في المسرح الإخواني، لا توجد جماعة تخطئ أو تراجع حساباتها أو تتحمل مسؤولية قراراتها، وإنما ضحية أبدية تتعرض للمؤامرات والاستهداف من كل اتجاه، هنا تتحول المظلومية إلى بطاقة عبور جاهزة من أي مساءلة، وتصبح دموع التماسيح جزءا من الديكور الدعائي الذي يجري استدعاؤه كلما ضاقت مساحة المناورة أو انكشفت تناقضات الخطاب التنظيمي.
فبدلا من مواجهة الأسئلة المتعلقة بالتجربة السياسية ومواقف الجماعة الإرهابية وقراراتها، تعود ماكينة المظلومية إلى العمل، لتعيد تقديم التنظيم وأنصاره في صورة الضحية التي لا تخطئ، بينما يتحول الآخرون إلى متهمين بالاستهداف والتآمر، فما هي إلا وصفة دعائية متكررة: لا تناقش الفشل، ابحث عن مؤامرة، ولا ترد على الانتقادات، أخرج مناديل البكاء
مصنع المظلومية.. كل أزمة لها دموعها الجاهزة
لم يكن خطاب المظلومية مجرد رد فعل عابر في خطاب الجماعة الإرهابية، بل أصبح إحدى الأدوات التي توظفها في بناء روايتها عن الأحداث، وتقديم نفسها باعتبارها طرفا يتعرض باستمرار للاستهداف وتقوم هذه الآلية على إعادة تفسير الوقائع من زاوية واحدة، بحيث لا تبدو الأخطاء التنظيمية أو السياسية نتيجة قرارات قابلة للنقد والمراجعة، وإنما تتحول إلى حلقات في سلسلة من المؤامرات المزعومة وكلما ظهرت أزمة جديدة جرى استدعاء قاموس المظلومية بمفرداته المحفوظة، من الاضطهاد والاستهداف والتضييق إلى المؤامرة ومحاولات الإقصاء، وبهذه الطريقة يصبح التنظيم معفيا من الاعتراف بالأخطاء داخل روايته الخاصة وكأن المراجعة اعتراف بالهزيمة والاعتذار جريمة وتحمل المسؤولية تنازل عن دور الضحية الذي يصر على احتكاره.
دموع التماسيح.. حين يصبح البكاء بديلا عن الإجابة
تعتمد الجماعة الإرهابية في جانب من خطابها الدعائي على استدعاء المشاعر بدلا من تقديم إجابات موضوعية، فتتصدر الصور المؤثرة والعبارات العاطفية المشهد، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالوقائع والسياقات والمسؤوليات، وهنا تتحول المظلومية إلى وسيلة لإرباك النقاش فبدلا من سؤال الجماعة الإرهابية عما فعلته، يصبح المطلوب من الجمهور أن ينشغل بما تدعي أنها تعرضت له. وبدلا من مناقشة المواقف والقرارات، يجري نقل المعركة إلى مساحة عاطفية تستهدف استدرار التعاطف وإثارة الانفعال.
واللافت أن هذا الخطاب لا يحتاج إلى رواية جديدة في كل مرة، فالمخزون الدعائي جاهز، والسيناريو محفوظ، والأدوار موزعة: الجماعة ضحية دائما، والخصوم متآمرون دائما، وأي صوت يطلب الحقيقة متهم بأنه جزء من حملة الاستهداف.
كل نقد مؤامرة.. وكل مساءلة اعتداء على الجماعة
ومن أبرز ملامح هذه الاستراتيجية تحويل النقد السياسي والإعلامي إلى قضية استهداف، بحيث لا يجري التعامل مع الانتقادات باعتبارها آراء قابلة للنقاش والرد، وإنما يجري وضعها داخل إطار عدائي يهدف إلى تحصين التنظيم من المساءلة فإذا طُرحت أسئلة عن المواقف السياسية، ظهرت مفردات المؤامرة، وإذا جرى استعراض التناقضات بين الخطاب والممارسة، عادت اتهامات الاستهداف، وإذا واجهت الجماعة انتقادات بشأن خياراتها، جرى تصوير الأمر باعتباره حملة منظمة ضدها، وهي دائرة مغلقة لا تنتهي لأن من يرفض الاعتراف بالخطأ يستطيع دائما اختراع خصم جديد، ومن لا يملك إجابة عن الأسئلة يمكنه أن يرفع صوته بالشكوى، ومن يريد الهروب من المسؤولية يجد في المظلومية مخرجا جاهزا.
إعادة تدوير الضحية.. استراتيجية لا تعرف الاعتراف بالفشل
ولا تتوقف تجارة المظلومية عند حدود الخطاب الإعلامي، بل تمتد إلى محاولة الحفاظ على تماسك الرواية التنظيمية، عبر تقديم الأعضاء والأنصار باعتبارهم جزءا من معركة مستمرة ضد خصوم يتربصون بالجماعة الإرهابية، وتسمح هذه الرواية بإعادة تعبئة المشاعر كلما تراجعت قدرة الخطاب التنظيمي على تقديم إجابات مقنعة، كما تمنح القيادات مساحة للابتعاد عن مناقشة أسباب الإخفاقات والقرارات التي قادت إليها وبينما تحتاج أي تجربة سياسية إلى مراجعة صريحة لمواقفها وأخطائها، تفضل رواية المظلومية إبقاء الجميع داخل مشهد واحد لا يتغير: ضحية تشكو، وخصم تتهمه، وجمهور مطلوب منه أن يتعاطف دون أن يسأل كثيرا
مسرحية لا ينتهي عرضها.. والجمهور مطالب بالتصفيق
وتكشف آلية المظلومية عن نمط دعائي يقوم على استثمار العاطفة وإعادة تدوير خطاب الضحية، بدلا من مواجهة الوقائع وتحمل المسؤولية، فالجماعة الإرهابية التي تقدم نفسها باعتبارها مستهدفة في كل موقف، وتتعامل مع كل انتقاد باعتباره مؤامرة، تضع نفسها خارج دائرة المراجعة والمحاسبة، والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى تستمر مسرحية الضحية؟ وكم مرة يمكن إعادة عرض المشهد نفسه بالدموع والاتهامات ذاتها؟ يبدو أن ماكينة المظلومية الإخوانية لا تحتاج إلى نص جديد، فهي تعيد تشغيل الشريط القديم كلما واجهت سؤالا صعبا، دموع في المقدمة، مؤامرة في الخلفية، ومسؤولية غائبة عن خشبة المسرح.