يمثل مبدأ السمع والطاعة أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة البناء الداخلي لجماعة الإخوان الإرهابية، إذ لا تقوم العلاقة بين العضو والقيادة على مجرد الاقتناع بالأفكار، وإنما ترتبط بمنظومة من التدرج التنظيمي التي تمنح المستويات القيادية سلطة واسعة في توجيه الأعضاء وتحديد أولوياتهم.
وفي ظل هذه المنظومة، يصبح الالتزام بالتعليمات معيارا رئيسيا لتقييم العضو، وقد يتقدم على قدرته على التفكير النقدي أو تقديم رؤى مستقلة أو الاعتراض على قرارات يراها غير مناسبة.
وتظهر الخطورة عندما تتحول الطاعة من وسيلة لتنظيم العمل إلى قاعدة تحدد مساحة التفكير المتاحة للأفراد، وتجعل الاعتراض على القيادة أمرا يرتبط بمكانة العضو داخل التنظيم.
الولاء قبل الكفاءة.. معادلة إقصاء العقول
عندما يصبح الولاء معيارا أساسيا للثقة، تتراجع قيمة الكفاءة المستقلة، وتزداد فرص صعود العناصر الأكثر قدرة على التكيف مع قواعد الهيكل التنظيمي.
ولا يعني ذلك غياب أصحاب المؤهلات والخبرات عن الجماعة، وإنما يشير إلى أن امتلاك الكفاءة وحده لا يضمن التأثير في القرار، إذا لم يصاحبه توافق مع منظومة الولاء والانضباط.
وتؤدي هذه المعادلة إلى إضعاف فرص الاستفادة من العقول المستقلة، خاصة عندما تتعارض آراؤها مع التوجهات السائدة داخل التنظيم.
لماذا يخشى التنظيم التفكير المستقل؟
تحتاج المؤسسات الناجحة إلى النقد وتعدد وجهات النظر، لأن مراجعة القرارات وتصحيح الأخطاء يمثلان أساس التطوير والاستمرار.
لكن التنظيمات المغلقة تواجه مشكلة عندما تنظر إلى الاعتراض باعتباره تهديدا لوحدة الصف، بدلا من التعامل معه باعتباره فرصة لمراجعة السياسات والأفكار.
وتصبح النتيجة هي تضييق مساحة المبادرة، وتحويل الأعضاء إلى منفذين للتعليمات، بدلا من أن يكونوا شركاء في صناعة القرار
إعادة إنتاج القيادات.. دائرة مغلقة من الولاء
عندما ترتبط فرص الترقي بالثقة التنظيمية ومدى الالتزام بالتوجيهات، يصبح الهيكل الداخلي أكثر ميلا إلى إعادة إنتاج القيادات من داخل الدائرة الأكثر توافقا مع قواعد التنظيم.
وتتراجع في هذه الحالة أهمية الخبرة والكفاءة والقدرة على الابتكار أمام معايير الولاء، بما يحد من فرص التجديد الفكري والمؤسسي.
كما يؤدي غياب النقد المستقل إلى زيادة احتمالات تكرار الأخطاء، لأن القيادة قد لا تجد داخل التنظيم مساحة كافية لتقديم تقييم موضوعي لقراراتها.
السمع والطاعة يحدان من استقلالية أعضاء الجماعة الإرهابية ويقدمان الولاء على الكفاءة
ومن جانبه؛ قال إسلام الكتاتني، الباحث في شؤون جماعة الإخوان الإرهابية والمنشق عنها، إن فهم طبيعة البناء الداخلي للجماعة يتطلب التوقف أمام منظومة السمع والطاعة والتدرج التنظيمي، التي تؤثر في علاقة العضو بالقيادة وتحدد طبيعة مشاركته في العمل الداخلي.
وأضاف أن المشكلة تظهر عندما تتحول الطاعة من وسيلة لتنظيم العمل إلى معيار أساسي لتقييم الأفراد وتحديد مدى الثقة فيهم، بما قد يؤدي إلى تراجع التفكير المستقل أمام الالتزام بالتوجيهات.
وأوضح أن امتلاك العضو مؤهلات علمية وخبرات مهنية لا يعني بالضرورة قدرته على التأثير في صناعة القرار، إذا كانت قواعد الترقي والثقة مرتبطة بمعايير الولاء والانضباط التنظيمي.
وأكد أن التنظيمات التي لا تفتح المجال أمام النقد الداخلي تخسر فرص الاستفادة من أصحاب الخبرات والعقول المستقلة، لأن التطوير الحقيقي يحتاج إلى مساحة تسمح بالاعتراض والمراجعة وتقديم البدائل.