دندراوى الهوارى

ميار عثمان بنت المدارس الحكومية تضع تاج المعرفة على رأس مصر وتتفوق على 40 مليون طالب من 60 دولة

الإثنين، 02 نوفمبر 2026 12:00 م


هناك لحظات لا تحتاج إلى كثير من الكلام كى تستقر فى وجدان أمة بأكملها، ولا تحتاج إلى خطب رنانة كى توقظ مشاعر الفخر والانتماء، تكفى فيها طفلة صغيرة، وعلم وطن يرفرف على كتفيها، وقفزة فرح بريئة، وسجدة شكر على خشبة مسرح، بعدما أُعلن فوزها باللقب العربى فى واحدة من أضخم المنافسات المعرفية، التى شهدها العالم، لتقول لملايين المصريين والعرب: إن مصر التى يعرفها التاريخ ما زالت ولادة بالمبدعين، وإن عبقرية هذا البلد لا تزال قادرة على إنجاب الدهشة حتى فى أكثر اللحظات التى نظن فيها أن الدهشة أصبحت عملة نادرة.

قفوا احتراما وتبجيلا للطفلة المعجزة، ميار عثمان، قفوا لهذه المصرية الصغيرة التى لم تأتِ من التجمع الخامس، ولا من الشيخ زايد، ولا من مدرسة دولية تتباهى برسومها الدراسية وأسمائها الأجنبية، وإنما جاءت من مدرسة الشهيد حمدى شرابى الابتدائية، بمدينة برج البرلس بمحافظة كفر الشيخ، مدرسة حكومية فى مدينة مصرية بعيدة عن صخب العاصمة وأضوائها، لتزلزل مسرح جائزة تحدى القراءة العربى بدبى، وتنتزع اللقب الأول على مستوى الوطن العربى، وسط مشاركة تجاوزت 40 مليون طالب وطالبة من 60 دولة!

المشهد برمته يحتاج للتأمل العميق، طفلة مصرية تتدثر بعلم بلادها، تقفز فرحا، ثم تسجد شكرا لله، بينما تتجه إليها أنظار الحاضرين وملايين المتابعين من خلف الشاشات، لم تكن مجرد لحظة فوز بجائزة، وإنما كانت لحظة انتصار للطفولة المصرية، وللمدرسة الحكومية، وللموهبة التى لا تعرف حدودا جغرافية أو طبقية، وللكتاب الذى لا يزال قادرا على صناعة المعجزات، حتى فى زمن يزاحم فيه الضجيج المعرفة، وتتصدر فيه التفاهة مشاهد كثيرة من حياتنا.
والأكثر دلالة على عظمة اللحظة أن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية الشقيقة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبى، لم يكتفِ بتسليم ميار كأس البطولة وتكريمها، وإنما منحها دبوسه الشخصى الذى كان يرتديه، بعدما قبل رأسها واحتضنها فى لفتة إنسانية بالغة الدلالة، وكأن الرجل أراد أن يقول لهذه الطفلة: إن هناك إنجازات لا تكفيها الكؤوس، وإن بعض لحظات التفوق تستحق أن يمنحها الإنسان شيئا من مقتنياته الخاصة، تعبيرا عن التقدير والامتنان ومنسوب المحبة المرتفع حتى الرقبة!

هذه اللقطة وحدها تستحق أن تُعلق فى ذاكرة كل طفل مصرى، وأن تتحول إلى صورة معلقة فى كل مدرسة، لا باعتبارها تكريما لـ«ميار» وحدها، وإنما باعتبارها رسالة تقول: إن العلم والمعرفة والقراءة تستطيع أن تفتح لصاحبها أبوابا لا تفتحها الأموال ولا الأسماء ولا الوجاهة الاجتماعية.
لكن خلف لحظة التتويج حكاية تستحق أن تُروى.. «ميار» لم تصعد إلى المنصة بالمصادفة، ولم تهبط عليها هدية من السماء دون جهد، فقد بدأت رحلتها من مدرستها الحكومية، بعدما لاحظت مسؤولة النشاط المدرسى موهبتها فى القراءة وسلامة نطقها وقدرتها على التعبير، وشجعتها على المشاركة، وكانت والدتها، وهى معلمة الغة العربية، صاحبة دور مهم فى اكتشاف موهبتها وتنميتها وتدريبها على التحدث بالفصحى، فيما ساندها والدها وأسرتها فى رحلتها.

هنا تبرز الرسالة الأهم فى حكاية «ميار» مفادها أنها ليست طفلة مصرية فازت بجائزة عربية كبرى فقط، ولكن وراء كل موهبة عظيمة بيئة يمكن أن تحتضنها، ومدرسة يمكن أن تكتشفها، ومعلما يمكن أن يضىء طريقها، وأسرة تؤمن بها، وهذا ما يجعل مسؤولية الدولة والمجتمع أكبر من مجرد الاحتفاء بصورة بطلة، إذ ينبغى أن تتحول هذه اللحظة إلى مشروع حقيقى لاكتشاف المواهب فى المدارس الحكومية، وتطوير المكتبات المدرسية، وإعادة الكتاب إلى قلب العملية التعليمية، ومنح الأطفال فرصا متكافئة للوصول إلى المعرفة.

ميار عثمان ما هى إلا مجرد نموذج لامتداد الحبل السرى للعبقرية المصرية، على مدار ما يقرب من ستة آلاف عام، ومصر التى أنجبت العلماء والكتاب والمفكرين، وشيد أبناؤها حضارة أبهرت الإنسانية، لا تزال قادرة على أن تخرج من أعماق قراها ومدنها، طفلة تحمل كتابا، فتفتح به نافذة على العالم، وتعيد إلينا شيئا من الثقة فى أن المستقبل لا يزال ممكنا، وأن العقول المصرية قادرة على صناعة الفارق متى وجدت الرعاية والتشجيع والفرصة.
قفوا احتراما وتبجيلا لميار عثمان، فبعض الأطفال يكبرون فى العمر، وبعضهم يكبرون بأحلامهم وإنجازاتهم، و«ميار» اختارت أن تكبر بالقراءة، حتى أصبحت فى الحادية عشرة من عمرها حكاية فخر لوطن بأكمله.

سلاما على طفلة جعلت الكتاب تاجا، والعلم راية، والسجود شكرا، وجعلت مصر تقف من جديد أمام مرآة مجدها، سعيدة وفخورة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة