شهدت جبال الألب الفرنسية، إعادة افتتاح "برج بيريه" الشهير في مدينة جرونوبل، وذلك بعد عملية ترميم معقدة استمرت سبع سنوات وبتكلفة بلغت 15 مليون يورو، لتنقذ هذا المعلم التاريخي الذي يبلغ ارتفاعه 90 متراً من عقود من الإهمال ، وفقا لما نشره موقع" usaartnews".
ويُعد هذا المشروع نموذجاً رائداً في مجال صيانة التراث الخرساني الممتد للقرن العشرين، حيث شُيّد البرج عام 1925 على يد رائد العمارة الخرسانية أوجست بيريه بمناسبة المعرض الدولي للطاقة الكهرومائية والسياحة، إلا أنه أُغلق عام 1960 وبقي مهجوراً لقرابة ستين عاماً داخل حديقة "بول ميسترال"، لدرجة أن بعض السكان المحليين ظنوا خطأً أنه بُني بمناسبة أولمبياد 1968 الشتوي.
مختبر هندسي لإنقاذ الخرسانة
واجه فريق العمل تحدياً معمارياً فريداً، إذ عانى البرج من تدهور شديد في خرسانته المسلحة نتيجة عملية كيميائية تُعرف باسم "الكربنة"، والتي تُضعف الهيكل الإنشائي عبر تعريض حديد التسليح الداخلي للتآكل والصدأ.
ونظراً لأن أساليب ترميم الآثار الحجرية التقليدية القائمة على استبدال الأجزاء التالفة لا تتناسب مع الطبيعة المتجانسة للخرسانة، تحول البرج إلى "مختبر حي" استمرت فيه أعمال المراقبة والدراسة لعام كامل.
ابتكر الفريق تقنية جذابة وغير تقليدية تمثلت في إزالة 6 سنتيمترات من الطبقة الخرسانية الأصلية للأعمدة، وزرع قضبان حديد تسليح جديدة في عمق الهيكل، ثم رش خرسانة جديدة فوقها.
ورغم أن هذه الطريقة تُستخدم عادةً لتثبيت المنحدرات الجبلية ولم يسبق تطبيقها في قطاع التراث، إلا أنها كانت الخيار الأضمن لتحقيق الاستقرار الإنشائي.
مهارة بشرية تتحدى المواثيق الدولية
أثار هذا التدخل الجذري نقاشاً فكرياً في أوساط الهندسة، لكونه يتحدى بعض مبادئ الحفاظ على الآثار الراسخة مثل "ميثاق البندقية لعام 1964" الذي يشترط الحفاظ على المواد الأصلية وإمكانية عكس التعديلات مستقبلاً.
ورغم ذلك، نجح المشروع في احترام التصميم الأصلي بدقة، حيث أُعيد إنتاج البصمات والملمس المميز لألواح الخشب التي اعتمدها "بيريه" عبر الاستعانة بالرسومات المؤرشفة، وخلطة إسمنتية محلية ممزوجة برمل جبال الألب.
ولم يعتمد المشروع على مواد مبتكرة غالية الثمن، بل ركز بالدرجة الأولى على التشخيص العلمي الدقيق والعمالة الماهرة،واستخدم البناؤون مواد رخيصة ومتاحة، لتكمن القيمة الحقيقية للمشروع في حرفية العمال والدعم الأكاديمي المصاحب له.
انطلاقة سياحية جديدة
بعد أن كان البرج في القرن الماضي منارة للبناء الحديث، تحول اليوم إلى نموذج عالمي يُحتذى به في كيفية ترميم الهياكل الخرسانية الضخمة.
وتتوقع مدينة جرونوبل أن يستقطب هذا المعلم نحو 40 ألف زائر سنوياً، حيث سجل بالفعل صعود 8 آلاف زائر إلى قمته منذ إعادة افتتاحه.

برج بيريه الفرنسى