تكشف طبيعة الخطاب التنظيمي لجماعة الإخوان الإرهابية عن إشكالية تتعلق بنظرتها إلى المجتمع، إذ تحاول تقديم نفسها باعتبارها الجهة الأكثر قدرة على فهم احتياجات المواطنين وتحديد أولوياتهم السياسية والاجتماعية.
وتقوم هذه النظرة على افتراض أن الجماعة تمتلك رؤية متكاملة لمصلحة المجتمع، وأنها الأقدر على تفسير احتياجاته وتحديد المسار الذي ينبغي أن يسلكه، وهو ما يفتح الباب أمام ممارسة الوصاية على المواطنين بدلا من التعامل معهم باعتبارهم أصحاب الحق الأصيل في الاختيار.وتتحول هذه الفكرة إلى مدخل للتعامل مع الاختلاف باعتباره نقصا في الوعي، وليس باعتباره حقا سياسيا وفكريا أصيلا.
احتكار تمثيل المصريين.. من منح الجماعة هذا الحق؟
من أبرز الإشكاليات المرتبطة بخطاب الجماعة الإرهابية محاولتها تقديم نفسها باعتبارها ممثلا للمجتمع أو للتيار الديني، رغم أن المجتمع المصري يتمتع بتنوع فكري وسياسي واجتماعي لا يمكن اختزاله في تنظيم واحد.
فالمصريون لا يمتلكون توجها سياسيا واحدا، ولا يمكن اعتبار التدين دليلا على الانتماء إلى الجماعة أو الموافقة على مشروعها، كما أن رفض أفكار تنظيم سياسي لا يعني رفض الدين أو الهوية الوطنية.
وتحاول الجماعة الاستفادة من الجمع بين الخطاب الديني والسياسي لمنح نفسها مكانة استثنائية، بما يجعلها تتحدث أحيانا وكأنها صاحبة الحق في التعبير عن مصالح المجتمع بأكمله.
الديمقراطية ليست تفويضا مفتوحا للوصاية
تظهر المفارقة عندما يجري التعامل مع المشاركة السياسية باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة، دون أن يصاحب ذلك بالضرورة قبول كامل بالتعددية والاعتراف بحق الآخرين في المنافسة.
فالديمقراطية لا تقتصر على الانتخابات، وإنما تقوم على احترام التنوع السياسي، وقبول تداول السلطة، والخضوع للمحاسبة، والاعتراف بأن أي تيار سياسي يظل واحدا من أطراف المجتمع وليس ممثلا حصريا له. كما أن المواطن لا يفقد حقه في الاختيار لمجرد اختلافه مع الجماعة، ولا يصبح أقل وعيا أو وطنية لأنه يرفض الانضمام إليها.
الوصاية تكشف أزمة المشروع التنظيمي
إن أخطر ما في فكرة الوصاية هو نقل العلاقة من مساحة التنافس السياسي إلى مساحة الهيمنة الفكرية، فبدلا من إقناع المواطنين ببرنامج سياسي، يصبح الهدف هو التعامل معهم باعتبارهم بحاجة دائمة إلى قيادة توجههم وتحدد لهم ما ينبغي أن يفكروا فيه. وتتعارض هذه النظرة مع مفهوم المواطنة الذي يقوم على المساواة الكاملة بين المواطنين، وحق كل فرد في اختيار من يمثله ومحاسبته وتغيير موقفه منه.
الجماعة الإرهابية تتعامل مع المجتمع بمنطق الوصاية وتحتكر الحديث باسم المواطنين
وفي هذا السياق قال طارق البشبشي، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن أحد أبرز الإشكاليات المرتبطة بفكر الجماعة يتمثل في نظرتها الوصائية إلى المجتمع، ومحاولتها تقديم نفسها باعتبارها الجهة الأقدر على تحديد احتياجات المواطنين واختيار المسارات التي ينبغي أن يسلكوها.
وأضاف أن التنظيم يسعى إلى ترسيخ تصور يمنحه مكانة استثنائية في المجتمع، باعتباره صاحب الرؤية الأكثر اكتمالا، بينما ينظر إلى المختلفين معه باعتبارهم أقل إدراكا لطبيعة القضايا السياسية والفكرية.
وأوضح أن ادعاء تمثيل المجتمع لا يمكن أن يستند إلى الشعارات أو الخطاب الديني، وإنما إلى إرادة حقيقية واختيار حر، مشيرا إلى أن المجتمع المصري أكثر تنوعا من أن تختزله جماعة سياسية واحدة.
وأكد أن الديمقراطية الحقيقية تقوم على التعددية واحترام الاختلاف وقبول المنافسة، وليس احتكار الحديث باسم المواطنين أو منح أي تنظيم حق الوصاية عليهم.