لماذا يواصل الإنسان المحاولة رغم الفشل؟ وما الذى يدفع شخصًا إلى قضاء سنوات فى التعلم والعمل وتحقيق أهدافه، بينما يفقد آخر حماسه أمام الصعوبات؟ شغلت هذه الأسئلة علماء النفس لعقود، وظهرت نظريات متعددة لتفسير الدافعية والطموح والمثابرة، كشفت أن السعى البشرى لا يرتبط بالحاجة إلى المال أو النجاح وحدهما، بل يتأثر أيضًا بالرغبة فى التعلم والشعور بالكفاءة والانتماء والقدرة على اتخاذ القرار.
ما الذى يحرك الإنسان نحو أهدافه؟
تعرّف الجمعية الأمريكية لعلم النفس الدافعية بأنها القوة التى تمنح السلوك اتجاهًا وغاية، وقد تنشأ عن احتياجات بيولوجية، مثل الجوع والعطش، أو دوافع نفسية واجتماعية، مثل الانتماء والمنافسة وتحقيق الأهداف.
ويميز علماء النفس بين الدوافع الداخلية، التى تجعل الإنسان يمارس نشاطًا لأنه يستمتع به أو يجده ممتعًا فى ذاته، والدوافع الخارجية، التى تدفعه إلى العمل للحصول على مكافأة أو تجنب عقوبة.
فقد يقرأ شخص كتابًا بدافع الفضول، بينما يقرأه آخر استعدادًا لامتحان، وقد يجتمع الدافعان لدى الشخص نفسه.
نظرية التحديد الذاتى.. ثلاثة احتياجات نفسية
قدم عالما النفس إدوارد ديسى وريتشارد رايان إطارًا علميًا مؤثرًا لفهم الدافعية، عُرف باسم «نظرية التحديد الذاتى»، وتناولاه فى كتاب صدر عام 1985، ثم فى أبحاث لاحقة.
وترتكز النظرية على ثلاثة احتياجات نفسية أساسية: الاستقلالية، أى الشعور بأن للفرد دورًا فى اختيار أفعاله؛ والكفاءة، أى الإحساس بالقدرة على التعلم والإنجاز؛ والانتماء، أى وجود علاقات إنسانية يشعر من خلالها بالقبول والارتباط بالآخرين.
وتشير الأبحاث المرتبطة بهذه النظرية إلى أن دعم هذه الاحتياجات يساعد على تعزيز الدافعية والرفاه النفسى، بينما قد تؤدى البيئات شديدة التحكم والضغط إلى إضعافهما.
لماذا يستمر البعض رغم الفشل؟
لا تفسر الرغبة فى النجاح وحدها قدرة الإنسان على الاستمرار. فقد تناولت الدراسات النفسية عوامل متعددة تؤثر فى المثابرة، منها وضوح الأهداف، وتوقع إمكانية تحقيقها، والقيمة التى يمنحها الفرد للنتيجة، وطريقة تعامله مع العقبات.
وتوضح مراجعة علمية منشورة فى دورية «Annual Review of Psychology» أن المثابرة ليست الخيار المناسب فى جميع الظروف، إذ قد يكون التخلى عن هدف غير قابل للتحقيق، أو استبداله بهدف أكثر ملاءمة، جزءًا من التنظيم النفسى السليم للسلوك.
هل الطموح وحده يكفى لتحقيق النجاح؟
لا تساوى النظريات النفسية بين قوة الدافع وضمان النجاح، فالإنجاز يتأثر كذلك بالمهارات والموارد والفرص والبيئة الاجتماعية.
كما أن السعى وراء المكافآت الخارجية ليس سلبيًا دائمًا؛ فقد يكون العمل ضروريا لتوفير المعيشة، وقد تتطور علاقة الفرد به ليجد فيه قيمة شخصية.
وهكذا تكشف دراسات الدافعية أن السؤال ليس فقط عن مقدار الجهد الذى يبذله الإنسان، بل أيضًا عن أسباب هذا الجهد، والظروف التى تدعمه، ومدى ارتباط أهدافه باحتياجاته وقدراته الحقيقية.