تفكيك كذبة تمثيل الإخوان الإرهابية للدين.. التنظيم يؤمن بالصفوة المحتكرة لا بالمواطنة.. احتكار الحديث باسم الدين وتحويل الانتماء التنظيمي إلى بوابة للتمثيل السياسي يكشفان التناقض بين الشعارات وحقيقة التنظيم

الأحد، 08 نوفمبر 2026 02:00 م
تفكيك كذبة تمثيل الإخوان الإرهابية للدين.. التنظيم يؤمن بالصفوة المحتكرة لا بالمواطنة.. احتكار الحديث باسم الدين وتحويل الانتماء التنظيمي إلى بوابة للتمثيل السياسي يكشفان التناقض بين الشعارات وحقيقة التنظيم الإخوان

كتب _ هشام عبد الجليل

ادعت جماعة الإخوان الإرهابية على مدار تاريخها امتلاكها مشروعاً قادراً على التعبير عن المجتمع وتقديم نفسها باعتبارها صاحبة الدور الأبرز في توجيه المجال العام، لكنها اصطدمت بحقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها، وهي أن المجتمع المصري لا يمتلكه تنظيم، ولا يمكن اختزال هويته الدينية والوطنية والسياسية في جماعة واحدة، فالمصريون لم يفوضوا تنظيماً بعينه ليتحدث باسمهم، ولم يمنحوا أي جماعة حق احتكار تفسير الدين أو تحديد من يمثل المجتمع ومن يخرج عن تصورها.

التناقض في خطاب التنظيم الإرهابي

وتكشف هذه الحقيقة جوهر التناقض في خطاب التنظيم الإرهابي، الذي سعى إلى توسيع نفوذه من خلال تقديم نفسه باعتباره الممثل الأوحد لقيم ومصالح لا يجوز احتكارها، واستخدمت الجماعة الإرهابية الخطاب الديني في بناء شرعية معنوية تتجاوز حدود المنافسة السياسية المعتادة، فبدلاً من أن تقدم نفسها باعتبارها طرفاً سياسياً يخضع للتقييم والمحاسبة، سعت إلى ربط مشروعها التنظيمي بمعانٍ دينية وأخلاقية واسعة.

ويترتب على هذا الخلط إشكال خطير، لأن الاعتراض على مواقف التنظيم قد يصور في بعض أنماط خطابه باعتباره اعتراضاً على القيم التي يدعي تمثيلها، وهو ما يضعف فرص النقد الموضوعي ويفتح الباب أمام توظيف المشاعر الدينية في الصراع على النفوذ، فالدين ملك للمؤمنين جميعاً، وليس وثيقة ملكية فكرية تمنح جماعة حق التحدث باسمه.

امتلاك قاعدة من الأنصار لا يمنح أي تنظيم الحق في مصادرة أصوات الآخرين

واختزلت هذه العقلية مفهوم التمثيل المجتمعي في القدرة على الحشد والانتشار وامتلاك شبكة تنظيمية، متجاهلة أن التمثيل الحقيقي لا ينفصل عن احترام التعددية والقبول بالتداول السلمي للسلطة والمساواة بين المواطنين، فالمجتمع لا يتكون من أعضاء الجماعة وحدهم، ولا من المؤيدين لخطابها، وإنما يضم ملايين المصريين الذين يملكون رؤى ومواقف مختلفة، ولا يجوز التعامل معهم باعتبارهم كتلة تحتاج إلى وصاية تنظيمية، كما أن امتلاك قاعدة من الأنصار لا يمنح أي تنظيم الحق في مصادرة أصوات الآخرين أو اعتبار نفسه المرجعية الوحيدة لتحديد المصلحة العامة.

الدوائر التنظيمية التي تتصور أنها تمتلك فهماً خاصاً للمجتمع والدين والسياسة

وأنتجت فكرة الصفوة المحتكرة شعوراً بالتفوق لدى الدوائر التنظيمية التي تتصور أنها تمتلك فهماً خاصاً للمجتمع والدين والسياسة، وأنها مؤهلة لقيادته حتى عندما تختلف معها قطاعات واسعة من المواطنين، ويكشف هذا التصور عن مفارقة واضحة؛ فالجماعة تتحدث عن خدمة المجتمع، لكنها لا تقبل بسهولة أن يكون المجتمع نفسه هو صاحب القرار النهائي في اختيار ممثليه وتحديد أولوياته، وفي الدولة لا توجد جماعة فوق المجتمع، ولا يوجد تنظيم يكتسب حصانة من النقد بسبب شعاراته، لأن المعيار هو احترام القانون والالتزام بقواعد المشاركة السياسية.

وأضعفت هذه النظرة الثقة بين التنظيم الإرهابي ومحيطه، لأنها حولت العلاقة مع المواطنين إلى محاولة مستمرة لاكتساب النفوذ بدلاً من بناء شراكة قائمة على المساواة. فالمواطن لا يحتاج إلى وصي يقرر نيابة عنه ما ينبغي أن يفكر فيه أو من يجب أن يثق به، وإنما يحتاج إلى مؤسسات تحمي حقوقه وتوفر له فرص المشاركة وتحترم اختياراته، وعندما تقدم الجماعة الإرهابية نفسها باعتبارها صاحبة الرسالة الأكثر اكتمالاً، فإنها تضع نفسها في مواجهة طبيعة المجتمع المتعدد، وتتعامل مع الاختلاف باعتباره عقبة أمام مشروعها بدلاً من اعتباره حقاً أصيلاً.

أفكار سيد قطب وتأثيرها في بعض تيارات الإسلام السياسي

وكشف الفكر الذي ارتبط ببعض أبرز منظري التيار الإخواني عن تصورات تتعلق بالصفوة والطليعة والتغيير الشامل، وهي مفاهيم تناولتها دراسات أكاديمية عند تحليل أفكار سيد قطب وتأثيرها في بعض تيارات الإسلام السياسي، وتوضح هذه الأدبيات أن فكرة الطليعة لا تتعلق بمجرد مجموعة من الناشطين، بل ترتبط بتصور يمنح مجموعة محددة دوراً استثنائياً في قيادة عملية التغيير وإعادة تشكيل المجتمع، وتكمن المشكلة السياسية في تحويل هذا التصور إلى مبرر للوصاية على المواطنين، أو إلى أساس لتقليل قيمة التعددية والاختلاف، ولا يجوز في المقابل الخلط بين كل المسلمين أو كل المتدينين وبين هذا المشروع التنظيمي؛ فالدين أوسع من الجماعة، والمجتمع أكبر من أيديولوجيتها.

التفويض السياسي لا يصدر عن الشعارات ولا ينتقل بالوراثة التنظيمية

وروجت الجماعة لفكرة أنها تستطيع الجمع بين التمثيل الديني والسياسي والاجتماعي، لكنها لم تقدم دليلاً على امتلاكها تفويضاً دائماً من المصريين، لأن التفويض السياسي لا يصدر عن الشعارات ولا ينتقل بالوراثة التنظيمية، وإنما يرتبط بإرادة المواطنين وقواعد الدستور والقانون، كما أن أي حزب أو تيار سياسي يجب أن يقبل أن يكون مؤيداً اليوم ومعارضاً غداً، وأن يخضع برنامجه للمراجعة والمحاسبة، أما التنظيم الذي يخلط بين هويته الخاصة ومصالح المجتمع، فإنه يضعف فكرة الدولة المدنية ويهدد مبدأ المساواة بين المواطنين.

وأساء هذا المنهج إلى فكرة العمل السياسي نفسها، لأنه نقل المنافسة من ساحة البرامج والسياسات إلى ساحة الادعاء بامتلاك تمثيل أخلاقي وديني أعلى من الآخرين، فبدلاً من مناقشة كيفية تحسين التعليم أو تطوير الصناعة أو توفير فرص العمل، تصبح الأولوية لإثبات أحقية الجماعة في القيادة، وبدلاً من تقييم المسؤولين وفق نتائجهم، يصبح الانتماء إلى المشروع التنظيمي عنصراً مؤثراً في الحكم عليهم. وهذه ليست ممارسة سياسية صحية، وإنما محاولة لفرض معايير خاصة على المجال العام.

أخطر ما في مشروع جماعة الإخوان الإرهابية هو محاولته الجمع بين التنظيم المغلق والادعاء بتمثيل مجتمع مفتوح متعدد

ويؤكد تفكيك هذا الخطاب أن أخطر ما في مشروع جماعة الإخوان الإرهابية هو محاولته الجمع بين التنظيم المغلق والادعاء بتمثيل مجتمع مفتوح متعدد، وبين احتكار القرار الداخلي والسعي إلى قيادة المجال العام، فمصر لا تحتاج إلى صفوة تدعي امتلاك الحقيقة، وإنما تحتاج إلى مؤسسات وطنية تحترم الدستور وتساوي بين المواطنين وتفتح أبوابها أمام الكفاءات دون تمييز، ولن تكون هناك شرعية لأي تنظيم خارج إرادة الشعب، ولن يتحول الادعاء بتمثيل الدين أو المجتمع إلى تفويض مطلق يسمح بمصادرة حق المصريين في الاختيار والاختلاف والمحاسبة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة