لم يكن الدعم الأمريكي لإسرائيل بمنأى عن الخلافات السياسية بين واشنطن وتل أبيب طوال العقود الماضية، إذ استخدم رؤساء أمريكيون المساعدات الاقتصادية والعسكرية وسيلة للضغط على الحكومات الإسرائيلية، سواء لإجبارها على الانسحاب من أراضٍ احتلتها، أو للحد من الاستيطان، أو للاعتراض على عمليات عسكرية أثارت خلافات مع الإدارة الأمريكية.
لكن تصريحات الرئيس دونالد ترامب بشأن إنهاء المساعدات السنوية المقدمة لإسرائيل تفتح فصلًا مختلفًا في تاريخ هذه العلاقة، بعدما انتقل الجدل من استخدام الدعم للتأثير في القرارات الإسرائيلية إلى مناقشة جدواه داخل الولايات المتحدة نفسها، بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفي التي شهدت خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونجرس.
أيزنهاور.. عندما هددت واشنطن إسرائيل بالعقوبات
تعود إحدى أبرز السوابق إلى عام 1956، عندما رفض الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور استمرار الاحتلال الإسرائيلي لسيناء وقطاع غزة عقب العدوان الثلاثي على مصر.
واستخدمت الإدارة الأمريكية ضغوطًا دبلوماسية واقتصادية، شملت التلويح بعقوبات مالية، لدفع إسرائيل إلى الانسحاب، الذي اكتمل عام 1957.
وبعد نحو عقدين، لجأ الرئيس جيرالد فورد إلى إعادة تقييم العلاقات الأمريكية الإسرائيلية عام 1975، في ظل الخلافات بشأن مفاوضات الانسحاب من سيناء، وهو ما انعكس على قرارات جديدة تتعلق بتوريد الأسلحة.
من ريجان إلى بوش.. السلاح والقروض أدوات للضغط
وفي عام 1981، قرر الرئيس رونالد ريجان تعليق تسليم طائرات مقاتلة من طراز «إف-16» لإسرائيل، عقب غارتها على المفاعل النووي العراقي، قبل أن تشهد العلاقات توترًا جديدًا عام 1982 مع تعليق شحنة من القنابل العنقودية على خلفية الحرب الإسرائيلية في لبنان.
أما الرئيس جورج بوش الأب، فاستخدم أداة اقتصادية مختلفة عام 1991، عندما رفض الاستجابة الفورية لطلب إسرائيلي بالحصول على ضمانات قروض بقيمة عشرة مليارات دولار، في ظل الخلاف بشأن الاستيطان بالأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي عام 2024، علق الرئيس جو بايدن شحنة من القنابل الثقيلة لإسرائيل، بسبب المخاوف من استخدامها خلال العمليات العسكرية في رفح.
وتكشف هذه السوابق أن تقييد الدعم لم يكن حكرًا على حزب أمريكي بعينه، كما أنه لم يكن يعني بالضرورة إنهاء التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، وإنما استخدم في أغلب الحالات للضغط بشأن سياسة أو عملية محددة.
ترامب.. من الضغط على إسرائيل إلى حسابات الناخب الأمريكي
وتختلف تصريحات ترامب الأخيرة عن هذه السوابق، إذ تحدث عن إنهاء المساعدات العسكرية السنوية البالغة نحو 3.8 مليار دولار، معتبرًا أن إسرائيل باتت قادرة على تحمل تكلفة مشترياتها العسكرية.
وجاءت التصريحات بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفي، وسط تصاعد الجدل الأمريكي بشأن الإنفاق الخارجي، وتزايد الانتقادات المرتبطة بالدعم العسكري لإسرائيل في ظل الحرب في غزة والتوترات الإقليمية.
وهنا تبرز مفارقة سياسية؛ فبينما استخدم رؤساء سابقون المساعدات للضغط على إسرائيل، أصبحت تكلفة المساعدات نفسها موضوعًا للخلاف داخل الولايات المتحدة، بما يربط مستقبلها بحسابات الأحزاب والناخبين، وليس فقط بطبيعة العلاقات بين واشنطن وتل أبيب.
هل تنتهي المساعدات أم تتغير طبيعة العلاقة؟
ورغم تصريحات ترامب، فإن إنهاء المساعدات لا يعني تلقائيًا توقف التعاون العسكري بين البلدين، خاصة أن مذكرة التفاهم الموقعة عام 2016 تنظم مساعدات بقيمة 38 مليار دولار خلال الفترة من 2019 إلى 2028، مع خضوع الاعتمادات السنوية لقرارات الكونجرس.
وقد يفتح التحول المحتمل الباب أمام صيغة تقوم بدرجة أكبر على شراء الأسلحة والتعاون الصناعي والتكنولوجي، بدلًا من الاعتماد على المنح العسكرية المباشرة.
ومع تغير موازين القوى داخل الكونجرس، يصبح مستقبل التمويل الأمريكي لإسرائيل جزءًا من مواجهة أوسع حول أولويات الإنفاق والسياسة الخارجية، دون أن يعني ذلك أن الأغلبية الديمقراطية ستتبنى بالضرورة موقفًا موحدًا بشأن تقليص الدعم.
وهكذا، فإن التحول الأبرز لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي تقدمها واشنطن لإسرائيل، وإنما بالسؤال الذي بات مطروحًا داخل السياسة الأمريكية: هل تظل المساعدات التزامًا استراتيجيًا ثابتًا، أم تصبح بندًا قابلًا للمراجعة وفقًا للظروف الاقتصادية والحسابات الانتخابية؟