عبد الحليم محمود

مبابي وماو.. كيف تحوّل ميم ساخر إلى أزمة تتجاوز كرة القدم؟

الإثنين، 02 نوفمبر 2026 02:36 ص


ما الذي يمكن أن يجمع بين كيليان مبابي وماو تسي تونغ؟ يبدو السؤال غريبًا؛ فالأول نجم كرة قدم فرنسي، والثاني الزعيم الصيني الذي قاد الثورة الشيوعية وأعلن تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، وظل قائدًا للبلاد حتى وفاته عام 1976. وبين الرجلين أكثر من نصف قرن من التاريخ، ولا تبدو، للوهلة الأولى، أي علاقة ممكنة. لكن صورة ساخرة على الإنترنت قررت أن تجمعهما. ظهر وجه مبابي مركبًا فوق صورة ماو، ضمن سلسلة من الصور التي اعتاد مستخدمو الإنترنت تداولها للسخرية من النفوذ الكبير الذي أصبح يتمتع به اللاعب في عالم كرة القدم. وعندما سُئل مبابي بعد ظهوره في برنامج حواري عبر الإنترنت بعنوان "ذا بريدج" عن صورته الساخرة ( ميم ) التي وجدها أكثر طرافة، أشار إليها وقال إنه يعتقد أن الشخص الموجود فيها «ديكتاتور صيني». وكان يقصد، على ما يبدو، صورة ساخرة عنه هو نفسه، لا تعليقًا سياسيًا على الصين أو على ماو. لكن المزحة التي بدت صغيرة في مكان، لم تبق صغيرة في مكان آخر.

اعتذر مبابي بعد ذلك، وأنهت شركات صينية شراكاتها معه، وأزيلت بعض إعلاناته، وتوقفت محطة التلفزيون الحكومية الصينية عن بث مباريات من الدوري الإسباني، بينما دخلت رابطة الدوري الإسباني على خط الأزمة. فجأة، خرجت جملة من فيديو قصير لتنتقل من شاشة الهاتف إلى الشركات، ومن الشركات إلى السوق، ومن السوق إلى المجال السياسي والإعلامي. لكن لماذا كان الأمر حساسًا إلى هذه الدرجة؟ لأن مبابي كان يرى صورة ساخرة، بينما كان المشاهد الصيني يرى صورة ماو. وماو تسي تونغ ليس مجرد اسم في كتاب تاريخ بالنسبة إلى الصين؛ فهو الزعيم الذي قاد الثورة الشيوعية وأصبح رمزًا مؤسسًا للصين الحديثة، رغم الإرث المعقد والمثير للجدل المرتبط بسياساته وحملاته. ولذلك فإن المزاح حول صورته لا يحمل المعنى نفسه في كل مكان. ما يراه شخص في باريس مجرد صورة ساخرة، قد يراه شخص آخر في بكين مساسًا برمز تاريخي شديد الحساسية.


وهنا تتجاوز الحكاية مبابي وماو. فالمشكلة ليست فقط في ما قاله مبابي، وإنما في المسافة بين ما قصده وما أصبح يعنيه كلامه. ربما لم يقصد الإساءة، وربما كان يضحك على صورة تسخر منه هو نفسه، لكن النية شيء، وما تصل إليه الرسالة في العالم شيء آخر. كلما كبرت شهرة الإنسان، صغرت المسافة بين كلمته ونتائجها. لم يعد اللاعب العالمي مجرد شخص مشهور؛ خلفه ناد، وشركات، ورعاة، وجمهور، وأسواق تتجاوز الحدود. ولذلك فإن الثقافة المطلوبة من النجم العالمي ليست أن يكون مؤرخًا أو سياسيًا، وإنما أن يعرف العالم الذي يتحدث إليه، وأن يدرك أن الرموز ليست متساوية في كل الثقافات، وأن صورة قد تبدو مضحكة في باريس قد تحمل معنى مختلفًا تمامًا في بكين. فالثقافة هنا ليست عدد الكتب التي قرأها، بل القدرة على فهم السياق الذي تتحرك فيه الكلمة والصورة.


لقد اعتذر مبابي، وقال إن تعليقه كان غير موفق، وإنه أدرك أنه جرح مشاعر كثيرين في الصين وفي المجتمعات الصينية حول العالم. لكن الاعتذار لا يلغي السؤال الأهم: هل اتسعت ثقافة النجم بالقدر نفسه الذي اتسعت فيه شهرته؟ إن قصة مبابي لا تستحق أن تتحول إلى محاكمة للاعب بقدر ما تستحق أن تكون درسًا في زمن أصبحت فيه الشهرة نوعًا من القوة. فالنجم الذي يعرف كيف يسجل الأهداف، يحتاج أيضًا إلى أن يعرف كيف يقرأ العالم؛ لأن المباريات الكبرى لا تُلعب دائمًا داخل الملعب. أحيانًا تبدأ من صورة على شاشة هاتف، ثم تنتقل إلى التاريخ، والسياسة، والاقتصاد، وتنتهي عند حدود لا يتوقعها صاحبها. وربما لهذا السبب لم تكن قصة مبابي وماو عن كرة القدم وحدها، بل عن شيء أكبر: ماذا يحدث عندما تصبح شهرة الإنسان أكبر من أن تظل كلماته ملكًا له وحده؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة