يسعى الإنسان طوال حياته لتحقيق أهداف جديدة، فبعد النجاح فى الدراسة يبدأ البحث عن العمل، ثم يتطلع إلى الاستقرار وتحسين مستوى معيشته، وقد يتحول كل إنجاز إلى بداية لطموح آخر، لكن هل يؤدى السعى المستمر إلى السعادة، أم أنه قد يتحول إلى مصدر للإرهاق والضغط النفسى؟ وهل التوقف عن تحقيق هدف معين يعنى الفشل؟ أسئلة تناولتها دراسات علم النفس، التى كشفت أن النجاح لا يرتبط فقط بالمثابرة، وإنما أيضًا بقدرة الإنسان على تنظيم جهده ومراجعة أهدافه.
منظمة الصحة العالمية تحذر من الاحتراق الوظيفى
فى مايو 2019، أوضحت منظمة الصحة العالمية أن الاحتراق الوظيفى ينتج عن ضغوط العمل المزمنة التى لم تتم إدارتها بنجاح، وحددت له ثلاثة مظاهر رئيسية، هى الشعور بالإرهاق واستنزاف الطاقة، وتزايد المشاعر السلبية تجاه العمل أو الابتعاد النفسى عنه، وانخفاض الكفاءة المهنية.
وأكدت المنظمة أن الاحتراق الوظيفى يُصنف ظاهرة مهنية، وليس مرضًا مستقلًا، وأن استخدام المصطلح يرتبط ببيئة العمل تحديدًا، وليس بجميع أنواع الإرهاق التى يتعرض لها الإنسان فى حياته اليومية.
دراسة نفسية: التخلى عن بعض الأهداف قد يكون مفيدًا
فى ديسمبر 2003، نشرت دورية «Personality and Social Psychology Bulletin» دراسة للباحث كارستن فروش وأربعة من زملائه، تناولت العلاقة بين الأهداف التى يصعب تحقيقها والصحة النفسية.
وضمت الدراسة ثلاثة أبحاث على مجموعات مختلفة، شملت طلابًا جامعيين وشبابًا وكبار سن وأولياء أمور، وأظهرت النتائج ارتباط القدرة على التخلى عن الأهداف غير القابلة للتحقيق، والانتقال إلى أهداف بديلة، بمستويات أفضل من الرفاه النفسى.
ولا تعنى النتائج أن التراجع أمام الصعوبات أفضل من الاستمرار، لكنها تشير إلى أن مراجعة الأهداف قد تكون أكثر فائدة من استنزاف الجهد فى محاولة لم تعد واقعية.
هل تحقيق النجاح يضمن السعادة؟
تناول عالما النفس إدوارد ديسى وريتشارد رايان العلاقة بين الدوافع والرفاه النفسى فى دراسة منشورة عام 2008، ضمن أبحاث نظرية التحديد الذاتى.
وميزت النظرية بين الدوافع المرتبطة باختيار الإنسان واهتماماته، وتلك التى تحركها الضغوط الخارجية، كما بحثت تأثير الأهداف المتعلقة بالنمو الشخصى والعلاقات الإنسانية، مقارنة بالأهداف المرتبطة بالمكافآت والمكانة الاجتماعية.
وأوضحت الأبحاث أن نوع الدافع والظروف المحيطة به يؤثران فى التجربة النفسية للإنسان، ولذلك فإن الوصول إلى هدف معين لا يضمن وحده الشعور بالسعادة والرضا.
متى يصبح التوقف قرارًا صحيحًا؟
يفرق علماء النفس بين المثابرة أمام العقبات القابلة للتجاوز، والاستمرار فى أهداف أصبحت بعيدة عن الإمكانات المتاحة أو فقدت أهميتها.
وقد يكون تعديل الهدف أو اختيار طريق بديل وسيلة للحفاظ على الجهد وتوجيهه بصورة أكثر فاعلية، بينما تتيح فترات الراحة استعادة النشاط دون التخلى عن الطموح.
وهكذا لا تتحدد قيمة السعى الإنسانى بعدد الإنجازات وحدها، بل ترتبط كذلك بقدرة الإنسان على تحديد أولوياته، وتحقيق التوازن بين العمل وصحته وعلاقاته وحياته الشخصية.