شحاتة زكريا

مصر وموسكو.. شراكة اقتصادية تعبرها لغة المصالح والمكاسب المشتركة

الأحد، 01 نوفمبر 2026 02:26 ص


عصر الخطب الحماسية والقبلات الدبلوماسية أمام عدسات الكاميرات ولى بلا رجعة، فالعالم اليوم لا يقرأ التاريخ ليفهم الحاضر، بل يقرأ أرقام البنوك وأطنان السلع ومؤشرات الجمارك، ويقيس النجاح بمدى قدرة الدول على تأمين احتياجات شعوبها.


الدول الكبرى لم تعد تبحث عن أصدقاء على طراز صالونات القرن التاسع عشر، بل تبحث عن مصالح حقيقية تتجسد على أرض الواقع وعن شراكات استراتيجية تملأ الفراغ في الموازنات وتنعكس بصفة مباشرة وملموسة على لقمة عيش المواطن البسيط الذي لا يعنيه سوى الأثر الحقيقي للتنمية في تفاصيل حياته اليومية.


ومن هذا المنطلق الواعي والمسؤول تبدو زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى موسكو ولقاؤه بالرئيس فلاديمير بوتين على هامش القمة الروسية الأفريقية محطة إيجابية ومضيئة لاختبار جدوى الشراكة الاستراتيجية الحقيقية فروسيا تخوض مسارا واسعا ومكثفا لتوسيع حضورها الاقتصادي والتجاري والاستثماري في الأسواق الواعدة.


ومصر تمتلك المفتاح الاستراتيجي الأهم عبر جغرافيتها الفريدة وبنيتها الأساسية المتطورة وموانئها المطلة على شرايين التجارة العالمية، مما يجعلها البوابة الأوثق والأكثر أمانا لكل تحرك تنموي رشيد في القارة الأفريقية والمنطقة بأسرها، وهي شراكة راسخة تقوم على الندية التامة، واحترام السيادة الوطنية، وتبادل المنفعة بشكل يخدم خطط الاستقرار الإقليمي والدولي في مرحلة تحول كبرى يمر بها النظام العالمي بأسره، حيث تتراجع هيمنة القطب الواحد لتفسح المجال أمام نظام متعدد الأقطاب تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية الكبرى.


وبين فرصة اللقاء وقطف الثمار العاجلة والآجلة تفتح الدولة المصرية أبوابها الواسعة نحو مستقبل صناعي وتنموي واعد، يتجسد بوضوح في مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.


هذا المشروع العملاق يمثل نقلة نوعية حقيقية تنتقل بنا بحزم من مرحلة التفاهمات النظرية والترتيبات الورقية إلى فضاء الإنتاج الفعلي، وتشغيل المصانع، وتدريب الأيدي العاملة، لتكون مصر منصة تصنيع إقليمية كبرى لا مجرد معبر تجاري عابر تنطلق منها المنتجات الممهورة بعلامة الجودة المصرية نحو آفاق عالمية أرحب تفتح أبواب الأسواق الخارجية أمام الصناعة الوطنية وتدعم التصدير بكفاءة عالية.
وفي مسار متوازٍ لا يقل أهمية يشكل العمل المشترك في محطة الضبعة النووية قاطرة حضارية كبرى تتجاوز حدود توليد الطاقة النظيفة والرخيصة إلى توطين التكنولوجيا المتقدمة وبناء عقول وكوادر مصرية وطنية قادرة على إدارة التطور التقني الحديث بكفاءة واقتدار وهو ما يعكس نظرة استراتيجية بعيدة المدى تستثمر في الإنسان قبل الحجر والخرسانة، وتضمن لمصر مكانا متقدما في خارطة الطاقة والعلوم الحديثة للقرن الحادي والعشرين، لتصبح مرجعا إقليميا في مجالات الطاقة السلمية والابتكار التكنولوجي المستدام.


ولا يتوقف قطار التعاون البناء عند حدود الصناعة المتقدمة ومشاريع الطاقة الكبرى بل يمتد بعمق ليلامس ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي وهو ملف الأمن الغذائي فروسيا تعد شريكاً استراتيجيا رئيسيا وموثوقا في توريد الحبوب والقمح الأساسي للبلاد وتطوير الشراكة في هذا المجال الحيوي، عبر تحسين منظومة التخزين الحديثة وتطوير شبكات النقل وتعزيز الخدمات اللوجستية يضمن استقرار الإمدادات وحماية رغيف الخبز المصري في مواجهة تقلبات سلاسل التوريد العالمية والأزمات الجيوسياسية المتلاحقة التي تهز أسواق الغذاء الدولية بين الحين والآخر وتجعل الأمن الغذائي سلاحاً بيد من يملكه. وحين نقرأ لغة الأرقام بموضوعية تامة وبعيداً عن أي مبالغات نجد أن حجم التبادل التجاري الذي بلغ 4.91 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 يفتح الباب واسعا أمام فرصة ذهبية حقيقية لتعزيز الصادرات الوطنية وتقليص الفجوة الكبيرة مع الواردات لا سيما مع توافر إمكانات هائلة لمنتجاتنا الزراعية والصناعية لاختراق السوق الروسية بكفاءة تنظيمية عالية، ودعم مؤسسي متكامل، وتيسير الإجراءات المرتبطة بحركة التجارة والشحن المباشر والمدفوعات البنكية الآمنة التي تحمي المصالح المشتركة للطرفين وتذليل العقبات البيروقراطية التي تعترض طريق المصدرين المصريين الساعين إلى ترك بصمة واضحة ومستدامة في الأسواق الأوروبية الآسيوية. إن مصر اليوم تدير علاقاتها الخارجية بعقلانية تامة ورؤية وطنية ثاقبة لا تبحث عن تبعية عمياء أو اعتماد أحادي بل تبني شبكة تحالفات ذكية ومتوازنة تخدم خطط التنمية الشاملة وتجذب الاستثمارات المبتكرة وتحصل على التقنيات الحديثة دون المساس بالقرار الوطني المستقل أو الخضوع لضغوط الاستقطاب الدولي الذي يعصف بالعالم. الشراكة الناجحة بين القاهرة وموسكو تثبت يوما بعد يوم قدرتها الكبيرة على التحول من إطار الاتفاقيات الدبلوماسية والبروتوكولات الشكلية إلى مشروعات حية على الأرض ومصانع تعمل بكامل طاقتها وفرص عمل حقيقية تخلق لشبابنا، وتكنولوجيا متقدمة تتنقل وتترسخ في تراب الوطن لتبني قاعدة صناعية صلبة.


ومن موسكو إلى القاهرة تتأكد القاعدة الراسخة بأن الاقتصاد هو البوصلة الحقيقية للسياسة، وأن الثمار الكبرى وعوائد التنمية لا تُحصد بالشعارات الرنانة ولا بالوعود البراقة بل تقطف بالعمل الجاد المتواصل والتخطيط العلمي الدقيق والنتائج الملموسة على أرض الواقع التي يشعر بجديتها المواطن في حياته اليومية لتظل مصر دائما قادرة على تحويل كل فرصة إقليمية وعالمية إلى مكسب حقيقي يخدم مستقبل أبنائها ويحقق طموحات وطنها العظيم في النهضة والتقدم والريادة والازدهار المنشود.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة