من قلب مدينة القنايات بمحافظة الشرقية، استطاعت " أمل سليمان عفيفي" أن تكتب اسمها في سجلات التاريخ، حيث ورد اسمها فى إنجازات المرأة المصرية لكتاب التاريخ للصف الثالث الاعدادى، بعدما أصبحت أول سيدة مصرية تتولى وظيفة المأذون الشرعي، لتكسر حاجز الموروثات الاجتماعية وتثبت أن المرأة قادرة على اقتحام مجالات ظلت لسنوات طويلة حكرًا على الرجال. لم يكن الطريق أمامها مفروش بالورود، لكنها تمسكت بحقها في العمل، مستندة إلى مؤهلها العلمي ومساندة زوجها، حتى نجحت في بناء تجربة مهنية حظيت بقبول المجتمع الريفي.
التقى «اليوم السابع» المأذونة أمل سليمان، التي فتحت قلبها للحديث عن رحلتها مع المهنة، وأغرب عقد قران أجرته داخل غرفة العناية المركزة، وأصعب المواقف التي مرت بها خلال أكثر من 20 عامًا من العمل، كما كشفت عن أسباب الطلاق التي تغيرت بين الماضي والحاضر، ودور المأذونة في حماية الفتيات ومساعدة الأسر على تجاوز الخلافات الزوجية.
الماجستير بوابة اقتحام مهنة الرجال
تروي "أمل سليمان" صاحبة الـ51 عاما أن رحلتها العلمية بدأت بالحصول على ليسانس الحقوق من جامعة الزقازيق عام 1998، ثم حصلت على درجة الماجستير في القانون العام والعلوم الجنائية عام 2005. ورغم أن مؤهلاتها كانت تؤهلها للعمل بالمحاماة، فإنها قررت التفرغ لرعاية أبنائها " أمنية وإسراء وعبد الرحمن ويحيى"، حتى جاءت الفرصة التي غيرت مسار حياتها المهنية،وتضيف أن وفاة عم زوجها، الذي كان يعمل مأذون شرعي بمدينة القنايات، أعقبها الإعلان عن شغل الوظيفة، ولم يتقدم إليها أحد من أبنائه لعدم انطباق الشروط عليهم. عندها قررت التقدم، وشجعها زوجها المحاسب بهيئة الاستثمار على خوض التجربة، رغم الصعوبات التي واجهتها في البداية،وتؤكد أمل سليمان أنها تمسكت بحقها في التقدم للوظيفة، موضحة أنه لم يكن هناك نص قانوني يمنع المرأة من العمل مأذون شرعي، وأن حصولها على درجة الماجستير منحها الوقوف على أرض صلبة حيث كانت أعلى مؤهل فى المتقدمين لشغل منصب المأذون عن مدينة القنايات.
وفي أكتوبر 2008، بدأت رحلتها المهنية، لتصبح أول مأذونة مصرية، وتشق طريقها في مجتمع ريفي ارتبطت فيه هذه المهنة بالرجال لعقود طويلة، وأكدت على أن زوجها كان صاحب الدور الأبرز في تشجيعها على خوض التجربة منذ البداية، وساندها خلال الصعوبات حتى لا تتراجع عن حلمها في منتصف الطريق. ولا يزال يشجعها حاليا على استكمال مسيرتها العلمية،وتؤكد أن تجربتها أثبتت أن الكفاءة والعلم والإصرار يمكن أن تفتح أبواب ظلت مغلقة أمام المرأة، وأن النجاح الحقيقي لا يتحقق فقط باقتحام مجال جديد، بل بالاستمرار فيه وكسب ثقة الناس، وتقديم نموذج مهني يحترم القانون ويحافظ على حقوق الأسرة.
أمل سليمان: عقدت قران 4 آلاف عريس وموسم الزواج ينتعش مع حصاد المحاصيل الزراعية فى الشرقية
تكشف المأذونة "أمل سليمان" أنها عقدت قران نحو 4 آلاف عروس منذ سبتمبر 2008، وتوضح أن شهر مايو يشهد تراجع نسبي في عقود الزواج بسبب موسم الزراعة، بينما تنتعش الزيجات خلال أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر، بالتزامن مع موسم الحصاد والإجازة الدراسية وعودة المغتربين. أما ليلة القدر، فتصفها بأنها من الأيام المباركة التي تشهد إقبال كبير وقد تعقد خلالها قرابة 11 عقد قران في يوم واحد، وتشير إلى أن المأذونة ليست مجرد موظفة تتولى تحرير عقود الزواج والطلاق، بل يمكنها أن تكون طرف مساعد في حل الخلافات الأسرية، بفضل قدرتها على الاستماع إلى الزوجات والفتيات، والتأكد من قبول العروس الزواج بإرادتها، ومحاولة الإصلاح بين الزوجين عندما يكون ذلك ممكنًا.
أمل سليمان تكشف أغرب عقد قران عقدته
تستعيد "أمل سليمان "واحدة من أكثر اللحظات تأثيرا في مسيرتها المهنية، حين تلقت اتصال من أحد زملائها قبل نحو عشر سنوات، يطلب منها عقد قران داخل المستشفى، بعدما تدهورت الحالة الصحية لوالد العروس، وأصرت الفتاة على أن يشهد والدها زواجها قبل وفاته،وتقول إنها توجهت إلى المستشفى، وأجرت عقد القران داخل غرفة العناية المركزة، وسط أصوات أجهزة المتابعة الطبية، بينما كان الأب يبكي متأثرا لأنه كان يتمنى حضور فرح ابنته والاطمئنان عليها. وبعد انتهاء العقد، قال إنه شعر بالراحة، ثم توفي بعد يومين، لتظل هذه الواقعة واحدة من أصعب الذكريات وأكثرها تأثيرًا في قلبها،وتضيف أن المواقف الإنسانية جزء لا يتجزأ من عمل المأذون، فخلف كل عقد قران قصة أسرة وأحلام وتفاصيل لا يعرفها كثيرون، وهو ما يجعل المهنة مسؤولية اجتماعية تتجاوز مجرد التوثيق الرسمي.
المأذونة: خيانات السوشيال ميديا سبب كبيرا من حالات الطلاق
وتكشف" أمل سليمان" عن تغير لافت في أسباب الطلاق بين الماضي والحاضر، موضحة أن الخلافات الأسرية قبل نحو 20 عام كانت ترتبط في بعض الحالات بتدخل الأهل في حياة الزوجين، أو الخلافات المتعلقة بعمل الزوجة فى منزل والدة زوجها وشئون المنزل، بينما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة مصدر متكرر للنزاعات الزوجية، وتقول إن عدد من حالات الطلاق التي وثقتها ترجع، بحسب تقديرها، إلى خيانات مرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن وجود الهاتف داخل غرفة النوم، وما قد يكشفه من علاقات ومحادثات، أصبح سبب متكرر للخلافات التي تنتهي بالانفصال.
أصعب حالات الطلاق التى تأثرت بها المأذونة أمل سلمان
وعن أصعب حالات الطلاق التي تأثرت بها، تقول " أمل سليمان" أنها استقبلت زوجين من أسرتين محترمتين ويتمتعان باستقرار مادي، لكنهما وصلا إلى قرار الانفصال خاصة من قبل أهل الزوجة بسبب عدم قدرة الزوج على المعاشرة الزوجية. وتوضح أنها شعرت بالحزن على الطرفين، لكنها رأت أن استمرار الزوجة في علاقة لا تحقق لها حقوقها الزوجية قد يكون ظلم لها، مؤكدة أن بعض الحالات الإنسانية تترك أثر نفسي لدى المأذون.
أمل سليمان: أرفض عقد القران دون التأكد من سلامة الإجراءات
وتؤكد المأذونة أنها ترفض إتمام عقد القران عندما تشك في عدم صحة الأوراق المطلوبة، أو عند وجود ما يثير مخاوفها بشأن موافقة العروس أو ظروف حضورها، خاصة إذا حضرت فتاة من خارج نطاق عملها دون علم أسرتها، أو شعرت بأنها غادرت منزلها لإتمام الزواج سرًا. كما تشدد على رفضها توثيق زواج صغار السن، والالتزام بالضوابط القانونية المنظمة للمهنة،وتوضح أن سنوات عملها لم تخل من ضغوط، لكنها لم تواجه رفض مجتمعي مستمر بسبب كونها امرأة، بل فوجئت بقدر كبير من القبول والتقدير. وتضيف أن الصعوبة الأكبر تتمثل في كثافة العمل خلال الأعياد والإجازات، وهي الفترات التي يفضل كثير من المواطنين إتمام عقود الزواج خلالها، إلى جانب بعض الإجراءات التنظيمية التي تواجه المأذونين بمحكمة الزقازيق ونظام الحوكمة وقلة عدد الموظفات.
أمل سليمان: زوجت معظم أهالي القنايات باستثناء ابنتي
وعن حياتها الأسرية، تقول أمل سليمان إن التوفيق بين العمل ورعاية الأبناء لم يكن صعب بصورة كبيرة، لأن طبيعة مهنتها لا تتطلب الخروج يومي إذ تتوجه إلى المحكمة مرة أسبوعيا لتوثيق العقود التي حررتها خلال الأيام السابقة،وتشير إلى أن ابنتيها أمنية وإسراء متفوقتان دراسيًا، فالتحقت الأولى بكلية الهندسة والثانية بكلية الطب البيطري، بينما يدرس ابنها عبد الرحمن بكلية الطب وتروي أنها عاشت مشاعر متباينة عندما تزوجت ابنتيها، إذ تولى أحد زملائها عقد قران كل منهما، التزاما بالضوابط التي تمنع المأذون من إجراء عقد قران لأقاربه من الدرجة الأولى، بينما شاركت هي في مراسم الإشهار، وتقول إنها بكت بشدة خلال زفاف ابنتها الأولى، وشعرت بصعوبة الموقف وهي ترى ابنتها عروس بعد أن اعتادت إتمام عقود قران بنات الآخرين، ثم تكرر المشهد بعد عام مع ابنتها الثانية. وتضيف ضاحكة أنها زوجت معظم أهالي القنايات، باستثناء ابنتيها، وبممزاحة وابتسامة هائدة قالت أما زوجي فلا تعرف إن كنت سأتمكن من عقد قرانه بنفسى أم لا.

من-حفل-عقد-قران-نجلتها

من-عقد-قران-ابنتها

أمل-سيلمان

أمل-سيلمان-تكشف-أغرب-عقد-قران-عقدته-داخل-العناية-المركزة

أول-ماذونة-فى-الوطن-العربى