لم تكن نور الهدى النبيه تتخيل أن يأتي اليوم الذي تفقد فيه زوجها عرفات العرعير، بعدما سبق أن ودعت أبناءها وأفرادا من عائلتها، لتجد نفسها وحيدة أمام فاجعة تتجدد مع كل خبر رحيل، ووجع لا تكفي الكلمات لوصفه، ففي غزة، حيث تتوالى الخسارات وتتشابه حكايات الفقد، رحل عرفات شهيدا، ليلتحق بأبنائه الذين سبقوه، وبأشقائه الذين غيبتهم الحرب، تاركا خلفه زوجة تحمل في قلبها حكايات عائلة لم يبقَ منها سوى الذكريات.
رحيل العائلة
لم يكن رحيل عرفات مجرد فقدان زوج أو أب، بل كان فصلا جديدا من مأساة أسرة دفعت أثمانا متتالية من الفقد، حتى أصبح اللقاء بأحبائها حلما لا يتحقق إلا في المنام، وأصبح الحديث معهم استعادة لوجوه غابت وأصوات لن تعود.
وفي كلمات تختلط فيها مشاعر الشوق بالحسرة، تستعيد زوجته نور الهدى النبيه حلما رأته قبل أسابيع قليلة، ظهرت فيه ابنتها رشا حزينة، تجلس وحدها في زاوية، وكأنها تريد أن تخبر أمها بأنها لا تشعر بالراحة في غياب أحبائها.

عرفات العرعير وزوجته نور الهدى وأبنائهما
وتروي نور الهدى، بكلمات يثقلها الحزن والاشتياق، أنها رأت ابنتها رشا في المنام قبل أسابيع قليلة، وكانت حزينة تجلس بمفردها في أحد الأركان، وكأنها تحاول أن تخبر والدتها بأنها لا تشعر بالراحة في غياب أحبائها، قائلة: "أنا لست مرتاحة وحدي يا أمي".
وتتابع نور الهدى حديثها، وكأنها تخاطب ابنتها الغائبة وتطمئن عليها بعد أن اجتمع بها والدها وأحباؤها: "هل ارتحتِ يا حبيبتي؟ هل اجتمعتم مجددا وأصبحتم معا في راحة وسلام يا حبيبات قلبي؟ أما أنا، فقد أصبحت يتيمة من دونكم".

عرفات العرعيروابنته قبل استشهادهما
عائلة اجتمع شملها بالرحيل
أما إسلام الهبيل، أحد أقارب عرفات العرعير وخالة أطفاله، فقد عبرت عن حجم الفقد بكلمات تحمل مزيجا من الحزن والحنين، مستحضرة صورة العائلة التي اجتمع أفرادها بعد رحيل عرفات، بعدما سبق أن فقدت أبناءها وأعمامها وأقاربها.
وقالت في رسالة مؤثرة: "وصل عندكم البابا يا حبايب قلوبنا، صار عندكم أبوكم وأعمامكم وزوج خالتكم وزوج عمتكم وأولاد عمكم، عزوة كبيرة صرتوا بالجنة يا حبايب"، لكن خلف كلمات العزاء والرجاء، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة، أن نور الهدى وجدت نفسها أمام خسارة جديدة، بعدما رحل الزوج الذي كان يمثل لها السند والعائلة، لتواجه وحدها ذاكرة أبنائها وأحبائها الذين سبقوه.
وتضيف إسلام الهبيل، معبرة عن صعوبة ما تعيشه الأم: «صعبتوا الامتحان على أمكم يا أولاد، الله يربط على قلبك يا نور في هذا المصاب الجلل".

أبناء عرفات العرعيرالشهداء
نور الهدى.. أم أصبحت ذكرياتها عائلتها الوحيدة
في حكاية نور الهدى، لا يبدو الفقد حدثا واحدا يمكن تجاوزه مع مرور الأيام، بل سلسلة من الوداعات التي تتراكم في قلب أم فقدت أبناءها، ثم لحقت بهم خسارة زوجها، حتى أصبحت تستعيد ملامح عائلتها في الأحلام والذكريات، فكيف يمكن لأم أن تتقبل غياب أبنائها وزوجها معا؟ وكيف يمكن لقلب أنهكته الوداعات أن يجد طريقه إلى الطمأنينة بينما تتوالى أسماء أحبائه في ذاكرة لا تنساهم؟
رحل عرفات العرعير ليلتحق بأبنائه وأشقائه، وبقيت نور الهدى تحمل حكاية عائلة فرقتها الحرب، وجمعتها الذكريات والدعوات.
بعض البيوت لا تهدمها الجدران، بل يهدمها غياب أصحابها، وبعض الأمهات لا يفقدن أشخاصا فحسب، بل يفقدن العالم الذي كان يجمعهن بهم، أما نور الهدى، فلم يعد لها من عائلتها سوى الذكريات، وأحلام تزورها فيها ابنتها، ودعاء بأن يجمعها الله يوما بمن سبقوها، بعد أن أصبح الفقد عنوان حكايتها.