في غمرة السعي، يصدمنا تفاوت الأرزاق؛ خريجٌ تفوق واجتهد ورزقه بسيط ، وآخر يجني أرباحاً طائلة من الإنترنت بأقل مجهود، وربما يقع هذا التباين الصارخ بين أخوين شقيقين في بيت واحد! تجد أحدهما طبيباً أو خريج كلية مرموقة، أفنى شبابه وسهر لياليه بين الكتب والمراجع، ومع ذلك يكاد كسبه وعمله الحالي يجعله يقتات لقمة عيشه بالكاد؛ وبالمقابل، تجد أخاه الآخر، بأقل مجهود ودون حاجة لشهادة أو علم، فتح الله له باب رزق مادي بمرتب كبير، او من خلال جني أرباح طائلة من فيديوهات السوشيال ميديا وشهرة الإنترنت وادارة الحسابات.
هنا تبدأ آفة المقارنة في نهش سلامنا النفسي، والسبب هو الوقوع في فخ "الخدعة بالمظاهر".
الحقيقة الصادمة هي أن أموال الشهرة ليست مكافأة، وضيق الرزق ليس عقاباً، بل هي مجرد "ديكور" لإمتحان؛ حيث يقول الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.(٧)الكهف
فالدنيا قاعة امتحان صامتة، وكل إنسان يجلس أمام ورقة أسئلة مختلفة تماماً: الغني يُمتحن في الشكر، والمكافح يُمتحن في الصبر والرضا. فلا تغتر أبدًا بمن يجمع أموالاً طائلة من مشاهدات أو إعلانات شهرة ويخرج متباهياً ليقول "هذا تعبي وشقايا وعرقي"؛ فالحقيقة أنه امتحان ليس أكثر. بل إن المسألة تجاوزت مجرد الهواية، وأصبحت الشهرة تجارة تدار بعقليات رجال الأعمال؛ فالأمر أشبه بلعبة تُلعَب ، حيث صار لكل صاحب محتوى وكيل أعمال، وشركة متخصصة تدير حساباته واستثماراته، لتبدو الصورة مبهرة وبراقة ومغرية للمقارنة.
لقد رسخ القرآن الكريم حقيقة واضحة نسف بها المقاييس البشرية الخاطئة؛ فالرزق من المال, أو العافية في الأبدان ، أو الأولاد ، أو المشاريع والتجارة الناجحة او النفوذ والمنصب لم يكن يوماً دليلاً على حب الله، ولا قلة المال والرزق وكل ذلك دليلاً على بغض الله سبحانه. تدبر قوله تعالى في سورة الفجر : {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا}. لقد حسمها القرآن بكلمة {كَلَّا} القاطعة، ليؤكد أن العطاء امتحان والمنع امتحان، ولا علاقة لهما بحب الله وكرمه أو الإهانة والتضييق منه بالرزق .
المقارنة هنا عبث نفسي، كمن يترك ورقة امتحانه لينظر في سؤال زميله! لا تيأس أيها المجتهد، فالمقياس الحقيقي ليس بكثرة الأرقام بل بالبركة ورضا الله، والتكريم النهائي ليس في هذه الدنيا الفانية، بل كما حسمها القرآن الكريم: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا}. ركز في ورقتك، واصبر واجتهد، فالدرجات الحقيقية والارزاق تُوزع هناك حيث مستقر رحمة الله .
الآن نحن نعيش في عصر "مظهري" بامتياز، عصر حوّل التفاهة إلى سلعة تُباع وتُشترى، وصنع من "اللاشيء" نجوماً وقادة رأي تديرهم شركات استثمارية كبرى لجني أرباح المشاهدات . هذه الفجوة لا تعكس خللاً في العدالة الإلهية، بل تعكس خللاً في أولويات البشر وقيم المجتمعات التي باتت تُثمن "المشهد" وتسترخص "الجوهر". فصاحب المظاهر الخداعة يجري الناس وراءه ويتمنو رضاه ، أما صاحب الرسالة والقيم فأمره موكول إلى الله يثبته في هذه الفتن .
إنها صرخة نقدية لإعادة الاعتبار لأصحاب العلم والتعب والجهد ؛ فالمجتمع الذي تنحني قاماته لمن يبث يومياته التافهة، ويزهد في علمائه واساتذته وأطبائه ومربّيه، هو مجتمع يمر بأزمة قيمية طاحنة، مجتمع يحتاج أن يستفيق قبل أن تصبح "التفاهة المربحة" هي الحلم الوحيد للأجيال القادمة.
واخيرا ..فليطمئن قلبك
فأنت من يطمئن قلبك حين تعلم أن التعب سيمر والألم سيمر وسيبقى أجر الصبر، والنعمة مهما استمرت لن تدوم فـ "دوام الحال من المحال" والبقاء لوجه الله وحده، و**{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}** الكريم، وسيبقى فقط أجر الشكر على النعم. عش حياتك بالسعي والتوكل على الله وترك النتائج عليه وحده ؛ فربما يُغلق في وجهك باب مال ليُفتح لك باب بركة في الصحة أو راحة البال، وهي أرزاق لا تُشترى لا بالملايين ولا بملئ الأرض ذهبا . وحين تنتهي قاعة الامتحان وتُرفع الأستار، سيعلم كل امرئٍ أن عطاء الله كان حكمة، ومنعه كان رحمة،
وحينها يذوب الإنسان امام حب الله حيث رضاه عليه هو الفوز الأكبر بعد كل هذه الفتن ، وحينها استحق أن يكون ممن قيل فيهم : رضي الله عنهم ورضوا عنه.