دندراوى الهوارى

عودة لجان تشويه الشرفاء.. محاولات جديدة لاغتيال الوعى وشيطنة الداعمين للوطن الرافضين للسجود فى معبد الفوضى!

الأحد، 01 نوفمبر 2026 12:00 م


يبدو أن لجان تشويه الشرفاء، واغتيال سمعة كل من يختلف مع أصحاب الصوت العالى، قررت العودة من جديد، بالأسلحة القديمة نفسها، ولكن بوجوه وشعارات متجددة، الهدف هذه المرة إقصاء الإعلامى «فلان» الداعم لمواقف وطنه، وتصويره باعتباره مسيئا للحكومة ومشوها لها، لمجرد أن دعمه لا يحمل سكر المعارضة من أجل المعارضة، ولا ينصاع لقواعد اللعبة التى يريدون فرضها على الجميع، وكأن المطلوب أن يصبح صاحب الفكر الداعم والمؤيد لوطنه مذنبا وعاصيا، تجب استتابته وإعادته إلى رشده، بأن يعارض من أجل المعارضة، ويمد يده بكل المودة والخنوع لجماعات وتيارات متطرفة، لا هم لها سوى إسقاط الدولة وإغراقها فى وحل الفوضى.


هؤلاء الشوفينيون للأفكار الرافضة من أجل الرفض، والباحثون عن فرض رأيهم تحت لافتات الحرية والديمقراطية، يتعاملون مع الحريات باعتبارها امتيازا حصريا لهم، لا حقا متساويا للجميع، حريتهم تسير فى اتجاه واحد فقط، ومن ليس معى فهو ضدى، حرية تفصيل، ناعمة الملمس، مبهرة الشعارات النظرية، لكنها محشوة بكل أنواع الديكتاتورية والتشويه والانحطاط فى الخصومة السياسية، واغتيال سمعة الشرفاء بالباطل، ودون أية أسانيد، يريدون ديمقراطية تسمح لهم بالكلام، وتحرم الآخرين من حق الرد، وتمنحهم حق المعارضة، وتسلب غيرهم حق التأييد.


هؤلاء نصبوا أنفسهم رسل المعارضة، والحاصلين الحصريين على أحقية توزيع صكوك الوطنية والثورية، ففى دستورهم السياسى، كل داعم لوطنه مطبلاتى، وعبد للبيادة، ويجب التخلص منه واجتثاثه من المشهد العام، وطوال 19 سنة، وتحديدا منذ نكسة 25 يناير 2011، ظل بعض رموز هذا التيار يحاولون التقرب إلى الحكومات المتعاقبة، وينصبون أنفسهم مستشارين غير منتخبين، يجب أن تستمع إليهم السلطة وترضخ لمتطلباتهم، باعتبارهم أصحاب ناصية المعرفة والجدارة والقدرة على الفهم فى كل شىء، أما من يشيد بإنجاز هنا، أو يدعم قرارا للدولة، أو يختلف معهم فى قراءة المشهد، فهو بالضرورة مطبلاتى، وعبد للبيادة، ومسىء للحكومة، ويجب إبعاده عن المجال العام!


والسؤال الذى يستحق أن يواجهوا به، هل هذه هى رسالة الحرية والديمقراطية التى تبشرون بها الناس؟ هل أصبحت جريمة الاختلاف معكم تستوجب التشهير والتخوين والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، بينما يتحول الشخص نفسه إلى مناضل وثورى وصاحب رأى معتبر بمجرد أن يسير على دربكم؟ أى ديمقراطية تلك التى تقبل المعارض وترفض المؤيد، وتحتفى بمن يهدم الثقة فى الدولة، وتشيطن من يرى أن هناك ما يستحق الدفاع عنه؟


وكما نقول ونردد دائما، فإن الحقائق لا تُبنى على الانطباعات والمشاعر، وإنما تستند إلى الوقائع، وإذا أردنا تقييم خطاب هؤلاء، فعلينا أن ننظر إلى حصاد مواقفهم منذ اندلاع أحداث 25 يناير 2011 وحتى الآن، لا إلى الشعارات التى يرفعونها اليوم، ولا إلى شهادات الوطنية التى يمنحونها لأنفسهم.


فنحن جميعا شهود على تلك المرحلة التاريخية، عايشناها ورأينا وقائعها، لا عن طريق السمع بالنقل و«العنعنة» الشهيرة، وتعالوا نستعرض بعضا من مواقفها.


أنتم من أبرز من دشنوا القوائم السوداء فى الأيام الأولى لـ25 يناير، عندما ظهرت قوائم ضمت إعلاميين وفنانين ولاعبى كرة ومشاهير ورجال أعمال ومسؤولين، وجرى تصنيفهم باعتبارهم فلولا وأتباعا لنظام مبارك، لمجرد مواقف أو تصريحات لم ترض أصحاب القوائم، والواقعة ليست انطباعا، فقد نشرت الصحف فى 9 فبراير 2011 خبر قائمة سوداء تضمنت أسماء كتاب وفنانين وإعلاميين وشخصيات عامة، تحت لافتة تشويه الثورة.


وأنتم من جعلوا شعار «يسقط يسقط حكم العسكر» أحد أبرز هتافات المرحلة الانتقالية، فى سياق صراع سياسى مع المجلس العسكرى، ثم تحول الشعار لدى قطاعات منكم إلى أداة لتصنيف الخصوم وتخوين المختلفين، والمفارقة أن هذا الهتاف لم يكن حكرا على جماعة الإخوان، بل رفعته قوى شبابية وثورية متعددة، وهو ما تكشفه التغطيات المعاصرة وتحليلات تلك المرحلة.


وأنتم من دشنتم المصطلح الشهير «أعصر على نفسك ليمونة وانتخب مرسى»، ودفعتم قطاعات من الرافضين لحكم الإخوانإلى التصويت لمحمد مرسى، باعتبار أن الاختيار بينه وبين أحمد شفيق هو اختيار أهون الشرين، حتى صار المصطلح عنوانا سياسيا لمرحلة كاملة، وظل بعض أصحابه يتعاملون معه باعتباره موقفا لا يجوز مراجعته، رغم ما تكشف لاحقا من خلافات وصدامات مع حكم الجماعة، وكأن الليمونة ما زالت فى جيوب البعض، لم يعترفوا حتى الآن بأن السياسة ليست وصفة أبدية لتبرير الاختيارات الخاطئة.


أما اقتحام السجون والمنشآت الأمنية، وما شهدته البلاد من انهيار أمنى وفوضى، فهى وقائع لا يجوز محوها من الذاكرة أو القفز فوق مسؤولية من تورطوا فى التحريض أو المشاركة أو التبرير، وقد وثقت تقارير تقصى الحقائق وقائع شديدة الخطورة بشأن اقتحام السجون وهروب المساجين، بما يستوجب قراءة جادة لا انتقائية للتاريخ.


ثم نصل إلى واحدة من أكثر الوقائع حساسية فى ملف الأمن القومى المصرى، سد النهضة، ففى 29 أبريل 2011، وصل إلى أديس أبابا وفد الدبلوماسية الشعبية المصرية، المكون من 48 شخصية سياسية وحزبية وشخصيات عامة وشباب من ثورة يناير، والتقى مسؤولين إثيوبيين، بينهم رئيس الوزراء ميليس زيناوى والرئيس جيرما ولد جيورجيوس، وكان السد قد بدأ مساره التنفيذى بالفعل، إذ وضعت إثيوبيا حجر الأساس فى 2 أبريل 2011، أى قبل وصول الوفد بأسابيع قليلة.


وهنا تكمن المفارقة السياسية التى تستحق المحاسبة والنقاش، مصر كانت تمر بمرحلة اضطراب داخلى غير مسبوقة، وإثيوبيا كانت تمضى فى مشروع استراتيجى يمس الأمن المائى المصرى، بينما كان المطلوب من أى وفد شعبى يمثل مصر أن يضع المصالح الوطنية فوق أى خصومة مع النظام السابق، ولا يصح أن الوفد يمنح إثيوبيا الشرعية السياسية لبناء السد، ومن ثم فإن من حق المصريين مساءلة طبيعة الرسائل السياسية التى حملتها تلك الزيارة، ومدى إدراك أصحابها لحساسية اللحظة وخطورة الملف.


ولن نتحدث عن كل ما كشفته السنوات التالية من خطايا سياسية وتسجيلات ووقائع أثارت تساؤلات حول علاقات بعض رموز تلك المرحلة بجهات خارجية ومؤسسات دولية، لكن المبدأ هنا واضح، من يطالب اليوم بمحاسبة الآخرين على مواقفهم، لا يمكنه أن يضع ماضيه السياسى فى منطقة محرمة على النقد والمراجعة.


والآن تعود الأساليب نفسها، بالرسائل ذاتها، ومحاولات دس السم فى نصائح ظاهرها الحرص على الحكومة، وباطنها إقصاء كل صوت لا يخضع لسلطتهم المعنوية المزعومة، فالإعلامى «فلان» مسىء لأنه يدعم موقفا للدولة، والشخصية العامة «الفلانية» لا يحق لها الدفاع عن وطنها، والحزب «س» لا ينبغى أن يمارس الحياة السياسية وفق أفكاره ورؤيته الداعمة، وهكذا تتحول النصيحة إلى وصاية، والاختلاف إلى جريمة، والوطنية إلى بطاقة عضوية لا يمنحها إلا أصحاب اللجان.


والحقيقة أن المعارضة لا تصبح وطنية لمجرد أنها تعارض، فالمعيار هو الموقف والحجة والوقائع، وليس موقع الشخص من خريطة التأييد والرفض، ومن حق أى مواطن أن يختلف مع أداء الحكومة، ومن حق آخر أن يدعمها، ومن حق ثالث أن يتبنى موقفا مركبا يجمع بين التأييد والاختلاف، هذه هى أبسط قواعد الحرية.


أما أن يتحول الاختلاف إلى حملات تشويه، وأن يصبح الدفاع عن الوطن تهمة، فذلك ليس دفاعا عن الديمقراطية، وإنما إعادة إنتاج للديكتاتورية بأقنعة جديدة.
إن نصائح هؤلاء تشبه نصائح المسيح الدجال، جنته نار، وناره جنة! يريدون إقناع الناس بأن التأييد خيانة، وأن المعارضة المطلقة بطولة، وأن التشكيك فى كل شيء وطنية، حتى لو انتهى الأمر إلى إضعاف الدولة وتفكيك ثقة المجتمع فى مؤسساته.


لكن الوطن ليس ملكا لجماعة، ولا حكرا على تيار، ولا ساحة خاصة لمن يصرخون أكثر من غيرهم، والشرفاء الداعمون لوطنهم ليسوا مطالبين بالحصول على إذن من لجان التشويه حتى يمارسوا حقهم فى التعبير. ومن يملك الحجة فليواجه الحجة، ومن يملك الدليل فليقدمه، أما الاغتيال المعنوى والتخوين والشيطنة، فهى أسلحة العاجزين عن كسب معركة الأفكار.


الوطن أكبر من لجانكم، والوطنية ليست صكا تمنحونه لمن يصفق لكم، ولا تهمة تلصقونها بمن يختلف معكم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة