أخشى على عرب إسرائيل من فرط الأمانى، ومن عواقب الحماس. وبعض النجاح قد يورث صاحبه ما لا قِبل له به، وكان فى غنىً عنه، أقله إلى أن تخف رائحة البارود فى الأجواء.
ما كل الانتصارات سواء، ولا الهزائم أيضا. وكثيرا ما تكون اللغة مضللة، لا سيما إن اختُزِلت الصورة فى أحد جوانبها، وصُرِفت الأنظار عمدا عن بقية التفاصيل الثقيلة والمربكة.
هُزِمَ حزب الله مثلا فى حرب يوليو 2006، غير أنه دفع فى انكساره الأخير أثمانا مضاعفة، وأعاد البلاد والعباد عقودا للوراء، أكان باستجلاب الاحتلال المباشر، أم بالتهجير والتدمير.
وحماس تلقّت عدة صفعات سابقة، على امتداد إغارات الصهاينة المتقطعة، وحروبهم الجزئية على فواصل زمنية بمنطق «جزّ العشب»، إنما لا يُقارن كل ما فات بما تسببوه فيه بالطوفان، وحمّل القضية نكبة ثانية، تفوق الأولى وكل ما تلاها طيلة ثمانية عقود.
وقمة البؤس، أن الميليشيا اللبنانية تزعم النصر لأنها باقية لم تتكسر على صخرة العدو، وكذلك تفعل شريكتها الإخوانية فى غزة، وتزيد عليهم عمائم الممانعة فى طهران بالتهديد والوعيد، بينما جدار الجمهورية الإسلامية مثل غربال لا يستر ولا يحمى.
مفارقة بائسة، أن تُحسَب نتيجة الانتخابات الإسرائيلية على نتنياهو بالخسارة، إذ هو متقدم على منافسيه، وبعد كل ما أحدثه فى جبهات حربه الواسعة، فيما يُعدّد الممانعون مكاسبهم وقد صاروا عرايا، وأورثوا مجتمعاتهم الخيبة، وخسّروها كل شىء تقريبا.
غدا تنتهى آمال الملالى فى تطويق الشيطان الأكبر بالصناديق. يُصوّت الأمريكيون على تجديد الكونجرس، ويتفرّغ لهم ترامب أيا كانت النتيجة. وقد هاتف نتنياهو يوم السبت، فيما يبدو أنه تحضير لمعركة آتية لا محالة.
إن فاز الجمهوريون، فسيعدّها سيد البيت الأبيض إقرارا لنهجه السابق، وتفويضا بالاستمرار. وحال خسروا سيثأر ممّن أهدر أغلبيته البسيطة، وصلاحياته تسمح على الوجهين، وفى كل الأحوال لن يُسلّم بما تريد طهران، إذ الضرر المعنوى لا يقل ضغطا عليه عن المادى.
مأزق الملالى أنهم نجحوا فوق اللازم، أو بأكثر مما يكفى للبقاء فى مأمن، وعدم استفزاز الآخرين. وفى ذلك تمتد السلسلة: ابتلاع الثورة، فتديين الدولة، والتمدد خارجيا إلى حد الهيمنة على عدة عواصم، واللعب فى التوازنات الجيوسياسية للإقليم. وفى القلب منها جميعا، الحط من كرامة الولايات المتحدة بدءا من رهائن السفارة، وتفجيرات بيروت، وما جرى فى العراق وسواحل اليمن وصولا للصدام الأخير.
يغرى النجاح بالمزيد، ويعزر سردية البأس والاستثناء، حتى إن كان بالمصادفة أو لملء فراغ خلّفه آخرون. وهكذا صدق الملالى أحلام اليقظة، ودعايات تصدير الثورة ومحاربة الاستكبار، وإغراء التترّس وراء دفاعات متقدمة، فاستدرجوا لهشاشة التمدد الأفقى الواسع، وما يتولّد عنه من انكشاف ونقاط رخوة.
تلك النشوة أشد ما يثير الخوف على فلسطينيى الخط الأخضر، إذ ضاعفوا مقاعدهم تقريبا. كان حضورهم محل ارتياب واستهداف، فعبّروا عنه بأشد الصور وأكثرها استفزازا، ومن غير أن يغير ذلك من تركيبة الحكم، أو يمنحهم حضورا فاعلا وحقيقيا فى صناعة القرار.
بات بإمكانهم أن يكونوا صانعى الملوك، غير أن رابين كان ملكا بالفعل، وطُوّح عن العرش فى ميدان «ملوك إسرائيل»، فما حمته الديمقراطية ولا شفع له الانتماء الصهيونى. وموقغ العرب كأنه دعوة للمفاضلة بين عدوّين، واختيار من يُسلّمونه زمام التنكيل بهم أو الافتئات على حقوقهم.
إفراط فى النجاح، سيقود إلى مبالغة ترتب تداعيات ثقيلة، أو ينتكس الناجحون فى موعد قريب، فتتجمّع فى حلوقهم مرارة مُضاعفة: الارتداد الصعب للوراء، ونوستالجيا الحلم الذى توهّموه فى المتناول. غير عابئين بأن أقصى وزن لهم لا يزيد على 20%، والاقتراب منه يُصلّب الجبهة المضادة، ويحفز خطاب اليهود ضد الأغيار، كى لا يُبنَى أحد أركان الهيكل على أكتاف «عماليق».
لعنة المبالغة فى الحشد واستعراض القوة فى سياق ردىء، أو بطريقة غير مثالية. بالضبط كما فعل يحيى السنوار فى طوفانه الغبى، فانتشى بضع دقائق، وأورث بيئته سنوات من الموت والخراب، وبينهما منح زعيم الليكود هدية العمر وأثمن فرص الطفو وصناعة الأسطورة.
وغالب الظن، أن العملية كبرت فى أيديهم عن غير قصدٍ. أى نجحوا أكثر من اللازم، فأعجبتهم اللعبة وغرقوا فيها لرؤوسهم، ثم عادوا بعشرات الأسرى، وفى حقيقة الأمر كان يعودون باللعنة معهم، على طريقة أغبياء الأساطير القديمة.
قبل عقدين اختطفوا جلعاد شاليط، وبعد خمس سنوات استبدلوا به أكثر من ألف سجين، كان منهم السنوار وأغلب معاونيه لاحقا فى مقامرته الغبية. فعلوا بفرد ما لم يتمكنوا منه بما يزيد على مائتين وخمسين، ومعامل الزيادة الوحيد كان من نصيب القطاع ومنكوبيه، بمتوالية هندسية ضاعفت خسائر كل النزوات السابقة وجمعتها معا.
ولا أُنحّى أثر الزمن، واختلاف الدراما على مستوياتها الثلاثة: بين الفلسطينيين، وفى تل أبيب، وعلى امتداد الإقليم. على أن الالتفات عن التغيُّر يُؤخَذ على قائد القسّام، ولا يُبرِّر اندفاعته غير المحسوبة.
تنصح الحكمة بألا تستفزّ الضوارى، أو لا تجرح عدوّك الأقوى، فإما تقتله أو تُهادنه. وما فعله الحماسيّون أنهم نجحوا بجدارة فى قضم ما يعجزون عن ابتلاعه، ومَنح الذرائع لغريم مُتحفّز، ومُساندته فى تجييش بيئة كانت مُنقسِمةً قبل عملهم التطوّعى البائس.
وسيرة الحركة تشهد على نجاحات شبيهة، إذ استأسدت على الجميع فى أوّل انتخابات بعد عرفات، فاستحوذت على الأغلبية وشكّلت الحكومة بمُفردها، ثم انقلبت واقتطعت غزّة من دولة مُقطّعة الأوصال أصلاً، لتكتفى بالإمارة الإخوانية عن القضية وأحلامها الكُبرى.
وافترضت أن الصناديق منحتها صكّ ملكية، وفوّضتها فى المسار والمصير، فأبرمت اتفاقات مشبوهة تحت الطاولة وفى الكواليس، واستنفعت بترتيبات أوسلو، فيما كانت تتواطأ عليها مع نُظرائها من القوميين والتوراتيين.
نجح نتنياهو فى احتواء حماس، بوساطة أطرافٍ إقليمية ودولاراتها، إلى أن تمكّنا معًا من إجهاض السياسة.. تضخّمت قدراتها، وتعالت أطماعه فى تصفيتها، بعدما أضعف السلطة، وعرّى الميليشيا من الشرعية.
يدفع الفلسطينيون فواتير نجاحاتٍ وهميّة، ما اختاروها وإلا سعوا إليها، إنما أُخِذَ القرار فيها بمعزلٍ عنهم، ولصالح تحالفات وروابط أيديولوجية فوق وطنية.
ويُخشَى أن ينزلق عرب الداخل إلى فخٍّ شبيه، وأن ينجحوا بأكبر مِمّا يحتمل الامتحان، وبمجموعٍ يفوق الفرص المتاحة بعد الفرح العابر بالمجموع!
كانت الثورة الإسلامية مُقدّمة لما تُعانيه إيران اليوم، بعد خمسة عقود تقريبا. وأوهام حسن نصر الله وانتخابات فلسطين فى 2006. الطوفان كان نشوة ساعة، وتُدفَع أثمانه منذ ثلاث سنوات، وما بقِى أعظم وأصعب.
ولسابق العِلم بالصهاينة، ومَدّ خط تحولاتهم الراهن على استقامته، فاستنفار العرب الإسرائيليين لن يمرّ بسلامٍ، قريبًا وعلى المدى البعيد، وعليهم أن يستفيقوا من سكرة الفرح، ويتوجّسوا ألف مرة من النجاح المُفرط، ولعناته سابقة الوقوع والتكرار.