، فلا فراش جاف لدي، ولا ملابس أستطيع ارتداءها، ولا أملك شيئا تقريبا، لم نتمكن من النوم، فالوضع صعب للغاية، أتمنى أن أعود إلى خيمتي وأجلس فيها، لكنني عندما أرى هذا المشهد، والمياه التي أغرقت كل شيء، لا أعرف ماذا أفعل أو إلى أين أذهب".
ليست كلمات سيناء مجرد شكوى من ليلة ممطرة، بل صرخة إنسانية تعكس حجم المأساة التي يعيشها النازحون في غزة، فخيمتها التي كانت تمثل ملاذها الأخير لم تعد صالحة للاحتماء، ومياه الأمطار لم تترك لها مكانا جافا تنام فيه أو ملابس تحميها من البرد، لتجد نفسها أمام سؤال قاس لا تملك له إجابة: أين ستقضي ليلتها؟
ويؤكد وزير الصحة الفلسطيني ماجد أبو رمضان، أن ما يحدث في غزة ليس أزمة شتوية عابرة، محذرا من تفاقم كارثي للأوضاع الصحية والبيئية وتصاعد مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة
ويوجه الوزير الفلسطيني، نداء عاجلا إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الصحية والإنسانية والإغاثية، للتدخل الفوري لإنقاذ حياة مئات آلاف النازحين في القطاع، بعد غرق آلاف الخيام بمياه الأمطار وانعدام مقومات الإيواء الآمن.
فيما أعلنت وكالة "أونروا"، خلال بيان لها، أن نحو 1.98 مليون شخص – أي 94% من سكان غزة- بحاجة ماسة لمساعدات الإيواء بينهم 58% يواجهون احتياجات حرجة أو كارثية.
خيام غارقة
ويقول المستشار الإعلامي لوكالة الأونروا عدنان أبو حسنة، إن اختلاط الأمطار بمياه الصرف الصحي أدت لحصول هذه المشاهد الكارثية بغزة، لافتا إلى أن القطاع ليس بحاجة إلى الأونروا فقط بل إلى دول وإمكانات هائلة لإصلاح البنى التحتية المدمرة، والأمر كله مرتبط بما يسمح الاحتلال بإدخاله.
من جانبها أعلنت اللجنة المصرية في غزة، خطة الطوارئ لمواجهة، عبر تكثيف تدخلاتها الميدانية في مختلف محافظات القطاع من خلال طواقمها وآلياتها لمواجهة تداعيات المنخفضات الجوية، وفتح الطرق، وتأمين مخيمات النزوح، وتوفير الخيام، وتوفير مستلزمات الإيواء، وإزالة المباني الآيلة للسقوط ومصادر الخطر في تحرك لا ينتظر اشتداد العاصفة بل يسبقها لحماية العائلات النازحة وصون كرامتها.
إنها ليست مجرد خيام غرقتها الأمطار، بل حكايات أسر فقدت آخر ما تملك، وأطفال أصبح حلمهم ليلة واحدة دافئة، وأمهات لا يطلبن سوى سقف يحمي صغارهن من المطر، وبينما تتواصل مشاهد الاستغاثة، يبقى السؤال الإنساني الأكثر إلحاحا: إلى متى يظل أهل غزة وحدهم في مواجهة الموت تحت الأنقاض، والبرد داخل الخيام، دون تدخل دولي يضع حدًا لهذه المأساة؟