في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم على امتلاك أدوات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تظل صناعة العقول الواعية والقادرة على التفكير والإبداع هي الاستثمار الأهم في مستقبل الأمم، وتأتي قصة الطفلة المصرية ميار عثمان، ابنة محافظة كفر الشيخ، لتقدم نموذجًا ملهمًا لما يمكن أن تصنعه القراءة في حياة الأجيال الجديدة، بعدما نجحت في انتزاع المركز الأول ولقب بطلة تحدي القراءة العربي لعام 2026، وسط منافسة واسعة شارك فيها ملايين الطلاب من مختلف الدول العربية، وجاءت تهنئة الرئيس عبد الفتاح السيسي لميار عثمان بفوزها بالجائزة، ضمن توجيهاته بشأن مخرجات منتدى مصر 2026، لتسلط الضوء مجددًا على أهمية اكتشاف النماذج المصرية المتميزة وإبراز إنجازاتها أمام المجتمع، باعتبارها نماذج تستحق الاحتفاء والتعريف بها، ليس فقط لما حققته من نجاح، وإنما لما تقدمه من رسالة للأجيال الجديدة بأن العلم والثقافة والاجتهاد تظل طرقًا حقيقية لصناعة التميز.
ميار عثمان.. من شغف القراءة إلى لقب بطلة العرب
لم يكن وصول ميار عثمان إلى منصة التتويج مجرد حظ، وإنما جاء بعد رحلة من الاجتهاد والاطلاع والمشاركة في مراحل متتالية من المنافسة، استطاعت خلالها أن تثبت قدراتها في القراءة والفهم والتلخيص والتعبير، حتى أصبحت صاحبة المركز الأول في الدورة العاشرة من تحدي القراءة العربي، التي استضافتها مدينة دبي الإماراتية، وتبلغ ميار من العمر 11 عامًا، وهي طالبة بالصف السادس الابتدائي بمحافظة كفر الشيخ، واستطاعت أن ترفع اسم مصر في واحدة من أكبر المبادرات الثقافية العربية، التي تستهدف ترسيخ حب القراءة لدى الأطفال والشباب، وتحويل الكتاب إلى جزء أساسي من تكوين الشخصية وتنمية القدرات الفكرية واللغوية، ولم تقتصر موهبة ميار على القراءة فقط، إذ تمتلك قدرات متميزة في إلقاء الشعر، وسبق لها تحقيق المركز الأول على مستوى الجمهورية في مسابقات الإلقاء، وهو ما يعكس تنوع مواهبها وقدرتها على الجمع بين المعرفة والثقافة ومهارات التعبير.
تهنئة الرئيس رسالة للاحتفاء بالنماذج المصرية المتميزة
وتحمل تهنئة الرئيس السيسي لميار دلالة مهمة تتجاوز الاحتفاء بفوز طفلة مصرية بمسابقة عربية، إذ تعكس أهمية وضع النماذج الناجحة في دائرة الضوء، وتعريف المجتمع بإنجازات أبنائه المتفوقين، خاصة أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى نماذج قريبة منها تثبت أن التفوق ليس حكرًا على مجال بعينه، وأن أبواب النجاح مفتوحة أمام أصحاب الطموح والاجتهاد، وتتسق هذه الرسالة مع التوجيهات الخاصة بإبراز إنجازات النابغين والمتفوقين في الشوارع والميادين والأماكن العامة، بما يجعل قصص نجاحهم حاضرة في الوعي المجتمعي، ويمنح الأطفال والشباب فرصة للتعرف على نماذج مصرية استطاعت أن تحقق إنجازات تستحق التقدير.
القراءة وبناء الوعي.. معركة تبدأ من الطفولة
وتكتسب قصة ميار أهمية أكبر في ظل التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة، مع تصاعد الاعتماد على المحتوى السريع ومنصات التواصل الاجتماعي، وتراجع الوقت المخصص في حياة بعض الأطفال للقراءة والاطلاع، وهو ما يجعل تشجيع النشء على التعامل مع الكتاب ضرورة لبناء شخصية تمتلك القدرة على الفهم والتحليل والتفكير المستقل، فالقراءة لا تمنح الطفل معلومات إضافية فقط، وإنما توسع مداركه، وتنمي قدرته على التعبير، وتساعده على تكوين رؤية أوسع للعالم، كما تمنحه أدوات لفهم الأحداث ومناقشة الأفكار والتمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، ومن هنا، فإن الاحتفاء بميار يجب ألا يتوقف عند حدود التهنئة والتكريم، بل يمتد إلى الاستفادة من تجربتها في تشجيع المزيد من الأطفال على اكتشاف متعة القراءة، وتحويل التفوق الثقافي إلى قيمة مجتمعية تحظى بالتقدير والاهتمام.
من تكريم الموهبة إلى بناء منظومة لاكتشاف النابغين
وتطرح تجربة ميار أهمية وجود منظومة مستدامة لاكتشاف المواهب المصرية ورعايتها في مختلف المحافظات، بحيث لا تتوقف فرص التميز على اجتهاد فردي أو مبادرات مؤقتة، وإنما يجد كل طفل موهوب البيئة المناسبة لتنمية قدراته والحصول على الدعم الذى يساعده على الاستمرار، كما أن توسيع المبادرات الثقافية والتعليمية، وتطوير دور المكتبات المدرسية، وتشجيع مسابقات القراءة والإبداع، وإتاحة الفرص أمام الأطفال للمشاركة فى الفعاليات المحلية والعربية والدولية، تمثل مسارات مهمة لتحويل الموهبة إلى إنجاز متواصل، وفى النهاية، فإن ميار الشوربجى لم تفز بلقب عربى فحسب، بل قدمت نموذجًا لطفلة استطاعت أن تجعل من الكتاب طريقًا لتحقيق حلمها ورفع اسم مصر، وتبقى الرسالة الأهم أن الاستثمار في العقول يبدأ من الطفولة، وأن الدولة التي تكتشف أبناءها النابغين وتمنحهم الفرصة للتألق، تضع أساسًا لجيل يمتلك المعرفة والوعي والقدرة على صناعة المستقبل.