تحولت الفضة خلال عام 2026 من أحد أبرز الأصول التي جذبت المستثمرين بفعل موجة الصعود القياسية إلى واحدة من أكثر الأسواق تعرضا للخسائر، بعدما سجلت أسعار المعدن الأبيض تراجعات حادة على المستويين العالمي والمحلي، في تصحيح سعري محا جزءا كبيرا من المكاسب السابقة، وأعاد رسم خريطة التوقعات بشأن مستقبل الاستثمار فيه.
سعر جرام الفضة عيار 999
وكشف التقرير الفني الصادر عن مركز الملاذ الآمن للمعادن الثمينة أن سعر جرام الفضة عيار 999 في السوق المصرية تراجع من 206.04 جنيه في 29 يناير 2026 إلى 96.15 جنيه في 31 أكتوبر، فاقدًا نحو 109.89 جنيه، بنسبة انخفاض بلغت 53.33%، بينما هبطت الأوقية عالميًا من 115.73 دولار إلى 49.22 دولار، بخسارة بلغت 66.51 دولار، وبنسبة تراجع تقارب 57.5%.
وتعكس هذه الأرقام حجم الخسائر التي تعرض لها المستثمرون الذين دخلوا السوق قرب القمم السعرية، بعدما فقدت الفضة أكثر من نصف قيمتها خلال نحو تسعة أشهر، في واحدة من أقوى موجات التصحيح التي شهدها المعدن خلال الفترة الأخيرة.
ورغم حدة التراجع العالمي، جاءت الخسائر المحلية أقل نسبيا، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، إذ صعد من 46.88 جنيه في بداية فترة المقارنة إلى 56.09 جنيه بنهاية أكتوبر، بزيادة بلغت نحو 19.66%، وهو ما ساهم في امتصاص جزء من خسائر الأوقية عند تحويل الأسعار إلى العملة المحلية.
تصحيح عنيف يمحو مكاسب القمة التاريخية
بدأت رحلة التراجع بعد موجة صعود استثنائية دفعت الفضة إلى مستويات تاريخية خلال يناير 2026، إذ سجلت الأوقية مستوى بلغ 121.67 دولار في 29 يناير، قبل أن تدخل في موجة تصحيح حادة، انعكست سريعًا على الأسعار العالمية والمحلية.
وأوضح تقرير مركز الملاذ الآمن أن الفضة مرت بأربع مراحل رئيسية خلال فترة الدراسة؛ بدأت بالهبوط الحاد من 29 يناير إلى 14 فبراير، عندما تراجع سعر الجرام محليًا من 206.04 جنيه إلى 139.86 جنيه، بنسبة انخفاض بلغت نحو 32.12%.
وخلال المرحلة الثانية، الممتدة من فبراير إلى أبريل، تحركت الأسعار في نطاقات متباينة تراوحت بين 128 و157 جنيهًا للجرام، وسط محاولات للتعافي لم تنجح في استعادة المستويات السابقة، مع استمرار تأثير التوترات الجيوسياسية وتغير توقعات السياسة النقدية الأمريكية وتحركات الدولار.
أما المرحلة الثالثة، خلال مايو ويوليو، فاتسمت باستقرار نسبي، إذ تحركت الأسعار المحلية حول مستويات 131 إلى 132 جنيهًا في بعض الفترات، قبل أن تستأنف التراجع خلال المرحلة الرابعة من أغسطس إلى أكتوبر، لتهبط من مستويات تراوحت بين 111 و114 جنيهًا إلى 96.15 جنيه بنهاية الفترة.
وتكشف هذه المراحل أن التراجع لم يكن حركة عابرة أو تصحيحًا محدودًا، بل موجة ممتدة شهدت محاولات متكررة للاستقرار، دون نجاح في تكوين اتجاه صاعد مستدام.
الدولار يخفف خسائر السوق المحلية
لعب ارتفاع الدولار مقابل الجنيه دورا في الحد من انتقال الخسائر العالمية بالكامل إلى السوق المصرية، إذ أدى تراجع قيمة العملة المحلية إلى زيادة المقابل بالجنيه للأوقية عند تحويل سعرها من الدولار.
وبحسب التقرير، ارتفع سعر الدولار من 46.88 جنيه إلى 56.09 جنيه خلال فترة المقارنة، بنسبة 19.66%، في الوقت الذي تراجعت فيه الأوقية عالميًا بنحو 57.5%، بينما انخفض جرام الفضة محليًا بنسبة 53.33%.
ويعني ذلك أن المستثمر المصري تعرض لخسائر أقل نسبيًا مقارنة بالتراجع المسجل عالميًا، لكن هذا الفارق لا يعكس بالضرورة قوة السوق المحلية، بقدر ما يرتبط بتأثير سعر الصرف في معادلة التسعير.
وأكد المركز أن أسعار الفضة محليًا تتحدد من خلال التفاعل بين السعر العالمي للأوقية وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه، إلى جانب ظروف التداول وتكاليف السوق، وهو ما يجعل متابعة أحد هذه المتغيرات بمعزل عن الآخر غير كافية لتقييم اتجاه الأسعار.
الفائدة الأمريكية والتضخم يضغطان على المعدن الأبيض
حدد التقرير السياسة النقدية الأمريكية باعتبارها أحد أبرز العوامل المؤثرة في موجة الهبوط، في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم وتغير توقعات أسعار الفائدة.
وأبقى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على أسعار الفائدة عند نطاق يتراوح بين 3.75% و4% خلال اجتماعه في أكتوبر 2026، بينما ارتفع التضخم الأمريكي إلى 3.7% في سبتمبر، مقابل 3.4% في أغسطس، بما عزز المخاوف من استمرار الضغوط السعرية وتأثيرها على قرارات السياسة النقدية.
وأوضح مركز الملاذ الآمن أن ارتفاع توقعات الفائدة يدعم الدولار والعوائد على الأصول المالية، ويزيد تكلفة الاحتفاظ بالمعادن التي لا تحقق عائدًا دوريًا، وهو ما يضغط على جاذبية الفضة والذهب أمام المستثمرين.
وفي المقابل، قد يدفع ارتفاع التضخم بعض المستثمرين إلى زيادة حيازاتهم من المعادن باعتبارها أدوات للتحوط من تراجع القوة الشرائية، لكن هذا التأثير يظل مرتبطًا بمسار العوائد الحقيقية وقوة الدولار وتوقعات الفائدة.
كما ساهمت تحركات مؤشر الدولار الأمريكي DXY في زيادة الضغوط على المعادن المقومة بالعملة الأمريكية خلال بعض مراحل العام، مع التأكيد على اختلافه عن سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري؛ فالأول يقيس أداء العملة الأمريكية أمام سلة من العملات الرئيسية، بينما يحدد الثاني قيمتها مقابل العملة المحلية.
الطلب الصناعي ومشتريات البنوك المركزية.. طوق نجاة محتمل
على الرغم من الخسائر الكبيرة، لا تزال الفضة تتمتع بعوامل دعم هيكلية ترتبط باستخداماتها الصناعية والاستثمارية، وهو ما يميزها عن الذهب ويجعل حركة أسعارها أكثر ارتباطًا بأداء الاقتصاد العالمي.
وأشار التقرير إلى استمرار أهمية الطلب الصناعي على الفضة في قطاعات الإلكترونيات والكهرباء والطاقة الشمسية، إلى جانب الاستخدامات الصناعية المتعددة، باعتباره أحد العوامل التي قد تدعم تعافي المعدن حال تحسن النشاط الاقتصادي.
كما تمثل مشتريات المستثمرين والبنوك المركزية، إلى جانب عودة التدفقات الاستثمارية، عوامل محتملة لدعم الأسعار، خاصة إذا اتجهت السياسة النقدية الأمريكية نحو التيسير، وتراجعت العوائد والدولار.
لكن المركز حذر من المبالغة في تقدير أثر هذه العوامل، إذ إن استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي قد يضغط على الطلب الصناعي، حتى مع زيادة الإقبال على المعادن النفيسة نتيجة التوترات الجيوسياسية.
ولفت التقرير إلى أن التطورات المرتبطة بالصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران تحمل تأثيرًا مزدوجًا على الفضة؛ فمن ناحية، تعزز المخاطر الجيوسياسية الطلب على الأصول الآمنة، ومن ناحية أخرى، قد تؤدي اضطرابات الطاقة والتجارة إلى زيادة مخاوف تباطؤ الاقتصاد والنشاط الصناعي.
الفجوة السعرية لا تكفي للحكم على جاذبية الشراء
تناول التقرير الفجوة السعرية بين الأسعار المحلية والقيمة النظرية باعتبارها مؤشرًا مهمًا لتقييم مستويات التسعير، لكنها لا تمثل بمفردها دليلًا على وجود فرصة استثمارية أو نقص في المعروض.
وأوضح مركز الملاذ الآمن أن الفجوة الموجبة تعني أن السعر المحلي أقل من القيمة النظرية المحسوبة وفق سعر الأوقية وسعر صرف الدولار، وهو ما يصب في مصلحة المشتري، بينما تشير الفجوة السالبة إلى ارتفاع السعر المحلي عن القيمة النظرية.
وتُحسب القيمة النظرية لجرام الفضة عيار 999 من خلال ضرب سعر الأوقية بالدولار في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، ثم القسمة على 31.1035، وضرب الناتج في 0.999.
وأشار المركز إلى رصد فجوة سالبة بنحو 11.23 جنيه في 12 مايو، إلى جانب قيم موجبة مرتفعة خلال بعض الفترات، من بينها 5 فبراير، لكنه نبه إلى وجود عدم اتساق في بعض الأرقام الواردة للفجوة ببداية الفترة ونهايتها مع معادلة حساب القيمة النظرية، ما يستدعي إعادة مراجعتها قبل استخلاص نتائج نهائية.
وشدد التقرير على أن انخفاض الأسعار لا يعني تلقائيًا أن الفضة أصبحت أقل من قيمتها العادلة أو أن المستويات الحالية تمثل فرصة شراء مؤكدة، إذ يجب مراعاة سعر الصرف وتكاليف التداول والفجوة السعرية والأفق الزمني للاستثمار.
القوة الشرائية تحدد مستقبل الطلب المحلي
لم تكن تحركات الأسعار العالمية وسعر الصرف العاملين الوحيدين المؤثرين في السوق المصرية، إذ فرضت القوة الشرائية للمستهلكين تحديات إضافية أمام الطلب على الفضة.
وأوضح التقرير أن انخفاض الأسعار لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة المبيعات، لأن قرارات الشراء ترتبط بالدخل المتاح وتوقعات المستهلكين بشأن اتجاه الأسعار ومدى الثقة في استقرار السوق.
كما أن تقييم نشاط السوق لا يمكن أن يعتمد على عدد تحديثات الأسعار أو تحركاتها اليومية فقط، وإنما يحتاج إلى بيانات فعلية عن حجم المبيعات والتداول، بما يوضح مدى استجابة المستهلكين لموجة التراجع.
وتزداد أهمية هذا العامل في ظل الخسائر الكبيرة التي تعرض لها المستثمرون الذين اشتروا عند القمم، إذ قد تدفعهم التقلبات الحادة إلى تأجيل قرارات الشراء أو البيع لحين اتضاح اتجاه السوق.
الفضة في نوفمبر وديسمبر.. هل انتهت موجة الخسائر؟
رجح تقرير مركز الملاذ الآمن تحرك أسعار الفضة في اتجاه عرضي خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2026، مع استمرار التقلبات في ضوء تداخل العوامل الداعمة والضاغطة.
وعلى المستوى العالمي، قد تستفيد الأوقية من استمرار الطلب الصناعي والاستثماري، خاصة إذا تراجعت توقعات أسعار الفائدة الأمريكية وانخفضت العوائد والدولار، بينما قد يؤدي استمرار السياسة النقدية المتشددة ومخاوف تباطؤ النشاط الصناعي إلى الحد من فرص التعافي.
أما محليًا، فسيظل سعر صرف الدولار أمام الجنيه أحد المحددات الرئيسية لحركة الأسعار، إلى جانب تطورات الأوقية عالميًا ومستويات الطلب في السوق المصرية.
وبحسب السيناريوهات الاسترشادية الواردة بالتقرير، قد تتحرك أوقية الفضة عالميًا بين 63 و75 دولارًا خلال الفترة المتبقية من العام، بينما يتراوح سعر جرام الفضة عيار 999 في مصر بين 95 و110 جنيهات في المدى القريب.
وأكد المركز أن هذه المستويات ليست توقعات مؤكدة أو متوسطًا موثقًا لتقديرات المؤسسات العالمية، وإنما سيناريوهات قابلة للتغير وفق تطورات الأسواق.
وتكشف حصيلة الأشهر التسعة أن الاستثمار في الفضة خلال 2026 كان رهانًا عالي المخاطر بالنسبة لمن اشتروا قرب القمم التاريخية، بعدما تجاوزت الخسائر العالمية 57% والمحلية 53%. لكن الحكم على مستقبل المعدن لا يتوقف عند حجم التراجع وحده، بل يرتبط بقدرته على استعادة الطلب الصناعي والاستثماري، واتجاه أسعار الفائدة والدولار، ومدى استقرار الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة.