دندراوى الهوارى

تجربة الصين وتطبيقها فى مصر.. نشر صور العلماء فى الشوارع والميادين

الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 12:00 م


تقدم الأمم ليس من قبيل الصدفة، وإنما وفق معايير واضحة وقوية تحكم مسيرة المجتمعات، وترسم ملامح مستقبلها، والصين نموذج واضح وجلى ماثل أمام أعين شعوب العالم، تصرخ بأن الاهتمام بالعلم وبذل الجهد والعمل الشاق الدؤوب عوامل السحر فى النهوض والتقدم، بجانب معيار جوهرى ومهم، وهو طبيعة النموذج الذى تمنحه المجتمعات مكانة البطولة، والأسماء التى تضعها أمام أعين أطفالها وشبابها، والوجوه التى تختارها لتتصدر صورهم وأسمائهم، شوارعها وميادينها وشاشاتها، تأسيسا على أن الأمم التى تريد صناعة المستقبل لا يمكن أن تظل أسيرة الاحتفاء بالمشاهير من نجوم السينما ولاعبى كرة القدم، وحدهم، بينما يظل أصحاب العقول والاكتشافات والاختراعات بعيدين عن دائرة الضوء.

لذلك تكتسب التجربة الصينية الأخيرة أهمية استثنائية، ليس باعتبارها مجرد حملة إعلانية أو لفتة تكريمية، وإنما باعتبارها رسالة ثقافية وحضارية تعيد ترتيب سلم التقدير الاجتماعى، ففى أغسطس 2026، بدأت مبادرة لافتة فى مدينة «خهتسه» بمقاطعة «شاندونج» عندما قررت مراكز تجارية تخصيص مساحات إعلانية باهظة الثمن لعرض صور علماء الصين وإنجازاتهم، بدلا من الإعلانات التجارية المعتادة.

وسرعان ما انتقلت الفكرة إلى مدن أخرى، بينها تشينجداو وهانجتشو وخفى وتشنجتشو، ثم تسللت بقوة إلى شاشات محطات المترو والمساحات العامة، حتى أصبحت صور العلماء جزءا من المشهد اليومى للمواطنين.

لم يكن اختيار الأسماء عشوائيا أو تم بشكل عادى، وإنما أسماء صنعت تاريخ الصين العلمى والتكنولوجى، وفى المقدمة جاء تشيان شيويه سن، عالم الصواريخ والفضاء، الذى يعد أحد أبرز مهندسى البرنامج الصينى للصواريخ والفضاء، وكان لعودته إلى بلاده دور محورى فى بناء قدراتها العلمية والاستراتيجية، بجانب دنج جيا شيان، عالم الفيزياء النووية وأحد العقول الرئيسية وراء تطوير البرنامج النووى الصينى، الذى عمل سنوات طويلة فى ظروف من السرية والتضحية، بعيدا عن الأضواء والشهرة.

كما تصدرت الصور يوان لونج بينج، عالم الزراعة، الذى ارتبط اسمه بتطوير الأرز الهجين، وأسهمت أبحاثه فى زيادة إنتاج الغذاء ومواجهة تحديات الجوع، فضلا عن تو يو يو، العالمة الصينية الحاصلة على جائزة نوبل فى الطب عام 2015، تقديرا لاكتشافاتها المتعلقة بعلاج الملاريا باستخدام مادة الأرتيميسينين.
ظهرت أيضا أسماء علمية بارزة مثل وانج دا هينج، أحد رواد البصريات والتكنولوجيا فى الصين، ونان رن دونج، عالم الفلك الذى ارتبط اسمه بتطوير التلسكوب الراديوى العملاق الصينى.

الرسالة هنا تتجاوز تكريم هؤلاء العلماء بوضع صورهم وإبراز أسمائهم وتعدد إنجازاتهم، لتصل إلى الأطفال، فحين يرى الطفل صورة «تشيان شيويه سن» فى محطة المترو، ويقرأ عن إسهام دنج جيا شيان فى البرنامج النووى، ويتعرف إلى يوان لونج بينج، ودوره فى توفير الغذاء، فإنه يتلقى درسا يوميا فى معنى النجاح والتقدير الحقيقي.

وحين تتحول وجوه العلماء إلى صور مألوفة فى الشوارع، تصبح المعرفة جزءا من الثقافة العامة، ويتحول العالم من شخصية مجهولة خلف أبواب المعامل فى المراكز البحثية إلى بطل يستحق الإعجاب والاقتداء.
اللافت فى تقديرى فى التجربة الصينية، أن صناعة القدوة لا تحتاج بالضرورة إلى تخصيص ميزانيات ضخمة أو تدشين مشروعات معقدة، فشاشة إعلانات واحدة، وصورة عالم، وسطور قليلة لبطاقة تعارف عن اسمه ومساهماته فى العلم والابتكار، يمكن أن تفتح أمام طفل نافذة جديدة للحلم.

ومن الصين إلى مصر، حيث تصبح الاستفادة من التجربة الصينية ضرورة ثقافية وتربوية، وليس مجرد تقليد لمشهد بصرى جميل، فقد آن الأوان لإعادة النظر فى معادلة الاهتمام العام، وتصحيح ما يمكن وصفه بالهرم المقلوب للقدوة والشهرة، وهنا لا بد من توضيح أمر مهم مفاده أن هذا الطرح ليس هدفه إقصاء نجوم الفن أو مشاهير لعبة كرة القدم، ولا ينتقص من قيمة الترفيه والإنجاز الرياضى، لكن المشكلة تبدأ عندما يحتكر هؤلاء المشهد العام، بينما يتراجع حضور العلماء والباحثين والمبتكرين، رغم أن إنجازاتهم أكثر التصاقا بمستقبل الوطن وقدرته على المنافسة.

لماذا لا تتصدر صور الدكتور مجدى يعقوب الميادين والشاشات المصرية، باعتباره واحدا من أبرز جراحى القلب فى العالم، وصاحب إسهامات طبية وإنسانية عالمية، ومؤسس مركز أسوان للقلب الذى يقدم خدمات علاجية ويدرب أجيالا من الكوادر الطبية؟ ولماذا لا تكون صورة الدكتور فاروق الباز حاضرة فى شوارعنا، وهو العالم المصرى الذى شارك فى برنامج أبولو التابع لوكالة ناسا، وأسهم فى تخطيط الاستكشافات والهبوط على سطح القمر؟ ولماذا لا نستعيد صورة الدكتور أحمد زويل، الحاصل على جائزة نوبل فى الكيمياء عام 1999، الذى أحدث ثورة علمية فى دراسة التفاعلات الكيميائية باستخدام تقنية الفيمتوثانية؟
هؤلاء ليسوا مجرد أسماء تستحق التكريم فى المناسبات الرسمية، وإنما نماذج إنسانية وعلمية يجب أن تصبح جزءا من الذاكرة البصرية اليومية للمصريين، وإلى جوارهم ينبغى أن نفتح المجال أمام الأجيال الجديدة، وأن نحتفى بالمواهب الصاعدة والطلاب المتفوقين والمبتكرين الصغار، ومن هذه النماذج الطفلة ميار محمد عثمان، التى حققت إنجازا لافتا بفوزها بلقب تحدى القراءة العربى لعام 2026، لتقدم نموذجا لطفلة جعلت المعرفة والقراءة طريقا للتميز ورفع اسم مصر، فليس شرطا أن يكون كل نموذج ملهم عالما بالفعل، وإنما المهم أن نحتفى بالتفوق والاجتهاد والشغف بالمعرفة، ونمنح أصحابها فرصة ليكونوا قدوة لغيرهم.

الأمر لا ينبغى أن يتوقف عند تعليق الصور فى الميادين والشوارع الرئيسية، أو عرضها على الشاشات، وإنما المطلوب تدشين مشروع وطنى تتبناه وزارات التربية والتعليم والثقافة والتعليم العالى والبحث العلمى، بالتعاون مع المحافظات والجامعات والمؤسسات الإعلامية والقطاع الخاص، مشروع يخصص مساحات ثابتة فى الميادين ومحطات المترو والطرق الرئيسية والمراكز الثقافية لصور العلماء المصريين، مصحوبة بتعريف مبسط بإنجازاتهم، وقصص كفاحهم، ويمكن أن تتجدد هذه المساحات دوريا، بحيث تشمل العلماء المعاصرين والباحثين الشباب والمخترعين وأصحاب الابتكارات التى تخدم المجتمع.

ينسجم هذا المشروع مع أهداف رؤية مصر 2030 التى تضع المعرفة والابتكار والبحث العلمى ضمن ركائز التنمية، وتؤكد الاستثمار فى الإنسان وبناء قدراته الإبداعية، لكن الانتقال من النصوص الاستراتيجية إلى الثقافة اليومية يحتاج إلى مبادرات مرئية وملموسة يشعر بها المواطن فى الشارع والمدرسة ووسائل النقل.

لقد حان الوقت لكى يرى الطفل المصرى العالم فى حجم البطل، والمخترع فى مكانة النجم، والباحث فى صدارة المشهد، فحين نغير الوجوه التى تتصدر مياديننا، فإننا لا نغير شكل الشوارع فحسب، بل نعيد رسم خريطة طموحات الأجيال، ونصحح مسار الدرب واتجاه البوصلة نحو المستقبل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة