تكشف الوثائق الصحفية التي تناولت النشاط الفني لدار الأوبرا الخديوية في سنواتها الأولى عن تاريخ أكثر ثراءً وتنوعًا مما اعتادت المراجع المتداولة تقديمه؛ فلم يقتصر نشاط الدار على الاحتفالات المرتبطة بافتتاحها أو عرض أوبرا عايدة، بل شهدت عروضًا مسرحية وأوبرالية واستعراضية، كما عرفت القاهرة في تلك الفترة أشكالًا مبكرة من الدعاية المسرحية، من بينها تعليق الإعلانات على الجدران وتوزيع برامج العروض على الصحف والجمهور.
وتستند هذه التفاصيل إلى ما أورده الدكتور سيد علي إسماعيل في كتابه «تاريخ المسرح في العالم العربي: القرن التاسع عشر»، الذي اعتمد فيه على أعداد من مجلة «وادي النيل»، إحدى الدوريات المصرية التي وثقت جانبًا مهمًا من النشاط الفني للأوبرا خلال تلك المرحلة.
افتتاح الأوبرا لم يكن بعرض «عايدة» أو «ريجوليتو»
تعددت الروايات بشأن موعد افتتاح الأوبرا الخديوية وطبيعة العرض الذي شهدته ليلتها الأولى؛ إذ أشارت بعض المراجع إلى تواريخ مختلفة خلال نوفمبر 1869، كما اختلفت حول ما إذا كان الافتتاح قد تم بأوبرا «عايدة» أو «ريجوليتو».
لكن مجلة «وادي النيل»، في عددها الصادر يوم الجمعة 5 نوفمبر 1869، حسمت جانبًا من هذا الجدل، عندما نشرت تقريرًا عن الافتتاح الذي جرى مساء الاثنين الموافق الأول من نوفمبر من العام نفسه.
ووفقًا لما نشرته المجلة، حضر الخديو إسماعيل الاحتفال، وجلس في الحجرة المخصصة له بدار الأوبرا، وإلى جواره الأمير الإيطالي لودوق داووست وزوجته. وبدأت الأمسية بقطعة غنائية باللغة الفرنسية، نظمها أحد أدباء الأمراء الأوروبيين في مدح الخديو، وأداها منشدون ومنشدات، بينما أحاطت بهم مجموعة من الفنانين والفنانات في مشهد رمزي جسّد صفات مثل العدل والحلم والشهرة.
وتشير هذه الرواية إلى أن افتتاح الأوبرا لم يكن بعرض مسرحي كامل، وإنما بقطعة غنائية احتفالية، كما توضح أن الشخصيتين الأوروبيتين اللتين حضرَتا الافتتاح وفقًا للتقرير هما الأمير الإيطالي وزوجته، وليس الوفود الملكية الأوروبية التي ارتبطت في روايات أخرى بافتتاح قناة السويس في 17 نوفمبر 1869.
حريق يوقف عرض «ريجوليتو» في الليلة التالية
في اليوم التالي للافتتاح، وتحديدًا في 2 نوفمبر 1869، قُدمت أوبرا «ريجوليتو»، غير أن العرض لم يكتمل بسبب حريق اندلع داخل دار الأوبرا نتيجة اشتعال الغاز المستخدم في الإضاءة.
ونقلت مجلة «وادي النيل» تفاصيل الواقعة في عددها الصادر يوم 12 نوفمبر، مشيرة إلى حالة الفزع التي انتابت الحضور، وإلى أن الفنانين كانوا أول من غادر المكان خوفًا من امتداد النيران، فيما حدثت حالة من الارتباك والتدافع بين الموجودين.
وذكر التقرير أن الخديو إسماعيل خرج من الحجرة المخصصة له، وحرص بنفسه على تهدئة الحاضرين وطمأنتهم، مطالبًا إياهم بالثبات والهدوء، مؤكدًا أن الموقف لا يستدعي الذعر.
وبذلك لم يُعرض «ريجوليتو» كاملًا في تلك الليلة، وهو ما يفسر أهمية التمييز بين افتتاح الدار الاحتفالي وبين أول عرض أوبرالي أقيم فيها.
«سميراميس».. أول أوبرا كاملة بعد الافتتاح
توقفت الحركة التمثيلية في الأوبرا الخديوية خلال الفترة التالية بسبب الاحتفالات بافتتاح قناة السويس، قبل أن تستأنف نشاطها في 19 فبراير 1870 بعرض أوبرا «سميراميس»، التي خُصص إيرادها للعاملين بالدار.
وتكتسب هذه الأمسية أهمية خاصة؛ إذ يرى سيد علي إسماعيل أنها أول أوبرا تُعرض بصورة كاملة منذ افتتاح الدار، بعدما كان الافتتاح قد اقتصر على قطعة غنائية، بينما لم يكتمل عرض «ريجوليتو» بسبب الحريق.
ولم يقتصر العرض على الأوبرا نفسها، بل أضيفت إليه فقرة استعراضية عُرفت باسم «حاوية الثعبان»، شاركت فيها مجموعة من الراقصين والراقصات، وقدموا مشاهد راقصة مستوحاة من الرقصات الشعبية المصرية، إلى جانب ظهور راقصة تحمل ثعبانًا حقيقيًا وتقدم معه حركات استعراضية.
وفي 28 فبراير 1870، نشرت المجلة ملخصًا لأوبرا «سميراميس» كتبه الأديب محمد أنسي، نجل صاحب المجلة عبد الله أبي السعود. وتناول الملخص قصة الملكة سميراميس وما ارتبط بها من خيانة وصراع على السلطة، مستخلصًا منها دلالات أخلاقية تتعلق بعواقب الظلم والغدر والانقياد للشهوات.
كما تضمن وصفًا تفصيليًا للفقرة الراقصة المصاحبة للعرض، وهو ما يعد، وفقًا للكتاب، من أوائل الأوصاف المنشورة للاستعراض المسرحي في مصر.
ولم تكن أهمية هذا الملخص في توثيق العرض فحسب، بل في الطريقة التي تناول بها المسرح باعتباره وسيلة للتربية والتثقيف، إذ عبّر كاتبه عن أمله في ترجمة هذه الأعمال إلى العربية وتقديمها على المسارح المصرية، حتى تتسع دائرة الاستفادة منها بين الجمهور.
«فاوست» لجوته تصل إلى الجمهور المصري عام 1870
ومن العروض التي وثقتها مجلة «وادي النيل» في تلك الفترة أوبرا «فاوست» المستوحاة من عمل الكاتب الألماني يوهان فولفغانغ جوته، والتي نشرت المجلة ملخصًا ونقدًا لها في عددها الصادر يوم 4 مارس 1870.
والمميز في هذا التوثيق أن المادة كتبها ناقد أجنبي يُدعى «بيريت»، وأرسلها إلى المجلة، التي نشرتها بصورة مطولة.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية تاريخية؛ لأنها تدل على أن قصة «فاوست» كانت معروفة لدى الجمهور المصري منذ عام 1870، وهو ما يسبق التاريخ الذي ارتبط في بعض الروايات بدخولها إلى مصر من خلال ترجمة محمد عوض عام 1929. كما يشير الكتاب إلى أن العمل عُرض مجددًا في الأوبرا عام 1886 من خلال جوق بوني وسوسكينو.
«الملكة كرينولين» تختتم الموسم الأول
اختُتم الموسم الأول للأوبرا الخديوية في 15 أبريل 1870 بعرض مسرحية «الملكة كرينولين»، وفقًا لما نشرته مجلة «وادي النيل»، التي أشارت إلى أنها كانت آخر ليلة للعروض في ذلك الموسم.
ولفتت المجلة، في تعليقها على ختام الموسم، إلى أهمية الاستعداد لتقديم هذه الأعمال باللغة العربية في الأعوام التالية، حتى يتمكن مختلف أفراد المجتمع المصري من التعرف على هذا الفن الجديد والاستمتاع به.
ويكشف هذا التعليق عن حضور مبكر لفكرة تعريب العروض المسرحية والأوبرالية، وتحويلها من نشاط يرتبط أساسًا بالجاليات الأجنبية والنخبة إلى فن يمكن أن يصل إلى قطاعات أوسع من الجمهور.
أول إعلان مسرحي على جدران القاهرة
مع انطلاق الموسم الثاني للأوبرا في أكتوبر 1870، بدأت تظهر ملامح أكثر تنظيمًا للدعاية المسرحية؛ إذ لم تعد الأخبار تقتصر على ما تنشره الصحف عن العروض، بل امتدت إلى تعليق الإعلانات في شوارع القاهرة وتوزيع البرامج الخاصة بالعروض.
وفي عددها الصادر يوم 28 أكتوبر 1870، وصفت مجلة «وادي النيل» إعلانًا إيطالي اللغة عُلّق على جدران الشوارع، وكان يتضمن دعوة الجمهور إلى افتتاح موسم الأوبرا بعرض عمل بعنوان «لافاووريته»، أي «المحظية»، في الأول من نوفمبر.
ولأن الإعلان كُتب باللغة الإيطالية، لم يكن معظم المارة قادرين على فهم مضمونه، فحرصت المجلة على نشر محتواه وشرحه باللغة العربية، موضحة طبيعة العرض الذي يتكون من أربعة فصول، ويتخلله الغناء والموسيقى والرقص والعزف.
ويمثل هذا الإعلان، بحسب ما يورده الكتاب، نموذجًا مبكرًا للإعلان المسرحي المعلق في شوارع القاهرة، كما يعكس تطور وسائل الترويج للعروض الفنية في تلك المرحلة.
عروض متنوعة بين الباليه والموضوعات الدينية
لم يقتصر نشاط الأوبرا في بداياته على الأعمال الأوروبية ذات الطابع الدرامي، بل امتد إلى عروض الباليه والموضوعات ذات المرجعيات الدينية والشرقية.
ففي 18 يناير 1871، قُدم باليه «براهما» بمناسبة عيد تقليد الخديو إسماعيل للأريكة الخديوية، وتناولت المجلة موضوع العرض ودلالاته.
كما نشرت في عددها الصادر يوم 24 فبراير 1871 إعلانًا عن اعتزام الأوبرا تقديم أوبرا «موسى عليه السلام»، وهو ما يشير إلى تنوع الموضوعات التي كانت الدار تسعى إلى تقديمها في مواسمها الأولى.
وبحسب ما أمكن توثيقه من أعداد مجلة «وادي النيل» التي اعتمد عليها الكتاب، تمثل هذه الإشارة آخر ما عُثر عليه بشأن النشاط التمثيلي للأوبرا في تلك المواسم المبكرة.
وتقدم هذه الوقائع صورة مختلفة عن البدايات الفنية للأوبرا الخديوية؛ فهي لم تكن مجرد مبنى افتُتح في مناسبة تاريخية كبرى، ولا فضاءً خُصص لعرض أوبرا «عايدة» وحدها، بل مؤسسة فنية شهدت منذ سنواتها الأولى تجارب متنوعة في الغناء والتمثيل والباليه والاستعراض، بالتوازي مع ظهور ملامح مبكرة لصناعة الإعلان المسرحي والنقد الفني في الصحافة المصرية.