لا تبدأ السيطرة على عقل العضو داخل أي تنظيم مغلق بقرار يصدر من القيادة أو أمر يطلب منه تنفيذه، وإنما قد تبدأ قبل ذلك بكثير، من اللحظة التي تتشكل فيها علاقته الأولى بالجماعة، وتتدرج فيها مساحة ارتباطه بالفكرة، ثم تتحول إلى شبكة من الالتزامات والانتماءات التي تؤثر في طريقة تفكيره وتقييمه للأحداث وتعامله مع المجتمع المحيط به.
وفي كتابيه "سر المعبد" و"قلب الإخوان"، يقدم الدكتور ثروت الخرباوي، القيادي الإخواني السابق، روايته عن جوانب من البناء الداخلي للجماعة الإرهابية، متوقفا عند نظام الأسر والبيعة والتراتبية التنظيمية والدوائر المغلقة وثقافة السمع والطاعة. ومن خلال هذه الشهادات يمكن قراءة خريطة التأثير التنظيمي عبر سبع أدوات مترابطة، تبدأ من تشكيل علاقة العضو بالتنظيم، ولا تنتهي عند حدود القرار الذي يصدر من القيادة وينتظر من القواعد تنفيذه.
1- التنشئة الأولى.. بناء الارتباط قبل اكتمال الصورة
تبدأ الأداة الأولى من مرحلة التعارف والتقارب، حيث لا يدخل الفرد بالضرورة إلى التنظيم وهو يمتلك تصورا كاملا عن بنيته الداخلية أو طبيعة الالتزامات التي قد تترتب على انضمامه فالارتباط يبدأ من مساحة مشتركة قد تكون نشاطا اجتماعيا أو دينيا أو فكريا، ثم يتطور تدريجيا مع اتساع دائرة المشاركة والتواصل.
وفي رواية الخرباوي، تمثل مراحل التكوين داخل الجماعة مدخلا أساسيا لفهم كيفية انتقال الفرد من دائرة التعارف إلى الالتزام التنظيمي فالتدرج لا يرتبط فقط بتكليفات العمل وإنما يتصل أيضا بتكوين علاقة متزايدة القوة بين العضو والكيان، وبانتقاله إلى دوائر أكثر ارتباطا بالحياة الداخلية للجماعة.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تضع الأساس النفسي والفكري للانتماء إذ يصبح التنظيم بالنسبة إلى العضو مساحة للصحبة والهوية والعمل المشترك قبل أن تتضح له بالضرورة جميع تفاصيل الهيكل الذي ينتمي إليه.
2- نظام الأسر.. تحويل الانتماء إلى علاقة يومية مستمرة
تأتي الأسر التنظيمية باعتبارها إحدى المحطات المهمة في رواية الخرباوي عن البناء الداخلي للجماعة الإرهابية فهي لا تقتصر على جمع مجموعة من الأعضاء في لقاء دوري وإنما تمثل إطارا للتواصل والتكوين وتبادل الأفكار ومتابعة الالتزامات بما يجعل علاقة الفرد بالتنظيم حاضرة في تفاصيل حياته بصورة مستمرة.
وفي "سر المعبد" يتناول الخرباوي طبيعة البناء التنظيمي والدوائر التي يتحرك من خلالها الأعضاء، وما يرتبط بها من مستويات مختلفة للمعرفة والالتزام، ومن هنا تبرز أهمية الأسرة باعتبارها مساحة تتشكل داخلها العلاقات التنظيمية، ويتعرف العضو من خلالها على المسؤولين عنه وعلى طبيعة التكليفات المنتظرة منه.
ومع تكرار اللقاءات والأنشطة لا يعود الانتماء مجرد فكرة يتبناها الفرد، بل يتحول إلى شبكة علاقات ومواعيد والتزامات، وهو ما يجعل التنظيم حاضرا في يوميات العضو ويزيد من ارتباطه بالمجموعة التي يتحرك داخلها.
3- صناعة الهوية.. حين يصبح التنظيم جزءا من تعريف الفرد لنفسه
لا تتوقف عملية التكوين عند معرفة العضو بالأفكار أو القواعد التنظيمية، بل تمتد إلى تشكيل هويته وانتمائه وهنا يبرز السؤال عن المساحة التي يحتفظ بها الفرد لنفسه خارج الكيان الذي ينتمي إليه، ومدى قدرته على الفصل بين قناعاته الشخصية ومتطلبات الجماعة.
وتكشف قراءة شهادات الخرباوي عن أهمية الولاء التنظيمي في تحديد علاقة العضو بالقيادة وبالمستويات المختلفة داخل الجماعة فكلما أصبح الانتماء محوريا في تعريف الفرد لنفسه زادت حساسية علاقته بأي نقد يوجه إلى التنظيم وقد يتحول الاختلاف مع موقف للجماعة إلى شعور بأنه يمس انتماءه ذاته.
4- احتكار المعرفة.. عضو لا يرى الصورة كاملة
من أبرز الملفات التي يتوقف عندها الخرباوي في كتابيه تفاوت مستويات المعرفة داخل البناء التنظيمي، وطبيعة الدوائر المغلقة التي لا تتاح تفاصيلها بالقدر نفسه لجميع الأعضاء.
وهنا تظهر أداة التأثير الرابعة: التحكم في المعلومات المتاحة لكل مستوى، بحيث لا يمتلك العضو بالضرورة صورة كاملة عن الهيكل أو خلفيات القرارات أو طبيعة الملفات التي تتحرك فيها القيادة ويصبح موقع الفرد داخل التراتبية محددا لما يعرفه وما يشارك فيه وما يتلقى بشأنه من توجيهات، ويثير هذا الأمر سؤالا جوهريا حول استقلال القرار فكيف يستطيع العضو تقييم تكليف أو موقف لا يعرف جميع خلفياته؟ وكيف يمكنه مراجعة قرار إذا كانت المعلومات التي تسمح له بفهمه محصورة في نطاق لا يملك تجاوزه؟
وبحسب رواية الخرباوي، فإن السرية وتفاوت المعرفة من السمات التي تستحق التوقف أمامها عند فهم البناء الداخلي للجماعة الإرهابية لأنها تكشف العلاقة بين امتلاك المعلومات وامتلاك سلطة التأثير وصناعة القرار.
5- البيعة والولاء.. تحويل الانتماء إلى التزام ممتد
تأتي البيعة باعتبارها واحدة من أهم المحطات في فهم العلاقة بين العضو والتنظيم، فالخرباوي يتناولها في "سر المعبد" باعتبارها رابطة تتجاوز مجرد إعلان الانضمام، وترتبط بمفهوم الالتزام والولاء للكيان، كما تحدث في شهاداته عن اختلاف مستويات البيعة وطبيعة الالتزامات المرتبطة ببعض الدوائر المغلقة.
6- السمع والطاعة.. من تنفيذ التكليف إلى تراجع التفكير المستقل
هنا يصل البناء التنظيمي إلى أكثر مراحله حساسية، وهي العلاقة بين الطاعة وحرية التفكير، ففي "قلب الإخوان"، يتناول الخرباوي ثقافة السمع والطاعة والتراتبية التي تنتقل من خلالها التوجيهات من المستويات القيادية إلى القواعد، ويطرح تساؤلات حول المساحة المتاحة للعضو في مناقشة القرارات أو إبداء الاعتراض.
والفارق كبير بين الانضباط الذي يحتاج إليه أي عمل جماعي، وبين الطاعة التي تتحول إلى التزام لا يسمح بالسؤال أو المراجعة، ففي الحالة الأولى، يعرف العضو أسباب التكليف ويستطيع مناقشة تفاصيله في إطار من المسؤولية، أما في الحالة الثانية فتتقدم سلطة الأمر على حق الفرد في الفهم والتقييم.
وبحسب ما يرويه الخرباوي، فإن الطاعة داخل بعض الدوائر التنظيمية لا تتوقف عند تنفيذ المهام، وإنما تمتد إلى المواقف والاختيارات التي ترتبط بالقرار الجماعي. وهنا يصبح السؤال عن حدود استقلال العضو ضروريا: هل يملك أن يحتفظ برأيه المختلف، أم أن الانتماء يفرض عليه تبني موقف التنظيم حتى عندما لا يتفق معه؟.
7- إعادة رسم العلاقة بالمجتمع.. التنظيم في مواجهة المساحة المستقلة للفرد
الأداة السابعة تتعلق بحدود العلاقة بين العضو والتنظيم من ناحية، وبينه وبين المجتمع من ناحية أخرى فحين تصبح الجماعة هي الإطار الأهم الذي يستمد منه الفرد هويته ومعلوماته وتوجيهاته، تبرز احتمالات تراجع استقلال علاقاته ومواقفه خارج هذا الإطار.
وتفتح رواية الخرباوي عن التكوين الداخلي والدوائر التنظيمية بابا لمناقشة هذه المسألة، خاصة أن العضو لا يتحرك في فراغ، وإنما يعيش داخل مجتمع متعدد الأفكار والانتماءات والمصالح ويظل التحدي قائما في قدرته على الاحتفاظ بمساحة مستقلة للحكم على الأحداث، والتعامل مع المختلفين معه، ومراجعة المواقف التي يتبناها التنظيم.